في خضم الضجيج الدعائي الذي تبثّه الأبواق الإعلامية الغربية، والتي تسعى إلى تصوير النظام الإسلامي على أنّه نظامٌ هرميٌّ يتجه من الأعلى إلى الأسفل، تكشف إعادة قراءة المدرسة السياسية في الفكر الشيعي عن حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ يتبيّن أن الناس في هذه الجغرافيا ليسوا مجرّد متفرّجين على مسرح السياسة، بل هم أصحاب الدار الحقيقيون، وصنّاع القرار في تقرير مصيرهم.
وفي هذا السياق، تناول حجة الإسلام والمسلمين محمد حسين أمين، الكاتب والباحث الديني، في مقالٍ خصّ به وكالة «أبنا»، بيان الفوارق الجوهرية بين الديمقراطية الدينية في الفكر الإسلامي وبين الديمقراطية الغربية، كما قدّم قراءة تحليلية لسرّ الأمن والاستقرار المستدام الذي تنعم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسط منطقة تموج بالاضطرابات.
حاكمية القلوب في مقابل ديمقراطية الدولارات؛ أين يقف الناس في هذه المعادلة؟
في الرؤية الغربية السائدة، تتحول الديمقراطية في كثير من الأحيان إلى لعبة أرقام، وإلى عملية توجيهٍ للرأي العام عبر أدوات الإعلام ورؤوس الأموال؛ حيث يُختزل الإنسان إلى مجرّد رقم في صندوق الاقتراع، أو إلى أداةٍ في صراع الوصول إلى السلطة. وما إن تنتهي الانتخابات حتى يُترك الناس جانباً، ليُعاد استدعاؤهم عند الدورة الانتخابية التالية.
أما في المدرسة السياسية الشيعية، وفي إطار مفهوم الديمقراطية الدينية، فالأمر يختلف جذرياً؛ إذ لا يُنظر إلى الناس بوصفهم عنصراً هامشياً أو زينة شكلية في بنية النظام، بل بوصفهم لبّ القضية ومحورها الأساسي. فالحكومة في هذا التصور لا تقوم من دون إرادة الناس ومشاركتهم، كما أن شرعية ممارسة السلطة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحضور الجماهير ورضاهم الواعي.
ومن اللافت أن الإسلام طرح قبل قرون طويلة من ادعاءات الغرب حول حقوق الإنسان والديمقراطية مفهوم البيعة بوصفه رابطةً سياسية وأخلاقية تقوم على الوعي والمحبة والإرادة الحرة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الارتباط العميق بين القيادة والأمة بقوله تعالى:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [1].
وهذه البيعة تعبّر بوضوح عن أن الناس في النظام الإسلامي ليسوا «رعية» بالمعنى الذي يدلّ على التبعية العمياء أو فقدان الإرادة، بل هم أصحاب الحق الأصيل في تقرير مصير المجتمع وتحديد مساره.
كما يتجلّى الفارق الجوهري أيضاً في المفهوم الإسلامي العميق المتمثل في «النصيحة لأئمة المسلمين»، وهو مبدأ طرحه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بوصفه واجباً عاماً على الأمة. فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله) قوله:
“ثَلَاثٌ لَا یَغِلُّ عَلَیْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ… وَنَصِیحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِینَ” [2].
ويدل هذا المبدأ على أن الناس لا يمتلكون حق المشاركة فحسب، بل يتحملون أيضاً مسؤولية الرقابة والنصح للحكام، وتقديم المشورة لهم، والعمل على تقويم الانحرافات بروح المسؤولية والحرص على مصلحة الأمة.
التصويت؛ بين حق المواطنة وتكليف العبادة
في الفكر السياسي الغربي، يُنظر إلى التصويت غالباً بوصفه حقاً شخصياً محضاً؛ يمكن للفرد أن يمارسه أو أن يتخلى عنه، بل وقد يتحول في بعض الأحيان إلى أداة تتنافس الأحزاب والشركات الاقتصادية الكبرى على شرائه واستمالته، من دون أن يترتب على ذلك أي التزام أخلاقي ملزم.
أما في إطار الديمقراطية الدينية، فإن التصويت يمثل نقطة التقاء فريدة بين الحق والتكليف؛ فهو حق منحَه الله للإنسان ليشارك في رسم مصيره، وهو في الوقت نفسه تكليف يجعله مسؤولاً أمام مستقبل المجتمع، وأمام دماء الشهداء، وأمام الأجيال القادمة.
فعندما يتوجه المسلم إلى صندوق الاقتراع، فإنه لا يلقي مجرد ورقة في الصندوق، بل يؤدي شهادة كبرى ومسؤولية شرعية في سبيل صيانة كيان المجتمع الإسلامي. ومن منظور الفقه الشيعي، فإن المشاركة في الانتخابات تحمل بعداً عبادياً، شبيهاً بما تحمله الصلاة أو الجهاد في سبيل الله؛ وذلك لأن حفظ النظام الإسلامي – كما أكد الإمام الخميني وقائد الثورة الإسلامية – يُعدّ من أوجب الواجبات.
ومن هنا يكتسب الحضور الشعبي في الانتخابات بُعداً تكليفياً، بحيث يصبح الإعراض عنه نوعاً من اللامبالاة بمصير الأمة ومستقبلها.
إن هذا الفهم المتعالي يجعل الناس – حتى في أصعب الظروف الاقتصادية، ومع ما قد يبدونه من انتقادات مشروعة لبعض المسؤولين – يميّزون بين أصل النظام وبين أخطاء الأفراد. فهم يدركون أن مقاطعة صناديق الاقتراع لا تعني حلّ المشكلات، بل قد تتحول إلى فرصة يستغلها أعداء البلاد لزعزعة الاستقرار وإضعاف المجتمع.
ولهذا يحرص المواطنون على الحضور في الميدان؛ فيمارسون حقهم في المطالبة بالإصلاح، وفي الوقت نفسه يؤدّون واجبهم الديني في حماية خيمة الثورة وصيانة مسيرتها.
لماذا نقف إلى جانب هذا النظام وسط النيران المشتعلة في المنطقة؟
ومن أبرز التساؤلات التي تسعى وسائل الدعاية الأمريكية والإسرائيلية إلى بثها في أذهان الشباب اليوم: «مع كل هذه المشكلات الاقتصادية، لماذا ينبغي الاستمرار في دعم هذا النظام؟».
إن الجواب عن هذا السؤال يتضح بمجرد إلقاء نظرة متأملة على الجغرافيا السياسية المحيطة؛ فالناظر إلى خريطة المنطقة يدرك كيف اجتاحت موجات الحروب والإرهاب وعدم الاستقرار العديد من دول الجوار، في ظل تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل واشنطن وتل أبيب.
وفي خضم هذا المحيط المضطرب، تقف إيران الإسلامية كجزيرة من الاستقرار النسبي والأمن المستدام.
غير أن هذا الأمن لم يتحقق صدفة، بل هو ثمرة تضحيات جسيمة؛ فقد ارتوى بدماء مئات الآلاف من الشهداء، وتعزز بقدرة القوات المسلحة، وقبل كل شيء بفضل الحضور الواعي للشعب في مختلف الساحات.
لقد حاول أعداء هذا الشعب مراراً زعزعة استقرار البلاد عبر الحروب المركبة، والعقوبات المُشلّة، وإثارة الاضطرابات الداخلية، غير أنهم اصطدموا في كل مرة بجدار صلب من الوعي الشعبي والبصيرة الجماهيرية التي ظلت وفية لعهدها.
إن الوقوف إلى جانب النظام لا يعني تبرير مظاهر الضعف أو الغلاء أو الفساد لدى بعض المسؤولين، بل يعني إدراك حقيقة جوهرية، وهي أن انهيار هذا السدّ سيؤدي إلى تسليم البلاد لقوى متوحشة لا ترحم أحداً.
ولذلك يدرك الشعب أن إصلاح الأوضاع ومعالجة المشكلات لا يكون بتقويض البيت من أساسه، بل بتقويته من الداخل. ومن هنا، وبرغم التحديات والصعوبات، يواصل الناس وقوفهم إلى جانب هذا المشروع، حفاظاً على هذا المعقل الاستراتيجي للاستقرار والأمن في المنطقة.
المصادر:
[1] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 18.
[2] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ، ج1، ص403، ح2.
[3] الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة (تحقيق صبحي صالح)، الخطبة 216.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





