استعرض معاون الشؤون الثقافيّة في السلطة القضائيّة الأسسَ اللاهوتيّة للمقاومة في المدرسة الفكريّة للشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، مبيّنًا أنّ مفهوم “الوطنيّة” في رؤية هذا القائد الشهيد لم يكن في تقابلٍ مع الإسلام، بل يُعرّف في إطارٍ قائمٍ على أساس الإسلام؛ وهي استراتيجيةٌ ترى في إيران نقطة الثقل لجبهة المقاومة والضمان لاستمرار الصمود بوجه الإرادات الشيطانيّة.
في كلمةٍ ألقاها يوم الخميس (7 خرداد 1405هـ.ش الموافق لـ 28 مايو 2026م)، خلال ندوةٍ علميّةٍ عُقدت تحت عنوان “الأسس اللاهوتيّة للمقاومة في فكر القائد الشهيد” بتنظيمٍ من معهد بحوث القرآن والحديث، أكّد حجّة الإسلام والمسلمين هادي صادقيّ، معاون الشؤون الثقافيّة في السلطة القضائيّة الإيرانيّة، قائلًا: إنّ المقصود باللاهوت هنا هو معناه العامّ، أي مجموع المعارف الدينيّة؛ وفي الثقافة المسيحيّة أيضًا، فإنّ اللاهوت المسيحيّ هو المعارف المسيحيّة ذاتها، التي تُترجم أحيانًا، على نحوٍ خاطئٍ، إلى “علم الكلام المسيحيّ”.
وأشار سماحته إلى أنّ اللاهوت ينقسم إلى شقّين: نظريٍّ وعمليٍّ؛ حيث تندرج أصول معرفة اللّه (التوحيد) ومعرفة المرشد (النبوّة) وما شابهها ضمن اللاهوت النظريّ، فيما يشمل اللاهوت العمليّ كلّ ما يتعلّق بالأخلاق والشريعة الإسلاميّة، أي الفقه العمليّ كالعبادات وسواها.
وأوضح أنّ المقاومة في الاصطلاح تُطلق على أيّ نوعٍ من أنواع الصمود في وجه الضغوط الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة وما إلى ذلك، وهي الأكثر قربًا من مفهوم الجهاد في الثقافة الإسلاميّة، الذي يشمل كلّ جهدٍ جادٍّ ومضنٍ في مواجهة أعداء اللّه، فيستوعب بذلك أنواع الحروب الصلبة والناعمة وشتّى أشكال الضغوط.
وتطرّق معاون الشؤون الثقافيّة في السلطة القضائيّة إلى أسس المقاومة من منظور القائد الشهيد، فقال: من أبرز هذه الأسس الإيمان باللّه تعالى؛ وقد تناول القائد الشهيد في كلماتٍ متعدّدةٍ تحليل هذا الموضوع، مستشهدًا بآياتٍ قرآنيّةٍ، منها: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96]، وكان يعتقد أنّ أشخاصًا كـياسر عرفات إنّما مُنوا بالهزيمة لأنّهم لم يمتلكوا الإخلاص اللازم للقيام بالعمل للّه، فلم يُكتب لجهودهم البقاء.
وأضاف سماحته قائلًا: اعتماده الآخر كان على الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]؛ وعليه، فإنّ أصل العمل يتمثّل في الإيمان باللّه والمقاومة. وكان يردّد سماحته دائمًا أنّ صمود الشعب الإيراني رهينٌ بإيمانه.
وتابع: إنّ قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112] من الآيات الأخرى التي كان يؤكّد عليها سماحته ويكثر من الاستشهاد بها. وأضاف: والمسألة الأخرى هي التوكّل على اللّه تعالى، وهي حاضرةٌ بكثافةٍ في كلامه وركّز عليها كثيرًا معتبرًا إيّاها درسًا يجب أن تتعلّمه جبهة المقاومة. وقد صرّح بأنّ هذا هو درس القرآن وعلى الشعوب المسلمة أن تتعلّمه.
وأضاف هذا الأستاذ الحوزويّ: إنّ إمامي الثورة الإسلاميّة يعتبران تحقّق الوعد الإلهيّ علامةً باعثةً على الأمل لتحقّق الوعود الكبرى للّه تعالى؛ وإذا رجعنا إلى التجارب السابقة للثورة سنرى مدى تحقّق هذه التجارب، وبناءً على ذلك فلنكن على ثقةٍ بأنّ الوعود الكبرى ستتحقّق أيضًا.
وأردف سماحته: كان القائد الشهيد يحلّل المقاومة في ضوء السنّة الإلهية، ويرى نتيجتها نصرًا حتميًّا لجبهة الحق، لأنّ سنّة اللّه أن ينصر المتوكّلين وأهل المقاومة. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَلَمّا رَأَى اللّهُ صِدْقَنا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنا الكَبْتَ…»؛ أي إنّه يكفي أن نصمد بصدقٍ، وأن نكون واثقين ومؤمنين بالوعود الإلهيّة.
وأوضح حجّة الإسلام والمسلمين صادقيّ، قائلًا: بالطبع، إنّ الأمر ليس على نحوٍ تكون فيه السنّة الإلهيّة باتجاهٍ واحدٍ فقط؛ بحيث يكون المؤمنون دائمًا منتصرين؛ لأنّ العون الإلهيّ عامٌّ، ولكنّ النصر في نهاية المطاف للمؤمنين. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَلا وَلا يَحْمِلُ هذَا العَلَمَ إِلاّ أَهْلُ البَصَرِ وَالصَّبْرِ»؛ فلا بدّ من التحلّي بالبصيرة والصبر في هذا الطريق. وقد قال القرآنُ الكريم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120].
وأضاف مبيّنًا: إنّ الركيزة الأخرى هي مسألة “البصيرة” التي تتطلّب معرفة العدوّ، ومعرفة الصديق، ومعرفة المسار؛ وقد ضرب القائد الشهيد أمثلةً على ذلك، منها أنّ الشمر الذي فصل الرأس الشريف للإمام الحسين (عليه السلام) عن جسده كان من جرحى حرب صفّين، ومثل هذه المخاطر قد تكون موجودة للثورة أيضًا. وكان يؤكّد سماحته دائمًا على أنّ تكلفة المقاومة أقلّ بكثيرٍ من تكلفة الاستسلام.
وأضاف موضحًا: ومن أجمل عبارات القائد الشهيد حول البصيرة قوله: إذا نام الجنديّ في جبهة القتال، فإنّه عندما يستيقظ يكون مذهولًا مشوّشًا، وقد يوجّه ضربةً إلى جنديٍّ من صفّه؛ وهكذا حال من يفتقد البصيرة.
وصرّح معاون الشؤون الثقافيّة في السلطة القضائيّة بالقول: إنّ ركيزةً أخرى للمقاومة في فكر القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) هي الصبر؛ فمجرّد الإيمان لا يكفي، بل الإيمان يثمر إذا كان مقرونًا بالصبر. وكان الأنبياء يقولون لمعارضيهم: إنّا نصبر على أذاكم وعداوتكم، فإذا وُجد الصبر ترتّبت عليه الخيرات. ومن منظور سماحته، إذا لم نغيّر اتّجاه حركتنا، ولم ننحرف، وصبرنا، فإنّ النصر الإلهيّ حتميٌّ. أمّا من يثقُ بابتسامةِ العدوّ فإنّه سيُهزم يقينًا.
وتابع سماحته: إنّ ركيزةً أخرى هي الإرادة القويّة على المقاومة. ولقد صرّح القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) بأنّ هذه الحرب حرب الإرادات، والإرادة القويّة تنبع من الإيمان والتوكّل والثقة باللّه المتعالي. ونحن اليوم نواجه أعداءً يمتلكون إرادةً قويّةً في مسارهم الشيطانيّ؛ فهم يعانون ضعفًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا وغيره، لكن إرادتهم الشيطانيّة قويّةٌ جدًّا؛ لذا يجب أن يكون عزمنا وإرادتنا أقوى منهم.
وأضاف قائلًا: لم يصرّح القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) بالاتّكاء على أصل ولاية الفقيه بسبب بعض الاعتبارات، لكن يُفهم من كلامه أنّ المقاومة لا معنى لها بدون القائد والوليّ الفقيه.
وأوضح حجّة الإسلام والمسلمين صادقيّ، مبيّنًا: إنّ الركيزة الأخرى تكمن في فكرة “الوطنيّة القائمة على أساس الإسلام”. ولقد أكّد القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) على هذه المقولة كثيرًا، خاصّةً في أواخر حياته المباركة، وقال في ليلة عاشوراء: «أنشد “إي إيران”»*. وكان يؤكّد سماحته أنّه حتّى لو سقطت سوريا، فإنّ مركز جبهة المقاومة – أي إيران- يجب أن تبقى، لكي تبقى المقاومة بأكملها. فالقيادة المركزيّة يجب أن تبقى محفوظةً؛ ولذلك نرى أنّه كم نمت الوطنيّة بين الشعب الإيرانيّ خلال الحربين الثانية والثالثة** نموّا كبيرًا، لدرجة أنّه لم يُطبع في تاريخ بلادنا هذا القدر من علم إيران.
ولفت هذا الأستاذ الحوزويّ إلى أنواع لاهوت الحرب، قائلًا: إنّنا نستطيع أن نطرح لاهوتًا داعيًا إلى الحرب، أو لاهوتًا داعيًا إلى السلم، ولكن ما نستفيده من فكر القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) هو لاهوت المقاومة في وجه الظلم، مع رفض التعدّي والعدوان في الوقت ذاته. وبناءً عليه، فإنّ السلام- تبعًا للظروف- يتقدّم على الحرب، وليس الأمر أن تكون سياستنا هي الحرب دائمًا.
وأضاف مؤكّدًا: غير أنّه إذا أمعن العدوّ في التعدّي والحقد والغدر والنقض المتكرّر للعهود، فعلينا أيضًا أن نتعامل بحزمٍ، و- وبحسب تعبير القرآن الكريم- نقابله بالمثل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في خطوةٍ لافتةٍ، طلب القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة، آية اللّه العظمى السيّد علي الحسينيّ الخامنئيّ، من الحاج محمود كريميّ، الرادود الإيرانيّ الشهير، أداء النشيد الوطنيّ “إي إيران” وذلك في مراسم ليلة عاشوراء الحسينيّة 14 تير 1404هـ.ش (5 جولاي 2025م). وقد لبّى كريميّ الطلب وأدّى هذا النشيد الوطنيّ الذي يعبّر عن الحبّ العميق لإيران، ممّا أثار مشاعر وطنيّةً قويّةً لدى الجمهور الإيرانيّ وعكس التلاحم بين القيم الدينيّة والوطنيّة في الثقافة الإيرانيّة المعاصرة.
** إنّ “الحرب الثانية” يُقصد بها حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل (13-24 يونيو 2025م)، و«الحرب الثالثة» أو «حرب رمضان» يُقصد بها الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران عام 2026 م (التي بدأت في 28 فبراير 2026/ 10 شهر رمضان 1447)، والتي أدّت إلى استشهاد آية الله العظمى الإمام الخامنئي (رضوان اللّه تعالى عليه).





