من السنن التي يقررها القرآن الكريم في مسار التاريخ سنّة نصر الله للمؤمنين وكسر شوكة القوى التي تتكئ على الظلم والغدر. وكثيراً ما يذكّر القرآن المؤمنين بأن موازين القوة الظاهرة ليست هي الحاسمة دائماً، بل إن إرادة الله وسننه في المجتمعات قد تقلب تلك الموازين في لحظة لا يتوقعها الناس.

يقول الله تعالى في سورة الحشر:

﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].

تتحدث هذه الآية عن حادثة تاريخية وقعت في المدينة المنورة حين أُخرج بعض يهودها بعد نقضهم العهود ومشاركتهم في التآمر على المسلمين. وكان هؤلاء يعتمدون على حصونهم وقوتهم ويظنون أنها كافية لحمايتهم، حتى إن كثيراً من الناس لم يكن يتوقع أن يخرجوا من ديارهم.

لكن القرآن يبين أن الأمر جرى على خلاف ما ظنوا؛ فقد جاءت إرادة الله من حيث لم يحتسبوا، وألقى في قلوبهم الرعب، فانهارت ثقتهم بحصونهم، حتى إنهم أخذوا يهدمون بيوتهم بأيديهم قبل أن تقع بأيدي المسلمين.

ولهذا يختم القرآن الآية بقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
أي خذوا العبرة من سنن الله في التاريخ، وتأملوا كيف تتغير الموازين حين تحين لحظة الحقيقة.

وفي سياق هذه الأحداث نزل أيضاً قوله تعالى:

﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5].

وقد جاءت هذه الآية في سياق أحداث المواجهة، حين وقع قطع بعض النخيل في أرض العدو أثناء المعركة، فبيّن القرآن أن ما جرى كان في إطار ظروف الحرب وبإذن الله، وأن الهدف منه إظهار خزي المعتدين.

إن هذه الحادثة القرآنية لا تقتصر أهميتها على كونها رواية تاريخية، بل هي مثال على سنن إلهية تتكرر في مسار الأمم. فكثيراً ما تبدو بعض القوى في ظاهرها شديدة البأس، تعتمد على تحصيناتها العسكرية أو الاقتصادية أو الإعلامية، حتى يظن الناس أنها عصية على الهزيمة.

غير أن القرآن يذكّرنا بأن هذه الصورة قد تكون خادعة، وأن القوة التي تقوم على الظلم والغدر لا تملك ضمان البقاء مهما بلغت من العتاد والسلطان.

ولهذا فإن من أخطر ما قد يصيب المجتمعات هو الاستسلام النفسي أمام صورة القوة التي يصنعها الخصوم لأنفسهم. فالقرآن يريد من المؤمنين أن ينظروا إلى التاريخ بعين البصيرة، وأن يدركوا أن كثيراً من القوى التي بدت عظيمة في زمانها قد زالت حين واجهت لحظة الامتحان.

إن العبرة التي يقدمها القرآن في هذه الآيات واضحة:
القوة الحقيقية لا تقوم على الحصون وحدها، بل على العدالة والصدق والثبات. وحين تتوافر هذه القيم في مجتمع ما، فإنها تصبح عاملاً أساسياً في صموده أمام التحديات.

ولهذا يختم القرآن هذا المشهد التاريخي بنداء موجّه إلى أصحاب البصيرة: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

أي انظروا إلى التاريخ، وتعلموا من سنن الله فيه، فإن الأحداث قد تتغير صورها، لكن السنن التي تحكمها تبقى ثابتة عبر الزمن.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل