مفهوم “الجهاد” في القرآن الكريم هو من الكلمات الأساسية التي استخدمت بطبقات عميقة أخلاقية وتربوية وروحية. آيات متعددة من القرآن تربط هذه الكلمة بالسعي الدؤوب، والثبات في طريق الحق، والصمود أمام الصعوبات الروحية والاجتماعية. من هذا المنظور، الجهاد ليس مجرد عمل مؤقت، بل هو عملية مستمرة من النمو الداخلي، والرعاية الأخلاقية، وتعزيز المعتقدات الإلهية.

وقال الباحث الديني الايراني حجة الإسلام والمسلمين عباس علي دادي إنه في جميع آيات القرآن، نرى أن الله سبحانه وتعالى يدعو الإنسان إلى الصبر، والثبات، والجهاد. هذه المفاهيم الثلاثة في المعاني والمفاهيم القرآنية، تستخدم تقريبًا بنفس المعنى. في المصطلحات القرآنية، الصبر، والجهاد، والثبات لها معنى ومفهوم مشترك. هناك العديد من الآيات يدعو الله فيها الناس إلى هذه الأمور الثلاثة المهمة. من الكلمات التي استخدمها الله كثيرًا في القرآن هي كلمة “الجهاد” التي استخدمت بتعابير مختلفة مثل “جاهدوا”، “يجاهدوا”، “جاهد” وغيرها في آيات متنوعة، وفي حالات متعددة، ليأمر بالجهاد.

وأضاف أن النقطة المثيرة للاهتمام هي أن الله يقول عن الجهاد: إذا أردت أن تعرف المؤمن الحقيقي، فعليك أن تذهب إلى الذين هم أهل الجهاد. مجرد الحضور في الصف الأول من صلاة الجماعة أو حفظ القرآن أو امتلاك علامات العبادة الظاهرية، ليس معيارًا كاملاً لمعرفة الإيمان الحقيقي. بل المؤمنون الحقيقيون هم أهل الجهاد. يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا”.

وأشار الشيخ عباس علي دادي الى أنه في مدرسة القرآن، الجهاد لا يعني القتال والحرب فقط. القتال جزء من الجهاد، لكن الجهاد له معنى واسع وشامل. يقول الله مخاطبًا الرسول الأعظم (ص): “جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ”. نزلت هذه الآية في مكة المكرمة، بينما لم يكن النبي(ص) في ذلك الوقت مأمورًا بالقتال والحرب. يشمل الجهاد مجالات مختلفة مثل الجهاد السياسي، والثقافي، والاقتصادي، والتبييني، وكل هذه تندرج تحت مسمى الجهاد.

وحول واجب الناس تجاه مفهوم “الجهاد” من منظور القرآن بيّن هذا الباحث الديني: “إذا نظرنا إلى منطق القرآن ومعارف أهل البيت(ع)، نرى أن الجهاد قبل كل شيء يعني السعي، والمثابرة، وتحمل المسؤولية في سبيل الحق. كل من لديه أدنى معرفة بالتعاليم الدينية يعلم أن التركيز الرئيسي للقرآن هو على الثبات على القيم ومقاومة الضعف والتقاعس”.

وأضاف الشيخ علي داداي أنه “عندما نذهب لزيارة أضرحة الأئمة (عليهم السلام)، نشهد أنهم أدوا “حق الجهاد”. أي أنهم بذلوا قصارى جهدهم في سبيل الإيمان، والعدالة، والأخلاق، وخدمة الناس. هذا هو النموذج الذي يرسمه القرآن للإنسان المؤمن. يشرح القرآن الكريم تعبير “أشداء على الكفار رحماء بينهم”، والذي يعني الثبات في مواجهة الصعوبات والرحمة في العلاقات الاجتماعية والأخلاقية. هذه الآية لا تدعو إلى الحرب أو العنف، بل تشير إلى قوة الشخصية، والثبات، وتجنب التفكك في المجتمع”.

وأكد حجة الإسلام والمسلمين علي دادي أن “الله تعالى يؤكد على الصبر كثيرًا إلى جانب الجهاد، ويقول: “فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ”. أول أمر للنبي (ص) هو أن يصبر، كما صبر الأنبياء العظام(عليهم السلام). هذا البيان يدل على أن سيرة جميع الأنبياء كانت مبنية على الصبر والثبات. بما أن الله وصف النبي (ص) بأنه “أسوة حسنة”، فإن واجبنا هو الاقتداء به؛ ولذلك، فإن الصبر واجب على الجميع. بالطبع، الصبر في القرآن لا يعني السلبية والتقاعس، بل يعني الثبات الفعال في مختلف ميادين الحياة. يُعرّف الله الصبر حتى في قلب المعركة؛ حيث يقول: “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ” ويؤكد فورًا: “إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”. في هذه الآية، يُقدم الصبر كعامل للنصر في الظروف الصعبة.

وأشار الى أنه في الآية القرآنية الأخرى يقول الله تعالى: “وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ”؛ كم من الأنبياء قاتل معهم رجال إلهيون كثيرون، لكنهم لم يضعفوا أبدًا. ثم يقول: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ”.

كما يؤكد في الآية “فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ” على ضرورة الاستقامة، وفي الآية “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى” يُطلب من الناس أن يقوموا لله؛ سواء بشكل جماعي أو فردي. هذه الآيات تظهر أن الصبر، والاستقامة، والقيام هي مفاهيم مترابطة في مسار الجهاد والارتقاء الإنساني.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل