باحثٌ قرآنيٌّ: العدالة والثأر للمظلومين من متطلّبات تحقيق الحضارة الإسلاميّة

باحثٌ قرآنيٌّ: العدالة والثأر للمظلومين من متطلّبات تحقيق الحضارة الإسلاميّة

 أكّد حجّة الإسلام والمسلمين الموسويّ أنّ العدالة تُعدّ أحد الأركان الأساسيّة للحضارة الإسلاميّة، مشدّدًا على أنّ مواجهة الظلم، والثأر للمظلومين، وتطبيق الأحكام الإلهيّة في إطار العدالة، تمثّل مقوّماتٍ أساسيّةً لبناء مجتمعٍ يرتكز على القيم القرآنيّة.

 أكّد حجّة الإسلام والمسلمين السيّد أبو الحسن الموسويّ، الباحث في الدراسات القرآنيّة، أنّ القرآن الكريم، إلى جانب تعريفه باللّه تعالى بوصفه مصدرًا للرحمة والمحبّة، يشدّد بالقدر ذاته على مبدأ العدالة ومواجهة الظلم، مبيّنًا أنّ إقامة العدل، والتصدّي للطغيان، ومعاقبة المجرمين، تُعدّ من المبادئ الأساسيّة التي أرساها القرآن الكريم، وتمهّد الطريق لتحقيق الحضارة الإسلاميّة.

وأوضح قائلًا: إنّ القرآن الكريم، بجميع آياته وسوره، يقدّم رؤيةً شاملةً للبشريّة تتمحور حول الجمال والمحبّة الإلهيّة؛ فالذات الإلهيّة هي مصدر كلّ جمالٍ، كما جاء في محكم التنزيل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [طه: 8].

وأضاف: وإنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] يعرّف النبيّ محمّدًا (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بأنّه مظهر الرحمة للعالمين، غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يُفهم على أنّ الإسلام ينفي العدالة الجزائيّة أو القصاص أو مواجهة الظلم.

وتابع قائلًا: إنّ القرآن الكريم يعرّف العدالة بأنّها من أبهى الصفات الإلهيّة، ويرى أنّ الغاية من بعثة الأنبياء هي إقامة العدل والقسط في المجتمع، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]؛ ما يعني أنّ الأنبياء بُعثوا لينهض الناس بالعدل ويقيموا حدوده.

القصاص ليس وسيلةً للانتقام الشخصيّ بل ضمانٌ للحياة الاجتماعيّة

وقال حجّة الإسلام والمسلمين الموسويّ: إنّ الغاية من القصاص في المنظور القرآنيّ هي صيانة أمن المجتمع وحماية حياته، فهذا ما صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179].

وأضاف: إذا لم يكن هناك أيّ ردّ فعلٍ تجاه الجريمة والظلم، فإنّ النظام الاجتماعيّ سينهار، وستتهيّأ الأرضيّة لتكرار الجرائم؛ ولذلك فإنّ إقامة العدالة لا تتعارض مع الرحمة الإلهيّة، بل هي مظهر من مظاهر الرحمة العامّة للباري عزّ وجلّ.

وتابع: كما أنّ الطبيب قد يضطرّ أحيانًا إلى إجراء عمليّةٍ جراحيّةٍ لإنقاذ حياة المريض، فإنّ مواجهة الظلم قد تبدو في ظاهرها شديدةً وقاسيةً، غير أنّ غايتها هي الحفاظ على سلامة المجتمع والحيلولة دون تفشي الفساد.

العدالة تمهيدٌ لتحقيق الحضارة الإسلاميّة

وفي معرض إشارته إلى العلاقة الوثيقة بين العدالة والحضارة الإسلاميّة، صرّح حجّة الإسلام والمسلمين الموسويّ قائلًا: إذا كان الهدف هو تحقيق الحضارة الإسلاميّة وإعداد المجتمع لإقامة الحكومة العالميّة لبقيّة اللّه الأعظم الإمام المهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، فإنّ من متطلّبات ذلك مكافحة الظلم ونصرة المظلوم.

وأضاف: إنّ الثأر للمظلومين ومتابعة حقوق الذين تعرّضوا للظلم بغير حقٍّ، يكتسبان معناهما الحقيقيّ في إطار العدالة الإسلاميّة، ولا يمكن الحديث عن الحضارة الإسلاميّة والوقوف في الوقت ذاته بموقف الحياد واللامبالاة تجاه الجور والجرائم.

وأردف قائلًا: كما أنّ القانون يفرض العقوبة على شخصٍ يرتكب جريمة القتل، فإنّ مبدأ العدالة يجب أن يُراعى أيضًا في مواجهة الجرائم والانتهاكات الواسعة التي تُرتكب ضدّ الشعوب والأمم.

الاستقامة؛ استراتيجيّةٌ قرآنيّةٌ في مواجهة ضغوط الأعداء

وفي جانبٍ آخر من حديثه، تطرّق هذا الباحث القرآنيّ إلى الضغوط السياسيّة والاقتصاديّة التي يمارسها الأعداء، قائلًا: إنّ القرآن الكريم لا يعتبر الخوف والتراجع طريقًا إلى النصر، وإنّما يؤكّد على الاستقامة والثبات، إذ يقول سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112].

وأضاف: لقد أثبتت التجربة التاريخيّة أنّ الشعوب كلّما صمدت أمام ضغوط الأعداء استطاعت الحفاظ على حقوقها ومكتسباتها، في حين أنّ التراجع عن المواقف المبدئيّة يشجّع العدوّ على ممارسة مزيدٍ من الضغوط والإملاءات.

وتعقيبًا على تجارب المفاوضات السياسيّة أكّد قائلًا: إنّ الثقة بعدوٍّ نكث عهوده مرارًا وتكرارًا لا تنسجم مع التعاليم العقليّة ولا مع التجربة التاريخيّة، ولا يكون للتفاوض معنىً إلّا إذا جرى على أساس القوّة والعزّة وتحقيق مصالح الشعب.

إثارة الخوف في المجتمع تعيق اتّخاذ القرار الصحيح

وقال هذا الأستاذ الجامعيّ موضحًا: إنّ من أدوات العدوّ الأساسيّة إثارة الخوف في الرأي العام، فهو يسعى إلى وضع المجتمع أمام خيارين زائفين: “الخوف من كلفة المقاومة” و”الأمل في الهدوء من خلال التراجع”، في حين يعلّمنا القرآن الكريم أنّ العزّة والطمأنينة الحقيقيّتين لا تتحقّقان إلّا في ظلّ المقاومة والثبات.

وأضاف: لقد أثبت الشعب الإيرانيّ في مختلف المراحل أنّه لا يتراجع أمام التهديدات، وعلى المسؤولين أن يتّخذوا قراراتهم في ضوء التعاليم القرآنيّة والتجربة التاريخيّة، وعلى أساس العزّة والعقلانيّة والمصلحة الوطنيّة.

العدوّ لا يتراجع إلّا إذا شعر بالقوّة في الطرف المقابل

وفي ختام حديثه، قال حجّة الإسلام والمسلمين الموسويّ: إنّ العدوّ لا يكفّ عن غطرسته وضغوطه إلّا إذا أدرك أنّ كلفة إجراءاته باتت باهظة جدًّا؛ ولذلك فإنّ تعزيز القدرة الوطنيّة، وترسيخ التماسك الداخليّ، ودعم جبهة المقاومة، تمثّل ضرورةً قصوى للحفاظ على الاستقلال وتحقيق الأهداف السامية للحضارة الإسلاميّة.

وأضاف: لقد علّمنا القرآن الكريم أنّ طريق النجاح هو طريق الاستقامة، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]، فالذين آمنوا وثبتوا على طريق الحقّ سينالون نصر اللّه تعالى.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل