صرّح سماحة آية الله الشيخ جعفر سبحاني بأن الابتكار والتجديد من أهمّ الخصائص العلمية لسماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي، مؤكّدًا أنه إذا ما نظرنا في آثاره نجد أنه ترك تقريبًا بعدد سنوات عمره كتابًا أو رسالة علمية.
وذكرت وكالة أنباء الحوزة أن سماحته قال في رسالةٍ مصوّرة خلال مراسم إزاحة الستار عن مجموعة «المنظومة الفكرية لآية الله العظمى مكارم الشيرازي»، التي أقيمت قبل ظهر اليوم في قاعة الاجتماعات بمعهد الثقافة والفكر الإسلامي في قم: إن تكريم العلماء الدينيين أمرٌ مهم، لأن الاحتفاء بهم يدفع الجيل الشاب إلى الاهتمام بالعلم والمعرفة، ويسهم في رفع مكانة العلم في المجتمع.
وأضاف، مستندًا إلى آيةٍ من القرآن الكريم حول رفعة مقام أهل الإيمان والعلم، أن توصية القرآن حتى بإفساح المجال للعلماء في المجالس تدل على عظمة مكانة العلم والعلماء، وأن مثل هذه السلوكيات تؤدي إلى تعزيز منزلة العلم في المجتمع.
وتابع هذا المرجع الديني حديثه بالإشارة إلى الحياة العلمية لسماحة آية الله مكارم الشيرازي، فقال: إنه وُلد سنة 1305 هـ.ش في مدينة شيراز، وبعد أن أكمل دراسته هناك التحق في شبابه بالحوزة العلمية في قم، واستفاد من دروس كبار العلماء مثل آية الله البروجردي (رحمه الله) وآية الله الداماد (رحمه الله). كما أقام فترة في النجف الأشرف واستفاد من دروس آية الله الحكيم (رحمه الله) وآية الله الخوئي (رحمه الله)، ثم عاد إلى قم وواصل دراساته في الفقه والأصول.
كما أشار سماحته إلى استفادة آية الله مكارم الشيرازي من دروس العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في الفلسفة والكلام، موضحًا أنه حضر دروسه نحو خمس سنوات، بل قام ـ بأمر منه ـ بترجمة المجلد الأول من تفسير الميزان إلى اللغة الفارسية.
وبيّن سماحته أن الابتكار يعد من أبرز الخصائص العلمية لآية الله مكارم الشيرازي، مشيرًا إلى أن من ابتكاراته تأليف مجموعة من البحوث العقائدية باللغة الفارسية وبأسلوب يتناسب مع احتياجات الجيل الجديد؛ إذ إن كثيرًا من الكتب الموجودة كانت إمّا بالعربية أو مكتوبة بأسلوب قديم لا يناسب الجيل المعاصر.
وأضاف أن من أبرز إنجازاته أيضًا تأليف تفسير «نمونه»، وهو تفسير كُتب في وقت كان المجتمع بحاجة فيه إلى تفسير فارسي واضح يجيب عن تساؤلات الشباب وقضايا العصر. وقد تُرجم هذا التفسير لاحقًا إلى اللغة العربية وأصبح مرجعًا يستفيد منه الباحثون.
كما أشار إلى الخدمات الحوزوية التي قدّمها آية الله مكارم الشيرازي، مثل تأسيس المدارس العلمية والمشاركة في صياغة دستور الجمهورية الإسلامية، مؤكدًا أن هذه الأعمال تعكس نظرته المستقبلية وخدماته العلمية والاجتماعية الباقية.
وفي الختام، أشار آية الله سبحاني إلى النشاط العلمي الواسع لآية الله مكارم الشيرازي، قائلاً إن كثرة مؤلفاته تدل على أنه ترك أثرًا علميًا تقريبًا عن كل سنة من سنوات عمره، معتبرًا ذلك توفيقًا إلهيًا.
وفي نهاية كلمته دعا الله تعالى أن يمنّ على مراجع التقليد العظام وكبار علماء الحوزة العلمية بالتوفيق والصحة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
قال الحكيم في كتابه الكريم:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
يسعدني أن أتحدث عن الشخصية العلمية لمفسّرٍ كبيرٍ وفقيهٍ رفيع المقام.
إنّ تكريم العلماء – على أي وجه كان – يحمل فوائد جمّة، ومن أهمها أنه يثير في الأجيال الحاضرة حبّ العلم والمعرفة؛ فحين يرى الشباب أن العلماء يُكرَّمون ويُقدَّرون – في حياتهم أو بعد رحيلهم – تنشأ فيهم رغبة صادقة في طلب العلم.
وفي الواقع، فإن الذين يقيمون مثل هذه الحفلات التكريمية، يشاركون بصورة غير مباشرة في نشر العلم وتعزيز مكانة العلماء، وهي رسالة سامية.
واللافت في هذه الآية المباركة أنّها تتحدث عن أمرٍ يبدو ظاهريًّا بسيطًا، لكنه لما كان متعلقًا بالعلم والعلماء اكتسب أهمية عظيمة.
فالله سبحانه يقول: إذا كنتم جالسين في مجلسٍ مكتظٍّ، ودخل عالم فقيل لكم افسحوا له مكانًا، «فَافْسَحُوا» أي افسحوا المجال. وإن قيل لكم قوموا، «فَانشُزُوا» أي قوموا. لماذا؟ لأن الله تعالى يقول:
«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» – أي إن الله يرفع المؤمنين وأصحاب العلم درجاتٍ عالية.
وهذا السلوك – أي فسح المكان للعالم أو القيام له احترامًا – يؤدي إلى رفع مقام العلم والعلماء في المجتمع. فقوله تعالى «يَرْفَعِ اللَّهُ» هو النتيجة المترتبة على هذين الأمرين الإلهيين، لأن ثمرتهما تكريم العلم وعلوّ قدره بين الناس.
وإن بدا الأمر صغيرًا، إلا أنه بما أنه متعلق بالعلم، فإنه أمرٌ عظيم الشأن.
لقد وُلد سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي في سنة 1305 هـ.ش (شباط أو آذار 1927م تقريبًا) في مدينة شيراز، وقضى فيها طفولته وشبابه، وبدأ دراسته الابتدائية في مدرسة آقا باباخان.
وفي شبابه، أي نحو سنة 1324 هـ.ش (حوالي سن الرابعة والعشرين)، التحق بالحوزة العلمية في قم.
وقد تكوّنت شخصيّته العلمية أساسًا على يد عالمين جليلين:
المرحوم آية الله السيد محمد داماد في الفقه والأصول.
المرحوم آية الله العظمى البروجردي، حيث حضر درس الفقه عنده.
كما أفاد من عددٍ آخر من العلماء، إلا أن الأساس العلمي الأهم في تكوينه كان على يدي هذين الأستاذين الجليلين.
وفي سنة 1329 هـ.ش توجّه إلى النجف الأشرف، وأقام فيها نحو سنتين، حيث حضر دروس آية الله السيد محسن الحكيم وآية الله السيد أبو القاسم الخوئي (رحمهما الله).
ثم عاد إلى قم بسبب صعوبات الإقامة والمناخ هناك، وواصل دراسته في الفقه والأصول.
أما في ميداني الفلسفة والكلام، فقد تتلمذ نحو خمس سنوات على يد العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (رحمه الله)، وشارك في جلسات تدريس كتاب الأسفار.
بل كلّفه العلامة الطباطبائي بترجمة الجزء الأول من تفسير الميزان إلى اللغة الفارسية.
وفي هذا المقام أود أن أشير إلى نقطة هامة في حياة سماحته، وهي روح الابتكار والتجديد.
فالله تعالى يمنح عباده الفهم والذاكرة، غير أن روح الابتكار عطية نادرة.
وقد منح الله هذه النعمة الجليلة لسماحة آية الله مكارم الشيرازي.
فعندما نتأمل في آثار العلماء السابقين، نجد أن المؤلفات المكررة لم تترك أثرًا عميقًا في الزمن، بينما تلك التي كانت مبتكرة ومجددة بقيت حيّة وفتحت آفاقًا جديدة أمام الفكر الإسلامي.
أذكر أن سماحته ألّف في تلك الفترة سلسلةً في العقائد الإسلامية بالفارسية الحديثة تحت عنوان «الإنسان والعالم»، تناول فيها موضوعات الخلق والإله والمعاد.
كانت الكتب العقدية المتاحة آنذاك مكتوبة بلغة فارسية قديمة أو بالعربية، مما جعلها بعيدة عن متناول الجيل الجديد.
فجاءت مؤلفات آية الله مكارم بأسلوبٍ سهلٍ وواضحٍ استجاب لحاجات العصر، فكانت أول مشروع عقدي متكامل باللغة الفارسية بلغة العصر، وانتشر بين الشباب بسرعة.
ومن مظاهر روح الابتكار لديه أيضًا، تأسيس المدارس والمراكز العلمية ذات الرؤية المستقبلية، لتبقى مصدرًا للعلم لأجيالٍ متعاقبة؛ وهي بدورها خدمة خالدة للحوزة والعلم.
كما أن خدماته الحوزوية والثورية واضحة ومعروفة؛ فقد كان له دور بارز في صياغة الدستور الإيراني بعد الثورة الإسلامية.
وقد كنت شخصيًا حاضرًا في تلك الجلسات، وأذكر أن المرحوم آية الله الشهيد بهشتي وسماحته كانا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في إعداد الدستور.
ولا ينبغي أن نغفل عن دوره العظيم في تأليف تفسير «نمونه».
فحين دوّنه، كان المجتمع بحاجة ماسّة إلى تفسير عصريٍّ وباللغة الفارسية السهلة يجيب عن تساؤلات الشباب الدينية والاجتماعية.
وقد ألّفه خلال نحو خمسة عشر عامًا، مستفيدًا من الميزان ومصادر أخرى، حتى غدا تفسيرًا شاملًا ومعاصرًا نُقل فيما بعد إلى اللغة العربية، وصار اليوم مرجعًا يعتمد عليه الباحثون العرب والمسلمون.
لقد أنعم الله على سماحته بتوفيقاتٍ كبيرة.
فهو اليوم، وقد مضى نحو قرنٍ من عمره المبارك (منذ 1305 هـ.ش إلى 1405 هـ.ش)، ما زال يُفيض علمًا وعطاءً.
إذا نظرنا في آثارِه، نرى أنّه قد خلّف تقريبًا بعددِ سنواتِ عمرِه كتابًا أو رسالةً علميّة. «ذلك فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاء».
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ وجود سماحته وسائر المراجع العظام ومشايخ الحوزة العلمية للإسلام والمسلمين، وأن يصون الحوزات العلمية وبلادنا الإسلامية من كل سوءٍ وبلاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ترجمة مركز الإسلام الأصيل





