أكد الباحث الايراني في مؤسسة البحوث الاسلامية التابعة للعتبة الرضوية المقدسة “محمد حسين محمد بور” أن كرامة الإنسان هي محور أخلاقيات عاشوراء، قائلاً: “في قلب رسالة عاشوراء يكمن مفهوم الكرامة الإنسانية، والكرامة تعني القيمة والمكانة التي منحها الله للإنسان وجعله مستحقًا للاحترام والتقدير”.
وأشار إلى ذلك، الباحث الايراني في مؤسسة البحوث الاسلامية التابعة للعتبة الرضوية المقدسة “محمد حسين محمد بور” في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا)، مؤكداً أنه في نظر الإمام الحسين (ع)، لا يحق لأي قوة أن تدوس هذه الكرامة أو تحول الإنسان إلى أداة لتحقيق أهدافها.
وأشار إلى فلسفة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، قائلاً: “إن واقعة عاشوراء هي إحدى أكثر الأحداث تأثيراً وخلوداً في تاريخ البشرية، والتي لم تجد مكانة خاصة فقط في الذاكرة التاريخية للمسلمين والشيعة، بل في الوجدان الأخلاقي للعديد من أحرار العالم”.
وأضاف أنه “على الرغم من أن هذه الحادثة وقعت في عام 61 هـ وفي منطقة جغرافية محدودة، إلا أن رسائلها وتعاليمها تجاوزت حدود الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا خالدًا لمكافحة الظلم، والدفاع عن الحق، وصيانة الكرامة الإنسانية”.
وذكر محمد بور أن “المفکرین المسلمين وغير المسلمين على مرّ التاريخ قد حللوا فلسفة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من زاوية خاصة”، قائلاً: إن البعض شدد على الجانب السياسي لعاشوراء واعتبرها حركة لمواجهة الطغيان، بينما ركّز آخرون على أبعادها الاجتماعية، وقدّموا عاشوراء كمحاولة لإصلاح الهیاکل المنحرفة للمجتمع الإسلامي. إلى جانب هذه المقاربات، فإن النظرة الأخلاقية لعاشوراء تحظى بأهمية خاصة، لأن العديد من أهداف الإمام الحسين (ع) وسلوكياته ومواقفه لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا في ضوء المفاهيم الأخلاقية”.
وأشار إلى أن “واقعة عاشوراء كانت رد فعل على الأزمة الأخلاقية في المجتمع، وقال: لفهم دقيق لفلسفة ثورة عاشوراء، يجب الانتباه إلى الظروف الاجتماعية والثقافية في العصر الأموي. فالمجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول الأعظم (ص) واجه تدريجياً تحولات، جزء منها يعود إلى تغير المعايير الأخلاقية والقيمية. وقد تمكنت الحكومة الأموية، باستخدام أدوات القوة والثروة والدعاية، من تهميش العديد من القيم الإسلامية الأصيلة واستبدالها بثقافة حب الدنيا، والأرستقراطية، والتمييز، والسعي وراء المصالح الشخصية”.
وأشار هذا الباحث الديني إلى العلاقة بين عاشوراء والأخلاق قائلاً: “إحدى أهم طرق فهم عاشوراء هي دراستها في إطار الأخلاق. في هذا النهج، المحور الرئيسي للأخلاق ليس القوانين والنتائج، بل شخصية الإنسان وسلوكه، ويُطلق على الإنسان الفاضل من ترسخت فيه الصفات الأخلاقية، وتنبثق تصرفاته من داخل شخصيته، ووفقًا لهذا التعريف، فإن شخصية الإمام الحسين (ع) هي تجسيد لمجموعة من أسمى الفضائل الإنسانية، والشجاعة والصدق والعدالة وعزة النفس والصبر والولاء والكرم والرحمة والتضحية، كلها صفات تداخلت في شخصية الإمام الحسين (ع) بطريقة جعلت من عاشوراء معرضًا للفضائل الأخلاقية.
وصرّح محمدبور بأن “شجاعة الإمام الحسين (ع) لم تقتصر على التواجد في ساحة المعركة، بل كانت شجاعته الحقيقية في قراره الواعي بالوقوف في وجه السلطة الحاكمة. قد يدافع الكثيرون عن الحق في الظروف العادية، ولكن عندما يتعلق الأمر بحياتهم وعائلاتهم ومصالحهم، يتراجعون عن مواقفهم. أظهر الإمام الحسين (ع) أن الفضيلة الأخلاقية تكتسب معناها عندما يلتزم بها الإنسان حتى في أصعب الظروف”.
وأضاف: “اليوم، يحتاج المجتمع البشري أكثر من أي وقت مضى إلى نماذج يمكنها إحياء الأخلاق في المجال العام، وعاشوراء هي أحد أهم هذه النماذج، لأنها تظهر أن العدالة والصدق والحرية والكرامة الإنسانية ليست قيمًا يمكن التغاضي عنها، ولهذا السبب لم تقتصر رسالة عاشوراء على المجتمع الشيعي أو حتى العالم الإسلامي، بل وجد فيها العديد من المفكرين ودعاة الحرية في العالم مصدرًا للإلهام الأخلاقي”.
وأكد هذا الباحث في مؤسسة البحوث الإسلامية التابعة للعتبة الرضوية المقدسة أن الكرامة الإنسانية هي محور أخلاق عاشوراء، وقال: “في قلب رسالة عاشوراء يكمن مفهوم الكرامة الإنسانية، والكرامة تعني القيمة والمكانة التي منحها الله للإنسان وجعلته مستحقًا للاحترام والتقدير. في نظر الإمام الحسين (ع)، لا يحق لأي سلطة أن تدوس هذه الكرامة أو تحول الإنسان إلى أداة لتحقيق أهدافها. يجب فهم رفض الإمام الحسين (ع) البيعة ليزيد في هذا الإطار. لم يكن يزيد مجرد حاكم سياسي، بل كان رمزًا لنظام يضحي بالكرامة الإنسانية من أجل السلطة والمصلحة، وقبول مثل هذه الحاكمية من قبل الإمام الحسين (ع) كان يعني تأييد إهانة الإنسان وإضفاء الشرعية على الظلم”.
وتابع محمدبور: “شعارات الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء تستند أيضًا إلى هذا المبدأ. إن تأكيد الإمام على العزة ورفض الذل يعبر عن حقيقة أن الإنسان المؤمن لا يجب أن يستسلم للظلم، حتى لو كانت تكلفة هذا الصمود باهظة للغاية. في هذا المنظور، لا قيمة للحياة بدون كرامة، وأحيانًا يكون الموت الشريف أفضل من الحياة الذليلة. من المنظور الأخلاقي، عاشوراء هي دفاع كامل عن كرامة الإنسان ومنزلته؛ دفاع ليس فقط للمسلمين بل لجميع البشر، وهو مفهوم وملهم”.
عاشوراء مدرسة لتربية الإنسان المسؤول
وفي معرض حديثه عن المسؤولية الأخلاقية للإنسان في مواجهة الظلم، قال: “إن من أهم دروس عاشوراء تحمل مسؤولية مصير المجتمع، وكثيرًا ما يظن الناس أن واجبهم يقتصر على الالتزام بالأخلاق في حياتهم الشخصية، لكن عاشوراء تُظهر أن للأخلاق أبعادًا اجتماعية أيضًا. كان بإمكان الإمام الحسين (عليه السلام) أن ينأى بنفسه عن الحياة الاجتماعية كما فعل كثير من الصالحين في عصره، وأن يكرس نفسه للعبادة والحياة الشخصية، لكنه لم يفعل”.
وأضاف هذا الباحث الديني: “من وجهة نظر الإمام، يعتبر الصمت على الظلم نوعًا من التهرب من المسؤولية الأخلاقية، وتعبيرًا عن هذا المبدأ أن الإنسان لا يمكن أن يكون غير مبالٍ بمعاناة الآخرين. حيثما يُداس حق ويُظلم إنسان، يدعو الضمير الأخلاقي الإنسان إلى رد فعل. من هذا المنظور، عاشوراء هي مدرسة لتربية الإنسان المسؤول؛ الإنسان الذي يعتبر نفسه مسؤولاً أمام الله والمجتمع والتاريخ، ولا يرضى بالصمت على الظلم بحجة الحفاظ على مصالحه الشخصية”.
وأشار محمدبور إلى أخلاق الحوار ومراعاة الإنسانية في ساحة المعركة، وقال: “أحد الجوانب الأقل اهتمامًا في عاشوراء هو التزام الإمام الحسين (ع) بالمبادئ الأخلاقية حتى في ظروف الحرب والمواجهة، فبينما تتحول العديد من الحروب إلى ساحة للانتقام والعنف والكراهية، أظهرت عاشوراء أن الأخلاق يمكن أن تكون حاضرة حتى في أصعب الظروف. حاول الإمام الحسين (ع) مرارًا وتكرارًا الحوار مع معارضيه وتوعيتهم بعواقب أفعالهم. كانت خطاباته في المحطات المختلفة وفي يوم عاشوراء محاولة لإيقاظ ضمائر الناس، ولم يحتقر أعداءه، بل تحدث معهم ووفر لهم فرصة للتفكير”.
وتابع هذا الباحث الایراني في الشؤون الدينية: “من هذا المنظور، فإن واقعة عاشوراء هي أكثر من مجرد مواجهة عسكرية أو احتجاج سياسي، إنها حركة لإحياء القيم الأخلاقية المنسية، وإعادة المجتمع إلى طريق الفضيلة والعدالة والإنسانية. في الواقع، سعى الإمام الحسين (ع) بثورته إلى إظهار أن حياة المجتمع، قبل كل شيء، تعتمد على سلامته الأخلاقية، وكلما ضُحِّي بالقيم الأخلاقية من أجل المصالح السياسية والدنيوية، فإن الهوية الدينية والإنسانية للمجتمع تتعرض أيضًا للدمار”.
واختتم محمدبور حديثه قائلاً: “في إطار المسؤولية، عاشوراء هي رمز للإنسان الذي يشعر بالالتزام تجاه الحقيقة، والمجتمع، ومصير الآخرين، ولا يرضى بالتهرب من هذه المسؤولية بحجة الحفاظ على الأمن أو المصلحة الشخصية. الرسالة الخالدة لعاشوراء هي أن الإنسان الأخلاقي يجب أن ينمي الفضائل في داخله ويقف بمسؤولية في وجه المعاناة، والظلم، والانحراف من حوله، وسر خلود عاشوراء يكمن في هذا الارتباط بين الفضيلة والمسؤولية، وهو ارتباط لا يزال بإمكانه أن يكون مرشدًا للإنسان المعاصر في البحث عن الحقيقة، والعدالة، والكرامة الإنسانية”.





