*من الذي يتعجّل الاتفاق؟*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٣١٦، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

📩 أجاب العدد الجديد من #صوت_إيران في افتتاحيته عن هذا السؤال..

📝 أدّت حرب الأربعين يومًا إلى وقوع الولايات المتحدة في مأزق صنعته بنفسها، وفي هذه الأيام، ومع تصاعد الضغوط على حكومة ترامب، يُلاحظ أيضًا استعجال للخروج من هذه الحرب. وبالطبع تحاول الولايات المتحدة إنكار وقوعها في هذا الضيق، ومن خلال ألعاب إعلامية تسعى إلى الإيحاء بأن إيران هي التي لا تملك وقتًا كافيًا، وأنه من الأفضل لها التعجّل في التوصل إلى اتفاق.

🔹️ تبدو المواقف الأخيرة لدونالد ترامب بشأن توقيت وشروط الاتفاق مع إيران، في ظاهرها، حاملة لرسالة بسيطة ومكررة: الولايات المتحدة ليست في عجلة من أمرها، وعلى إيران أن تتخذ القرار. لكن هذا هو ظاهر المسألة فقط. فعند إزالة الطبقات الأعمق من هذا الموقف، تظهر بوضوح مؤشرات على واقع مختلف؛ واقع يشير إلى الضغط والقيود والحاجة إلى الخروج من مأزق بالنسبة للولايات المتحدة.

🔹️ يقول ترامب إنه يمتلك «كل وقت العالم»، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن «نفاد الفرصة» بالنسبة لإيران. ومن جهة أخرى، أكد وزير الدفاع الأمريكي هيغست في الكونغرس، ردًا على مسألة إطالة أمد الحرب مع إيران، أنه لم يمضِ سوى شهرين على الحرب، وأن الولايات المتحدة كانت منخرطة لسنوات في العراق وأفغانستان، ولا ينبغي ممارسة هذا القدر من الضغط على حكومة ترامب بسبب هذا الأمر. هذه الطروحات لا تنسجم مع بعضها، بل إن تحليلها يُظهر أن الولايات المتحدة واقعة في ضيق يدفعها نحو الاتفاق والخروج من الحرب.

🔹️ لكن لماذا تتعجّل الولايات المتحدة الاتفاق؟
يجب البحث عن جذور هذا التسارع الخفي في عدة مستويات متزامنة. أولها الاقتصاد؛ فاستمرار هذا الوضع أو اندلاع صراع جديد مكلف للولايات المتحدة. وقد واجه الهيكل الاقتصادي لهذا البلد في السنوات الأخيرة تحديات جدية، ولا يحتمل أزمة استنزاف جديدة. إن زيادة النفقات العسكرية، والضغط على الميزانية الفيدرالية، والحساسية الشديدة للأسواق العالمية تجاه انعدام الأمن في المنطقة، كلها عوامل خلقت ضغوطًا تدفع صانعي القرار الأمريكيين نحو احتواء التوتر. ويُظهر سوق الطاقة، على وجه الخصوص، رد فعل فوري تجاه هذه التطورات، وأي تقلب في الأسعار يمكن أن يزيد من السخط الداخلي.

🔹️ إلى جانب الاقتصاد، تمرّ السياسة الداخلية الأمريكية أيضًا بحالة هشّة. فالاستقطاب الحاد حوّل كل قرار كبير في السياسة الخارجية إلى ساحة منافسة داخلية. ولم تُمحَ بعد من ذاكرة المجتمع الأمريكي تجربة الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان. وتشير تصريحات بعض المسؤولين إلى تلك التجارب كاعتراف غير مباشر بأن الدخول في مسار مشابه، أي حرب طويلة بلا نتيجة، قد يترتب عليه تكاليف سياسية باهظة.

🔹️ كما أن عامل الوقت والحاجة إلى تفويض قانوني من الكونغرس للحرب يلقيان بظلالهما بقوة على القرار الأمريكي. فكل رئيس في هذا البلد يعمل ضمن أفق زمني محدود. ومن دون موافقة الكونغرس، لا يمكن للرئيس المشاركة في الحروب لأكثر من 60 يومًا. ومع انتهاء هذه المهلة، قام ترامب، عبر تفسير خاص لهذه الفترة، بالالتفاف على الكونغرس، ما أدى إلى تصاعد ضغوط كبيرة عليه داخل المؤسسة التشريعية.

🔹️ ومن جهة أخرى، أظهرت تجربة حربي الـ12 يومًا والـ40 يومًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع هزيمة إيران؛ فلم ينهَر الهيكل السياسي الإيراني، ولم يتغير سلوك إيران الإقليمي. في المقابل، تمكنت إيران من التكيف مع الظروف الجديدة، وإدارة الضغوط، وتعزيز قدراتها. وهذا الواقع وضع الولايات المتحدة في موقع تحتاج فيه إلى تحقيق نتيجة ملموسة لتبرير سياساتها السابقة.

🔹️ كذلك، تستمر تكاليف الوجود العسكري في المنطقة. فالحفاظ على الأساطيل، ونشر القوات، وحالة التأهب الدائم، كلها تفرض ضغوطًا إضافية على موارد الولايات المتحدة، وهو وضع لا يمكن استمراره إلى ما لا نهاية. وفي الوقت نفسه، تطالب جماعات الضغط المختلفة داخل أمريكا بحسم هذا الوضع، إذ إن حالة عدم اليقين تُعد أسوأ سيناريو لكثير من الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين.

🔹️ في مقابل هذه الضغوط، يبدو سلوك إيران لافتًا؛ إذ لا تظهر طهران أي استعجال في مواقفها. وقد أدت التجارب السابقة، خاصة في ملف الاتفاق النووي، إلى أن تتعامل إيران مع المفاوضات بحذر وحساب دقيق. ويظل التأكيد على الحقوق القانونية والمصالح الوطنية هو المحور الأساسي لهذا النهج. وتدرك إيران جيدًا أن التسرّع في مثل هذه الظروف قد يؤدي إلى تقديم تنازلات من طرف واحد.

🔹 إن الاختلاف في خطاب الطرفين يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فمن جهة، تتحدث واشنطن بلغة متقلبة؛ تارةً عن عدم الحاجة، وتارةً عن الإلحاح. ومن جهة أخرى، تؤكد طهران على مبادئ ثابتة وتتجنب الدخول في الألعاب النفسية. ويشير هذا التباين إلى اختلاف الموقع الحقيقي لكل طرف.

🔹 نقطة مهمة أخرى هي التغيرات في النظام الدولي. فالعالم اليوم لم يعد يتأثر بسهولة كما في السابق بالإرادة الأحادية للولايات المتحدة. إن تشكّل تحالفات جديدة، وتزايد دور القوى الإقليمية، والتغير في المعادلات الاقتصادية، كلها عوامل قيّدت يد واشنطن. وفي مثل هذا المناخ، أصبح فرض الشروط الأحادية أكثر صعوبة من الماضي.

🔹 عند جمع هذه العوامل، تتضح الصورة بشكل أكبر. فالولايات المتحدة تواجه مجموعة من الضغوط المتزامنة: ضغوط اقتصادية، وضغوط سياسية داخلية، وضغط الوقت، وضغط الحفاظ على المصداقية الدولية. وقد زادت هذه الضغوط من رغبتها في الوصول إلى اتفاق. في المقابل، تعتمد إيران على الخبرة والحسابات الدقيقة، وتتجنب الدخول في اتفاق متسرع.

🔹 وبشكل عام، يمكن الاستنتاج أنه خلافًا للتصريحات الرسمية، فإن واشنطن هي الأكثر استعجالًا للوصول إلى اتفاق. أما إيران، فقد رسمت مسارها وفقًا لمصالحها، ولن تتعجل التوصل إلى اتفاق ما لم يتم تأمين هذه المصالح.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل