لماذا يُعدّ إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) أمرًا مهمًا؟

إن إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) يعزّز ثقافة مناهضة الظلم، والبصيرة، والوحدة، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، ويجعل من عاشوراء عاملًا لحفظ حقيقة الدين في المجتمع.

 

السؤال:

لماذا لا يزال إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) مهمًا ونافعًا؟

الجواب:

إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في مواجهة يزيد ليست مجرد حادثة تاريخية تنتمي إلى الماضي، بل هي حقيقة خالدة وملهمة عبر التاريخ. فامتناع الإمام عن مبايعة يزيد، وخروجه من المدينة إلى مكة ثم إلى الكوفة وكربلاء، كان قائمًا على أهداف واضحة وعميقة، وقد بيّنها مرارًا طوال مسيرته، كاشفًا عن الأبعاد الفكرية والاستراتيجية لهذه النهضة.

وكان الهدف الأساس للإمام الحسين (عليه السلام) إحياء الإسلام المحمدي الأصيل؛ ذلك الإسلام الذي ابتعد، في ظل الحكم الطاغوتي، عن حقيقته النقية، ولم يبق منه إلا مظهره الخارجي. ومن هنا، فإن إحياء ذكرى عاشوراء لا يقتصر على استذكار حدث مضى أو إقامة مجالس العزاء وسكب الدموع، بل هو سبيل للحفاظ على القيم الإنسانية والدينية العليا وصيانة حقيقة الإسلام الأصيل.

وفيما يلي توضيح ذلك من خلال مجموعة من النقاط:

ملاحظات حول أهمية إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام)

أولًا: مصدر للبصيرة والوحدة في مواجهة العدو الظالم

من أهم رسائل نهضة عاشوراء المحافظة على روح مناهضة الظلم وتعزيزها في المجتمعات الإسلامية. فمقاومة الظلم والسعي لإقامة العدل من الأهداف الأساسية لبعثة الأنبياء الإلهيين، وقد قدّمهم الله تعالى روّادًا لإقامة القسط (1). وهذه المسؤولية لا تقتصر على الأنبياء وحدهم، بل إن القرآن الكريم يدعو المؤمنين أيضًا إلى مؤازرتهم والمشاركة في مسيرة العدل وطلب الحق (2). ومن هذا المنطلق، تُعدّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) امتدادًا لتلك الرسالة الإلهية في مواجهة الظلم والفساد والانحراف.

لقد نهض الإمام الحسين (عليه السلام) في زمن تعرّضت فيه القيم الدينية للتحريف، وأُقصي فيه الحق عن ساحة المجتمع والحكم. وقد صرّح قائلًا:

«أَلا ترون أن الحق لا يعمل بِهِ، وأن الباطل لا يتناهى عنه! ليرغب المؤمن فِي لقاء اللَّه محقا، فإني لا أَرَى الموت إلا شهادة، وَلا الحياة مع الظالمين إلا برما» (3).

كما استند إلى حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليؤكد أن السكوت أمام الحاكم الجائر يجعل الإنسان شريكًا له في المصير، وأعلن بوضوح أن حكومة يزيد فقدت شرعيتها بسبب تعطيل الحدود الإلهية، ونشر الفساد، وتغيير أحكام الله، والتصرف غير المشروع في بيت مال المسلمين (4).

ومن الطبيعي أن الحكام الفاسدين في أي عصر ومكان لا يرحبون بمثل هذه الرسالة. كما أن تاريخ الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) يثبت أن قوى الباطل سعت دائمًا، عبر الوسائل المختلفة، إلى إسكات صوت العدالة.

لذلك فإن إحياء النهضة الحسينية في مناسبات محرم وصفر ليس مجرد تخليد لذكرى تاريخية، بل هو استراتيجية ثقافية واجتماعية للحفاظ على روح اليقظة والحرية ومقاومة الظلم والثبات في مواجهة الانحراف والاستبداد. ومن خلال هذا التذكير المستمر، تتضح معايير الحق ومعرفة العدو أمام المجتمع، الأمر الذي يعزز الوعي ويوفر أرضية أوسع للوحدة والتكاتف في مواجهة الظالمين. فالمجتمع الذي يحسن تمييز الصديق من العدو يكون أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التهديدات المشتركة، وأبعد عن الوقوع في شَرَك الفرقة والغفلة وسوء تشخيص المواقف.

ثانيًا: ترسيخ الاهتمام بالدين والابتعاد عن النزعة العلمانية

من الرسائل المهمة لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) التأكيد على الحضور الفاعل للدين في الحياة الاجتماعية والسياسية، ومواجهة النزعات العلمانية.

ففي منطق الإسلام لا يوجد فصل بين الدين والدنيا، أو بين الدين والسياسة. صحيح أن الإسلام يرفض التعلق بالدنيا وتقديمها على الآخرة، لكنه يقرّ الاستفادة الصحيحة من الدنيا وتنظيم شؤون الحياة الفردية والجماعية في إطار الهداية الإلهية. ومن ثم فإن الدين لا ينسحب من المجال الاجتماعي والسياسي، بل يقدّم القيم والأحكام والضوابط اللازمة لإدارة المجتمع على الوجه الصحيح.

وفي المقابل، تقوم العلمانية ـ بمختلف صورها ودرجاتها ـ على تقليص دور الدين أو إقصائه عن الحياة العامة. فبعض الاتجاهات العلمانية تنكر الدين من أساسه، وبعضها الآخر يعترف به من حيث المبدأ لكنه يرفض دوره في تنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن خطر العلمانية لا يقتصر على المجتمعات غير المتدينة، بل قد يتسلل تدريجيًا إلى رؤى المتدينين وأنماط حياتهم أيضًا (5).

وفي هذا السياق، تؤدي الذكرى السنوية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في شهري محرم وصفر دورًا يتجاوز حدود الحزن والعزاء، إذ تسهم في صيانة مكانة الدين في مجالي الحياة والسياسة. فقد أوضح الإمام الحسين (عليه السلام) «إنه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان ، ولا التماسا من فضول الحطام ، ولكن لنري المعالم من دينك ، ونظهر الاصلاح في بلادك ، ويأمن المظلومون من عبادك ، ويعمل بفرائضك وسنتك وأحكامك» (6).

وبناءً على ذلك، يمكن تلخيص أهداف نهضته في أربعة محاور: إحياء الإسلام الأصيل، والإصلاح الاجتماعي، ومواجهة الظلم نصرةً للمظلومين، وتهيئة الأرضية لتطبيق الأحكام الإلهية (7).

ومن هنا، فإن نشر ثقافة عاشوراء يؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على حضور الدين في الحياة والمجتمع والسياسة، ويؤكد أن الدين ـ في منطق النهضة الحسينية ـ لا يقتصر على الجانب الفردي والعبادي، بل يمتد إلى الإصلاح الاجتماعي، ومقاومة الظلم، وتنظيم الحياة العامة.

ثالثًا: تمهيد للترابط الديني والتضامن الاجتماعي

من الآثار المهمة لإحياء ذكرى نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) خلال محرم وصفر تعزيز العلاقة بين الناس والمؤسسة الدينية، وإحياء روح التعاون وتحمل المسؤولية الاجتماعية.

فهذه المناسبات ليست مجرد مجالس عزاء، بل تمثل ساحة حية لحضور الدين في حياة الناس. ففيها يتواصل العلماء والمبلغون مع مختلف فئات المجتمع، ويجيبون عن أسئلتهم الفكرية والدينية، ويعالجون الشبهات، ويسهمون في تصحيح الرؤى والسلوكيات الاجتماعية.

وفي المقابل، يحافظ الناس من خلال هذا التواصل المستمر على صلتهم بالمرجعية الدينية والمؤسسة العلمية، ويساعدون على استمرارها واستقلالها من خلال الدعم المعنوي والمادي.

إلى جانب ذلك، تسهم مناسبات محرم وصفر في ترسيخ قيم الإيثار والتكافل وخدمة الآخرين. فالاستماع إلى رسائل عاشوراء والتأمل في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) يبعد الإنسان عن الأنانية والتعلق بالدنيا، ويدفعه نحو التضحية ومساعدة المحتاجين والاهتمام بالصالح العام.

وفي هذا السياق، رُوي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن الإمام الحسين (عليه السلام) قال:

«فما الموت إلا قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسطة والنعيم الدائمة» (8).

فهذه الرؤية تجعل من الدنيا ميدانًا لأداء المسؤولية وتحقيق السعادة الحقيقية، لا غاية نهائية بحد ذاتها.

ومن ثم فإن إحياء عاشوراء يسهم في توثيق علاقة الناس بالمؤسسة الدينية، ورفع مستوى الوعي الاجتماعي، ونشر ثقافة الخدمة والمسؤولية في المجتمع، بما يترك أثرًا دائمًا في حيوية الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين.

النتيجة

إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست حادثة تاريخية عابرة، بل حركة حية ومؤثرة هدفت إلى إحياء الإسلام الأصيل، ومواجهة الظلم، وتحقيق الإصلاح الاجتماعي، وصيانة الأحكام الإلهية. ولذلك فإن إحياء ذكراها يؤدي وظيفة تتجاوز مجرد إقامة مراسم الحزن والعزاء.

فإحياء عاشوراء يحافظ على روح مقاومة الظلم والوعي والصمود في المجتمع، ويوضح الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، مما يهيئ الأرضية للبصيرة ومعرفة العدو والوحدة في مواجهة التحديات المشتركة. كما يمنع حصر الدين في المجال الفردي، ويؤكد دوره في المجتمع والسياسة.

ومن جهة أخرى، يسهم شهرا محرم وصفر في تعزيز العلاقة بين الناس والمؤسسة الدينية، وتلبية احتياجاتهم الفكرية والدينية، ونشر ثقافة الخدمة وتحمل المسؤولية الاجتماعية. ومن هنا، تمثل عاشوراء ركيزة دائمة لحيوية المسلمين وتماسكهم الاجتماعي.


الهوامش

(1) سورة يونس، الآية 47 «وَ لِکُلِّ أُمَّهٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِیَ بَیْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا یُظْلَمُونَ».

(2) سورة الحديد، الآية 25 «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَیِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْکِتابَ وَ الْمیزانَ لِیَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».

(3) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 404.

(4) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 403.

(5) للمزيد يُراجع: محمد حسن قدردان قراملكي، القرآن والعلمانية، قم، منظمة منشورات معهد الثقافة والفكر الإسلامي، 1390هـ.ش.

(6) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 100، ص 79-81.

(7) للمزيد يُراجع: محسن رنجبر، فلسفة نهضة عاشوراء، مجلة التاريخ في مرآة البحث، العدد 3، سنة 1382هـ.ش.

(8) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 6، ص 154.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

تديين السياسة أم تسييس الدين؛ أيّهما هي السياسة العلويّة؟
مالفرق بين معرفة الله الفطرية وبين معرفة الله العرفانية الكشفية الشهودية؟
ماذا أجاب الإمام السجاد (عليه السلام) عندما سُئل: من المنتصر في معركة كربلاء؟
أحكام شهر رمضان | استمرار النيّة شرطٌ أساس في صحّة الصوم
مشاركة الشعب في النظام الإسلامي.. حقيقة شرعية أم ادعاء سياسي؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل