من سوق الكتب البالية إلى عالم المعرفة: كتاب جلّده القائد بيده

لم يكن تعلق القائد الشهيد بالكتاب طارئًا في حياته، بل كان نزعة راسخة تشكّلت منذ سنواته الأولى، حتى غدت المطالعة جزءًا لا ينفصل عن يومياته ومسيرته.

الذي بين أيديكم مقتطفات من المقابلة الوحيدة لقائد الثورة آية الله السيد مجتبى الخامنئي، والتي أُجريت عام 1442 هـ (2021 م)، ونُشرت بعد استشهاد القائد.

نشأ القائد في بيئة أُسرية تقدّر العلم والقراءة؛ فوالده، كما هو معروف، كان من أهل المطالعة، وكذلك والدته التي عُرفت باهتمامها بالحديث والمعارف. ويُنقل عنها قولها: «أنا أعرف من الحديث أكثر مما يعرفه زوجي»، في إشارة إلى سعة اطلاعها في هذا المجال، مقابل تخصّص والد القائد في الفقه. غير أن ما تميّز به القائد من شغف استثنائي بالكتاب يبدو أعمق من مجرد أثر بيئي، بل أقرب إلى ميل ذاتي متجذّر.

ومن المشاهد اللافتة في طفولته، أنه في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كان يتردد على متاجر الكتب القديمة، ينتقي منها ما يستطيع اقتناءه، ثم يقوم بنفسه بتجليد تلك الكتب ليحتفظ بها ويقرأها. ولا يزال كتاب «نصاب الصبيان» شاهدًا على تلك المرحلة؛ إذ يحتفظ به الراوي من بين الكتب التي قام القائد بتجليدها بيده. ويُذكر أن ضيق ذات اليد آنذاك كان يدفعه إلى شراء الكتب الأقل ثمنًا، ثم العناية بها بهذه الطريقة، في مشهد يكشف عن عمق ارتباطه بالعلم رغم بساطة الإمكانات.

ولعل في هذه القصة من العبرة ما يجعل القلب يعي ما تعجز عنه الكلمات. فقد حدث ذات مرة أن شرحت هذا المشهد لأحد عمال المكتب الذي كان يساعدني في ترتيب الغرفة؛ حدثته كيف أن القائد لم تكن لديه نقود لشراء الكتب، فكان يقتني ما هو أرخص ثمناً، ويجمعها ويجلدها بيديه ليكون له منها زاد للمطالعة. وما إن أكملت حكايتي حتى رأيت الرجل واجماً، وقد استولى التأثر على مشاعره، فلم يملك إلا أن يُخفي دمعته وهو يُصغي إلى سيرة رجل قضى طفولته على هذا النحو من التعلق بالعلم والعمل.

هذه العادة لم تكن مرحلة عابرة، بل استمرت معه لاحقًا؛ فقد كانت المطالعة قبل النوم من ثوابته اليومية، لا يتركها إلا لظرف استثنائي. كما اتسمت قراءاته بسعة لافتة وتنوع كبير في الموضوعات، الأمر الذي كان يثير انتباه من عرفه، حتى من خارج الوسط الحوزوي، كالأدباء وأهل الفكر، الذين أبدوا دهشتهم من هذه الموسوعية في المعرفة منذ سنين شبابه الأولى.

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل