آية اللّه الأعرافي: 8 دروسٍ عالميّةٍ وحضاريّةٍ لمقاومة الشعب الإيرانيّ في الحرب المفروضة الثالثة

آية اللّه الأعرافي: 8 دروسٍ عالميّةٍ وحضاريّةٍ لمقاومة الشعب الإيرانيّ في الحرب المفروضة الثالثة

 أكّد إمام جمعة قم، خلال تبيينه 8 دروسٍ عالميّةٍ وحضاريّةٍ استخلصها من مقاومة الشعب الإيرانيّ، أنّ المقاومة هي صبرٌ ذكيٌّ واجتماعيٌّ وفعّالٌ من أجل تحقيق الأهداف الكبرى، وقد اختار شعبنا هذا النهج لتحقيق أهدافه الكبرى والمضي نحو الحضارة الإسلاميّة الجديدة.

وكالة أنباء الحوزة – في كلمةٍ ألقاها خلال خطبتي صلاة الجمعة (16 مرداد 1405 الموافق لـ 7 أغسطس 2026م) التي أقيمت في مصلّى القدس بمدينة قم المقدّسة، تناول آية اللّه عليرضا الأعرافيّ دروسًا عالميّةً استخلصها من الحرب الأخيرة والمواجهة الحضاريّة الكبرى والمقاومة.

الدرس الأوّل: الانهيار الأخلاقيّ في العالم المعاصر

قال آية اللّه الأعرافيّ: إنّ الدرس الأوّل يتمثّل في انهيار المنظومة الأخلاقيّة في العالم المعاصر وتجاوز أعداء الشعوب لكافّة القيم والمعايير الأخلاقيّة. ويظهر استقراء التاريخ أنّ البشريّة لم تبلغ حتّى الآن مثل هذا التزعزع الأخلاقيّ. فقد تجرّدت القوى المهيمنة على الموارد والإمكانات البشريّة من أبسط المقوّمات الأخلاقيّة.

وأضاف: على البشريّة أن تذرف الدموع إزاء هذا الواقع؛ فقد أعربت شعوب أوروبا وأمريكا براءتها من هذه الجرائم، إلّا أنّ هذا الصوت الشعبيّ لم يبلغ مستوى التأثير المطلوب. وواصلت القوى الشيطانيّة سلسلة مظالمها، فيما انهارت المنظومة الأخلاقيّة في العالم، وأصبح العالم على أعتاب تحوّلٍ آخر.

الدرس الثاني: انهيار المنظومة الحقوقيّة والدوليّة

وأوضح سماحته قائلًا: إنّ مؤسّساتٍ من قبيل مجلس الأمن وغيرها التزمت الصمت إزاء الظلم، أو وقفت إلى جانب الظالمين. وبعد الحرب العالميّة الثانية، جرى وضع هذه الأنظمة بهدف إرساء قدرٍ من العدالة في العالم، إلّا أنّ ذلك لم يتحقّق قط. أمّا اليوم، فقد انهارت بصورةٍ ملموسةٍ جميع المنظومات الحقوقيّة والدوليّة، وحوّل المستكبرون العالم إلى غابةٍ تحكمها القوّة.

الدرس الثالث: انكشاف حقيقة أمريكا والصهاينة

وتابع: إنّ حقيقة أمريكا الإجراميّة والصهاينة لم تكن مكشوفةً في الماضي، وكان لا بدّ من شرحها للجميع، أمّا اليوم فقد باتت حقيقة هؤلاء مكشوفةً للجميع، حتّى إنّهم يهاجمون أصدقاءهم أيضًا. وإنّ إيذاء الأطفال، وقتل الأطفال، والإبادة الجماعيّة، واستهداف البنى التحتيّة، وممارسة أقصى درجات الوحشيّة بحقّ جميع الفئات، العسكريّة منها والمدنيّة، في أنحاء المنطقة، كلّها حقائق عاريةٌ تكشف حقيقة أمريكا.

الدرس الرابع: انعدام المصداقيّة لأيّ تفاوضٍ

وأضاف: في السابق، كان الأعداء الكبار يجلسون معًا ويتحاورون، وكانت هناك على الأقل مجموعةٌ من المعايير التي تحكم الحوار، غير أنّ العالم بأسره رأى كيف أنّ هؤلاء المجرمين نقضوا عهودهم ومواثيقهم. وقد أفضى ذلك إلى أنّه لا يمكن التعويل على أيٍّ من أقوالهم. ومن يثق بأقوالهم، فإمّا أن يكون ساذجًا، وإمّا أن يكون مدفوعًا بسوء نيّةٍ.

الدرس الخامس: الأمن المستعار لا جدوى منه

وأوضح سماحته: لقد أدركت حكومات المنطقة أنّ الأمن المستعار واستجداء الأمن من أمريكا لا جدوى منه.

وبيّن مخاطبًا دول المنطقة: ما دمتم تقفون إلى جانب أعداء الإسلام وإيران، فإنّ هدير صواريخنا سيظلّ يهدّدكم.

الدرس السادس: القصر الزجاجيّ الأمريكيّ

وأردف آية اللّه الأعرافيّ: على البشرية أن تدرك أن أمريكا تقبع في قصرٍ زجاجيٍّ. فقد شيّدت أمريكا قصورًا جميلةً على رمالٍ متحرّكةٍ وأسسٍ واهيةٍ. وعلى الرغم من كلّ الضجيج الذي تثيره أمريكا، فقد رأى العالم أنّها عجزت عن مواجهة إيران ومحور المقاومة والشعب الإيرانيّ.

الدرس السابع: الشعب الإيرانيّ لن يتراجع أبدًا

وأضاف سماحته: على نتنياهو وترامب ومن يرافقهما أن يعلموا أنّ هذا الشعب، الذي يطلب الثأر ويسهر الليالي من أجل أهداف الإسلام، لا يزال ثابتًا على طريق الإسلام والثورة الإسلاميّة والقيادة العليا للثورة الإسلاميّة والقوّات المسلّحة، ولن يتراجع أبدًا.

الدرس الثامن: العالم أدرك قيمة المقاومة

وقال مؤكّدًا: لقد أدرك العالم قيمة المقاومة الذكيّة. فقد كان الأعداء يتمنّون استسلامنا، إلّا أنّهم حملوا هذه الأمنية إلى قبورهم. وعلى العدوّ أن يستسلم للحقّ. وإنّ الثأر لدماء القائد الشهيد وشهداء إيران وجبهة المقاومة سيكون في انتظاركم.

وتابع سماحته: إنّ هذا الشعب سيواصل طريق المقاومة. وإنّ مواصلة الطريق في الظروف الحسّاسة الراهنة تتطلّب الوعي والذكاء والشجاعة والحضور في الساحة. ومن جملة هذه الشروط التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ، الوحدة الاجتماعيّة الهادفة إلى تحقيق الأهداف الكبرى، والاتّحاد المقدّس على محور سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الخامنئيّ.

الاقتدار العسكريّ ضرورةٌ للحياة في عالم اليوم

وأكّد قائلًا: إنّ بناء الاقتدار العسكريّ والأمنيّ والتسليحيّ مسؤوليّةٌ تقع على عاتق القوّات المسلّحة والجامعات والحكومة. فالاقتدار العسكريّ ضرورةٌ لا غنى عنها لاستمرار الحياة في عالم اليوم. وكان الذين يتجاهلون أهمّيّة الاقتدار العسكريّ يرتكبون خطأً جسيمًا. كما أنّ الإدارة الجهاديّة تمثّل شرطًا آخر لمواصلة الطريق، وعلى الشعب أيضًا أن يواكب هذه الجهود ويساندها.

ضرورة إصلاح الشؤون الثقافيّة

وشدّد على ضرورة إصلاح الشؤون الثقافيّة، قائلًا: علينا أن نولي مسألة الحجاب والقيم الإلهيّة في البلاد، ولا سيّما في قم، اهتمامًا خاصًّا. فجميعنا مسؤولون في هذا المجال. فإنّ مواصلة طريق المقاومة تتطلّب طهارة المجتمع ونقاءه.

وأضاف: نتقدّم بالشكر إلى الذين بذلوا جهودًا من أجل إقامة مراسم أربعينيّةٍ مهيبةٍ كاسرةٍ لشوكة الأعداء وصانعةٍ للحضارة في إيران والعراق. وإنّ حدث الأربعين جديرٌ بمزيدٍ من الدراسة والاستثمار.

عنصران مهمّان في المقاومة

وخلال الخطبة الأولى، أشار آية اللّه الأعرافيّ إلى أنّ المقاومة والجهاد يحتاجان إلى عنصرين مهمّين، موضحًا: إنّ العنصر الأوّل هو الشعور بالعزّة والكرامة لدى الفرد والمجتمع عند مواجهة العدوّ. وإنّ الشعور بعزّة النفس على نطاقٍ اجتماعيٍّ واسعٍ شرطٌ لازمٌ للمقاومة والدفاع في مواجهة الأجانب.

واعتبر الصبر في مواجهة الصعوبات التي تعترض طريق الدفاع عن البلاد والأهداف الإلهيّة عنصرًا آخر، وأضاف: إنّ المقاومة تعتمد على هذين العنصرين النفسيّين والداخليّين. فالمقاومة والحضور في جبهة الدفاع والجهاد يحتاجان من جهةٍ إلى عزّة النفس العامّة في المجتمع، ومن جهةٍ أخرى إلى الصبر والثبات في مواجهة المشكلات.

الصبر أصلٌ عقليٌّ

وأشار سماحته إلى أنّ الصبر في مواجهة العقبات والمشكلات أصلٌ عقليٌّ، مؤكّدًا أنّ الشعب الذي يتحلّى بهذه الصفات لا يُهزم وسينتصر في مواجهة العدوّ.

الصبر عاملٌ للازدهار

وقال مبيّنًا: إنّ الصبر شرطٌ أساسيٌّ للوصول إلى الأهداف والغايات الكبرى. وقد أشير إلى ذلك في آياتٍ ورواياتٍ عديدةٍ؛ فعلى سبيل المثال، وردت كلمة الصبر في القرآن الكريم أكثر من مائة مرّةٍ.

الصبر سندٌ لأنظمة الشريعة

وتابع قائلًا: إنّ الصبر هو سندٌ لجميع أنظمة الشريعة. وقد أشارت الروايات إلى الصبر على المصيبة، والصبر على الطاعة، والصبر على ترك المعصية.

قسمان من الصبر

وأشار إلى أنّ الصبر ينقسم إلى قسمين، موضحًا: الصبر الأوّل في مواجهة الحوادث غير الاختياريّة التي يخوضها الإنسان؛ أمّا النوع الثاني فهو الصبر الاختياريّ الذي يكون في سبيل أداء التكاليف الإلهية وترك المعاصي.

وأردف قائلًا: إنّ النوع الثاني هو الصبر الذي نختاره في سبيل السعادة والتقدم، لنواجه المشكلات ونقتحمها.

وقال: قد يقع أحيانًا حادثٌ فنصبر عشليه، ولكن أحيانًا نقرّر أن نقتحم غمار المشكلات لأداء الواجبات الإلهيّة والاجتماعيّة ونختار الصبر، وهذا هو الصبر الفعّال والتحمل القائم على الاختيار.

وأوضح: إنّ الصبر الفرديّ هو الصبر الذي يتحلّى به الإنسان في سبيل أداء تكاليفه الفردية، كالصلاة وغيرها، وما يقتضيه ذلك من تحمّلٍ للمشقّة، أمّا الصبر الاجتماعيّ فهو أن يتحوّل الصبر الاختياريّ إلى ثقافةٍ سائدةٍ في المجتمع، بحيث يواجه أفراد المجتمع المخاطر بروحٍ من الثبات، ولا يستسلمون أمام الأخطار ولا ينهارون في مواجهتها.

وبيّن أنّ الصبر الفعّال والاجتماعيّ يُعبّر عنه في الخطاب المعاصر بمفهوم المقاومة، موضحًا أنّ المقاومة تعني صبرًا عظيمًا وممتدًّا وفعّالًا واجتماعيًّا ومنهجيًّا، والاستعداد لمواجهة المخاطر الكبرى في سبيل تحقيق الغايات الكبرى وفي مقدّمتها حرّيّة الشعب والأمّة الإسلاميّة.

مفهوم المقاومة

وقال آية اللّه الأعرافيّ: إنّ إمامَي الثورة الإسلاميّة أضافا إلى الخطاب الإيرانيّ والعالميّ العديد من المفردات والمفاهيم الجديدة، ومن أبرزها مفهوم المقاومة الذي تحوّل في العالم الإسلاميّ إلى نظريّةٍ متكاملةٍ. فالمقاومة هي صبرٌ واعٍ وفعّالٌ ذو بعدٍ اجتماعيٍّ يُبذل في سبيل تحقيق الغايات الكبرى، وهو النهج الذي اختاره شعبنا ومضى عليه لتحقيق أهدافه السامية والسير نحو بناء الحضارة الإسلامية الجديدة.

واستشهد بالآية الكريمة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146]، قائلًا: إن هذا هو بعينه الصبر المنشود والمهدوي؛ فقد نهض العلماء الكبار والرجال الصالحون، ولم يهنوا، ولم تُثنهم عواصف الأعداء العاتية عن المضي قدمًا، بل أطلقوا صرخة غضبهم في وجه العدو.

وأشار إلى أنّ الصبر صفةٌ نفسيّةٌ باطنيّةٌ، تتمثّل في الثبات على الموقف، ورباطة الجأش، واستحكام الباطن في مواجهة العوامل والآفات المزعجة، مبيّنًا أنّ هذه الصلابة النفسيّة هي التي تمكّن الإنسان من الصمود أمام كيد الأعداء ومخطّطاتهم؛ ولذلك يقول اللّه تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل