تعتبر المسيرات الليلية للشعب الإيراني نموذجاً تم فيه دمج الفعل الجمعي الديني مع توجيه القيادة الشرعية، مما وضع المجتمع في وضعية تجعله، وفقاً للسنن الإلهية، قابلاً لتلقي النصر والإمداد. والإمداد الإلهي هنا ليس مجرد ادعاء ما ورائي، بل هو “واقع اجتماعي معنوي” يمكن ملاحظته في السلوكيات، والروحيات، والتماسك، والنتائج العينية.
من منظور علم الاجتماع الإسلامي، فإن المشاركة الشعبية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية أو سياسية، بل لها بعد مضاعف. فمن جهة، يُحلل الفعل الجمعي في إطار الأنماط الاجتماعية المعروفة، ومن جهة أخرى، يتقاطع هذا الفعل مع “السنن الإلهية” ويصبح جزءاً من التيار المعنوي للتاريخ. المسيرات الليلية للشعب الإيراني وتلبية نداء ولي الفقيه هي من هذا القبيل: حدث اجتماعي يحمل معاني دينية، ويمكن فهمه في إطار سنة الإمداد الإلهي.
1. الحضور الجمعي باعتباره “فعلاً دينياً”
على عكس بعض المقاربات العلمانية، لا يعتبر عالم الاجتماع المسلم الحشد الجماهيري للمؤمنين مجرد “تعبئة اجتماعية”. في هذا المنظور، يكتسب الفعل الجمعي صفة “عبادية” عندما يتم وفق الشروط التالية:
- بنية إلهية صافية
- استجابة لنداء القيادة الشرعية
- في سبيل الدفاع عن القيم الدينية وكيان المجتمع الإيماني
والفعل العبادي، وفقاً للتعاليم الدينية، هو مجال لتهيئة الظروف لنزول الإمداد الإلهي، لأن السنة الإلهية قائمة على نصرة الجماعة المؤمنة الفاعلة: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]. لذلك، فإن الحضور الليلي للناس ليس مجرد تجمع، بل هو “إعلان ولاء عملي” يضع بنية المجتمع في مسار النصرة الإلهية.
2. ارتباط القيادة الدينية وتفعيل السنن
من منظور عالم الاجتماع المسلم، القيادة الدينية الشرعية ليست مجرد موقع رمزي أو سياسي، بل لها دور “منتج للمعنى” و”منظم لأفق الفعل الجمعي”. عندما يدعو القائد المجتمع المؤمن إلى الحضور في الميدان، فإن هذه الدعوة والتلبية العامة من قبل الناس تجعل:
- اتجاه الحركة الجمعية يتضح
- النيات تتوحد
- التشتتات النفسية والاجتماعية تتحول إلى وحدة معنوية
وهذا التوحد في النيات والأفعال، وفقاً للأدبيات الدينية، يعزز وضعية تلقي الإمداد الإلهي. عند هذه النقطة بالذات، ينبغي لعالم الاجتماع المسلم أن يتحدث عن “الانسجام” بين الفعل الجمعي للناس و”السنن الإلهية الجارية”.
3. حضور الناس وظهور “القوة الاجتماعية”
كل تجمع كبير وحضور شعبي في الميدان يمتلك طاقة، ولكن يمكن التمييز بين نوعين من الطاقة:
- الطاقة الاجتماعية الناتجة عن روابط هواتفية أو وطنية فقط
- الطاقة الاجتماعية الناتجة عن روابط توحيدية
النوع الثاني، بسبب ارتباطه بالإيمان والنية الإلهية، يتسم بجودة يمكن أن ترتبط بالنصرة الإلهية، مثل نصرة أصحاب النبي في غزوة بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]، حيث خلقت قوة اجتماعية أدت إلى انتصار جبهة الإيمان.
تعتبر المسيرات الليلية، عندما تتشكل على أساس نية الدفاع عن الدين وطاعة القيادة الشرعية، “تجلياً لهذه القوة”. في مثل هذه الحالة، يمكن تفسير أن الإمداد الإلهي لا يظهر كحدث خارق للعادة، بل وفقاً للسنة الإلهية، يظهر في المجتمع.
4. الإمداد الإلهي كآلية اجتماعية معنوية
السنن الإلهية، من وجهة نظر عالم الاجتماع المؤمن، لا تتعارض مع القوانين الاجتماعية، بل تقع في نقطة أعلى منها. والإمداد الإلهي في هذا الإطار هو التقاء قانوني بين الفعل الإيماني للمجتمع والإرادة الإلهية.
في الحضور الليلي، يصل المجتمع المؤمن إلى حالة من “الاستقامة”، والتي تعتبر وفقاً للتعاليم الإسلامية واحدة من أهم أرضيات تحقيق الإمداد الإلهي. يظهر الإمداد في مثل هذه المواقف غالباً في صورة:
- فتح طرق لم تكن متوقعة
- خلق السكينة الداخلية والعزة الجماعية
- حفظ المجتمع من الزلات والفتن
لذلك، ترقبوا المفاجآت الإلهية للمجتمع الإيماني في إيران العزيزة.
الخلاصة
تعتبر المسيرات الليلية للشعب الإيراني نموذجاً تم فيه دمج الفعل الجمعي الديني مع توجيه القيادة الشرعية، مما وضع المجتمع في وضعية تجعله، وفقاً للسنن الإلهية، قابلاً لتلقي النصر والإمداد. والإمداد الإلهي هنا ليس مجرد ادعاء ما ورائي، بل هو “واقع اجتماعي معنوي” يمكن ملاحظته في السلوكيات والروحيات، والتماسك، والنتائج العينية.
*ترجمة وتنقيح مركز الإسلام الأصيل





