بابا الفاتيكان يحذّر من تحول الديمقراطية إلى إستبداد الأغلبية

حذّر البابا البابا ليو الرابع عشر من ما وصفه بخطر انزلاق الأنظمة الديمقراطية نحو “استبداد الأغلبية”، في رسالة اعتُبرت من أبرز تدخلاته الفكرية في الجدل العالمي حول حدود السلطة وشرعيتها ومعايير ممارستها في ظل الاستقطاب السياسي المتصاعد.

وجاءت الرسالة، الصادرة عن الفاتيكان وموجهة إلى مشاركين في اجتماع يبحث استخدام السلطة داخل الأنظمة الديمقراطية، لتؤكد أن الديمقراطية لا يمكن أن تحافظ على توازنها واستقرارها إلا إذا بقيت متجذرة في منظومة قيم أخلاقية وضوابط إنسانية، محذراً من أن غياب هذا الأساس قد يحوّلها إلى نظام يخضع لإرادة الأغلبية بشكل مطلق، أو إلى واجهة لهيمنة النخب الاقتصادية والتكنولوجية.

وشدد بابا الفاتيكان في نص الرسالة على أن شرعية السلطة لا تستمد من القوة أو النفوذ الاقتصادي أو التطور التكنولوجي، بل من الحكمة والفضيلة التي تُمارس بها، مؤكداً أن السلطة في جوهرها ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الصالح العام وحماية الكرامة الإنسانية. كما دعا قادة الديمقراطيات إلى تجنب الإغراء الدائم بالاستئثار بالسلطة، معتبراً أن الاعتدال يشكل عنصراً أساسياً في الاستخدام المشروع للسلطة، لأنه يحد من التباهي المفرط ويعمل كحاجز ضد إساءة استخدامها.

وتأتي هذه الرسالة في سياق دولي متوتر، يتزامن مع جولة أفريقية يقوم بها البابا، ومع تصاعد سجال غير مباشر بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق أن وجه انتقادات علنية لرأس الكنيسة الكاثوليكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على خلفية مواقف الفاتيكان من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران. وكان ترامب قد وصف البابا بأنه سيئ للغاية، فيما أكد البابا لاحقاً عزمه مواصلة انتقاد الحرب رغم تلك الهجمات، ما يعكس تبايناً واضحاً بين الخطاب السياسي الأمريكي والخطاب الأخلاقي ـ الروحي للفاتيكان.

ورغم أن الرسالة الأخيرة لم تتضمن أي إشارة مباشرة إلى الولايات المتحدة أو أي نظام سياسي بعينه، فإن توقيتها وسياقها يفتحان الباب أمام قراءات واسعة حول طبيعة العلاقة المتوترة بين الفاعلين السياسيين العالميين والمرجعيات الأخلاقية العابرة للحدود، في ظل تصاعد الجدل حول الشعبوية السياسية، ودور النخب، وحدود الديمقراطية المعاصرة.

وفي مستهل جولته الأفريقية، وصل البابا أمس الأول الاثنين إلى الجزائر في زيارة وُصفت بأنها تاريخية، حملت رسائل سلام قوية من عنابة إلى العاصمة، في مشهد جمع بين البعد الديني والدبلوماسي والإنساني.

ففي مدينة عنابة، قال البابا خلال زيارته إلى دار للمسنين عقب توقفه عند كنيسة القديس أوغستين، إن “الله ليس مع الأشرار والمتكبرين والمتسلطين، وإنما مع الصغار والمتواضعين”، مؤكداً أن الرسالة الروحية الحقيقية تقوم على المحبة ونبذ الحروب والعنف والأكاذيب، وعلى بناء مجتمع يقوم على التعايش والتضامن الإنساني.

خلال لقائه بنزلاء دار الرعاية، شدد على أن المؤسسات التي تحتضن كبار السن وتعزز العيش المشترك تمثل أملاً ورجاءً للإنسانية، في إشارة إلى البعد الأخلاقي والاجتماعي للرسالة الدينية في دعم الفئات الهشة وترسيخ قيم التضامن.

وفي محطة أخرى من الزيارة، توجه البابا إلى كاتدرائية كاتدرائية السيدة الإفريقية، حيث أشرف على احتفالية دينية حملت رمزية روحية بارزة ضمن جولته في البلاد، في وقت حظيت فيه زيارته باهتمام رسمي وشعبي واسع.

وكان البابا قد شرع أمس الأول الاثنين في زيارة رسمية إلى الجزائر بدعوة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، حيث شملت الزيارة محطات دينية ورسمية في العاصمة وعنابة، في إطار برنامج يعكس البعد الدبلوماسي والروحي للزيارة.

وفي سياق متصل، رحّب جامع الجزائر بالزيارة، معتبراً أن اختيار الجزائر كبداية للجولة الأفريقية للبابا يحمل دلالات رمزية وروحية تعكس مكانة البلاد في تعزيز الحوار بين الحضارات والأديان، ويمثل فرصة لترقية قيم السلم والتعاون في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى مبادرات قائمة على الحكمة والإيمان.

كما شدد البيان على التزام الجزائر بمرجعيتها الدينية الوسطية المعتدلة، بما يعزز دورها في نشر ثقافة التعايش والتقارب بين الثقافات وترسيخ قيم السلام والاستقرار بين الشعوب، في انسجام مع الرسائل التي حملتها زيارة البابا، والتي جمعت بين التحذير الفكري من اختلالات الديمقراطية، والدعوة العملية إلى السلام والحوار بين الأديان في سياق دولي شديد الاضطراب.

وفي سياق التفاعل الحقوقي مع الزيارة، قال مدير معهد جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان أنور الغربي في تصريحات خاصة لـ،”عربي21”: إن الدور المأمول من البابا ليو الرابع عشر لا يقتصر على الخطاب الأخلاقي، بل ينبغي أن يترجم إلى ضغط معنوي ودبلوماسي لوقف الحروب الجارية في العالم، وإنصاف الشعوب المظلومة التي تعاني من النزاعات الممتدة.

وأضاف الغربي أن في مقدمة هذه القضايا يأتي الشعب الفلسطيني الذي يواجه، بحسب تعبيره، “أبشع احتلال في العالم في ظل تواطؤ دولي وصمت دولي مقلق”، معتبراً أن المرجعية الأخلاقية التي يمثلها الفاتيكان يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إعادة الاعتبار لقيم العدالة وحقوق الإنسان في النظام الدولي، وتعزيز صوت الضحايا في وجه موازين القوة المختلة”.

وتابع: “بذلك، تتقاطع رسالة البابا الأخيرة مع مطالب حقوقية دولية تدعو إلى إعادة تفعيل البعد الأخلاقي في السياسة العالمية، في وقت تتزايد فيه الحروب والنزاعات، وتتعمق فيه الفجوة بين القانون الدولي والواقع الميداني”، وفق تعبيره.

المصدر: عربي 21 

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل