أكّد آية اللّه الأعرافيّ أنّ الحرب والاعتداءات الأخيرة كشفت للعالم عن أوراقٍ جديدةٍ من قوّة إيران الإسلاميّة وجبهة المقاومة، محذّرًا الأعداء من أنّ أيّ حماقةٍ جديدةٍ ستدفع إيران إلى الكشف عن أوراقٍ أخرى، ومشدّدًا على أنّ الشعوب الإسلاميّة ستحاسب الحكّام العرب الخونة وستقتصّ منهم.
في كلمةٍ ألقاها خلال خطبتي صلاة الجمعة التي أقيمت 2 أكتوبر 2026م في مصلّى القدس بمدينة قم المقدّسة، تطرّق آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، إلى عددٍ من المناسبات والأحداث الأخيرة، وتناول بعض القضايا المتعلّقة بالحرب الثالثة والظروف الراهنة.
تقديم التعزية برحيل المرجع الدينيّ الكبير آية اللّه العظمى الشبيريّ الزنجانيّ
وفي مستهلّ حديثه عن الأحداث الأخيرة، أشار آية اللّه الأعرافيّ إلى رحيل المرجع الدينيّ، آية اللّه العظمى السيّد موسى الشبيريّ الزنجانيّ (قدّس اللّه سرّه)، قائلًا: أتقدّم بخالص التعازي وعظيم المواساة برحيل المرجع الدينيّ الكبير، آية اللّه العظمى السيّد موسى الشبيريّ الزنجانيّ (قدّس اللّه سرّه)؛ ذلك المرجع الذي بلغ منزلةً رفيعةً في الفقاهة والعلوم الإسلاميّة والحوزويّة، وقدّم خدماتٍ خالدةً للعلوم الإلهيّة والمعارف الإسلاميّة والعلوم الحوزويّة.
إحياء ذكرى أسبوع الدفاع المقدّس وأسبوع قوى الأمن الداخليّ
وتابع آية اللّه الأعرافيّ حديثه، مشيرًا إلى أسبوع الدفاع المقدّس وأسبوع قوى الأمن الداخليّ في التقويم الإيرانيّ، قائلًا: كما نحيي ذكرى أسبوع الدفاع المقدّس (ذكرى الحرب المفروضة التي شنّها نظام صدّام حسين على إيران بين عامي 1980 و1988م)، ونترحّم على أرواح الشهداء الطاهرة، ولا سيّما شهداء سنوات الدفاع المقدّس الثماني، التي شكّلت محطّةً بارزةً في تاريخ إيران والعالم الإسلاميّ. ومن هذا المنبر، نتوجّه بالشكر والتقدير إلى جميع القوّات المسلّحة، ولا سيّما قوى الأمن الداخليّ، التي واجهت خلال الحرب الأخيرة حقد العدوّ واستهدافه وكانت في طليعة الجهات التي طالها اعتداؤه وتكبّد أفرادها الأعزّاء خسائر فادحةً، ونؤكّد أنّ قوى الأمن الداخليّ تحظى بمكانةٍ رفيعةٍ، وتضطلع بمسؤوليّاتٍ متعدّدةٍ ومتنوّعةٍ، وهي مسؤوليّاتٌ جسيمةٌ وثقيلةٌ.
الاهتمام الخاصّ بالقضايا الثقافيّة، ولا سيّما قضيّة الحجاب والعفاف
وأضاف آية اللّه الأعرافيّ: وإذ نعرب عن تقديرنا وشكرنا للجهود التي تبذلها قوى الأمن الداخليّ، فإنّنا نرى أنّ على هذه القوّات، إلى جانب ما تنهض به من أعمالٍ وخدماتٍ قيّمةٍ، أن تواصل أداء رسالتها بمزيدٍ من الجدّ، في إطار رؤيةٍ جهاديّةٍ وثوريّةٍ وعلميّةٍ، وبالاستناد إلى مشاركة الشعب وإسهامه، من أجل الوقاية من الآفات الاجتماعيّة والتصدّي لها ومعالجتها. وإنّنا نتوجّه بخالص الشكر إلى جميع الإخوة الأعزّاء في قوى الأمن الداخليّ، وننتظر أن يكون هذا النهج وهذه الجهود، ولا سيّما في المجالين الثقافيّ والاجتماعيّ والقضايا المتعلّقة بالعفاف والحجاب، على مستوى تطلّعات شعبنا العزيز وانتظاراته؛ إذ إنّ هذه التطلّعات والانتظارات تعبّر، في حقيقتها، عن مطالب الشعب نفسه.
وتابع: وفي هذا السياق، يُنتظر أن تتشكّل جبهةٌ متماسكةٌ بين المسؤولين، تتقدّمها قوى الأمن الداخليّ والسلطة القضائيّة وقوّات التعبئة (البسيج)، فيما يشكّل أبناء الشعب في مختلف مناطق البلاد القاعدة الأساسيّة والركيزة التي تستند إليها هذه الجبهة.
وقال موضحًا: حرصًا على صون مكانة قم المقدّسة بوصفها حاضنة العلم ومنارة النور المرتبطة بالسيّدة فاطمة المعصومة (سلام اللّه عليها)، نأمل أن يتحمّل أبناء الشعب ومختلف الأجهزة والمؤسّسات مسؤوليّاتهم، وأن يتصدّوا لما يشهده المجتمع من انتشارٍ للفساد، بما يقتضيه ذلك من صمودٍ واعٍ واتخاذ إجراءاتٍ مدروسةٍ ومناسبةٍ. وبطبيعة الحال، فإنّ الدور الأساس في هذا المجال يقع على عاتق الشعب والقوى الدينيّة والمعنويّة والتبليغيّة والثوريّة، أمّا في الحالات التي تقتضي إجراءً حازمًا، فعلى الجهات المعنيّة أن تؤدّي مسؤوليّاتها وتتّخذ ما يلزم من إجراءاتٍ.
تكريم النخب والطاقات العلميّة الوطنيّة
وشدّد آية اللّه الأعرافيّ على ضرورة تكريم النخب، قائلًا: ينبغي لنا جميعًا أن نبقى، كلّ يوم، منشغلين بكيفيّة الحفاظ على أصحاب المواهب المتميّزة والنخب في البلاد، والعمل في الوقت نفسه على توجيههم نحو المبادرات الأساسيّة التي تسهم في نموّ البلاد وارتقائها وتقدّمها.
وأضاف: إنّ النخب هم المحرّك الرئيس للبرامج الأساسيّة والمشروعات الكبرى، وإنّ رسالتهم رسالةٌ جسيمةٌ تقتضي منهم أن ينهضوا بها ويضطلعوا بمسؤوليّاتها. كما ينبغي للجهات والأجهزة المعنيّة أن تبذل جهودًا حثيثةً في دعم النخب، ومساندة الشباب ذوي المواهب الواعدة، ورعاية الطاقات الشابّة المتميّزة وتنميتها.
وصرّح قائلًا: لقد تجلّت المواهب الفذّة والقدرات الاستثنائيّة التي يتحلّى بها أبناء شعبنا، ولا سيّما شبابنا وناشئونا الأعزّاء، في هذه الإنجازات العسكريّة والتسليحيّة، وفي ميادين كثيرةٍ أخرى. فينبغي تعزيز هذا المسار في المحافظة والبلاد يومًا بعد يومٍ، ليكون هذا الرصيد من النخب والطاقات الموهوبة رائدًا للتحوّل، ليس في المجالين العلميّ والتقنيّ فحسب، بل في المجالات المعنويّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة أيضًا.
وقفةٌ عند حرب الروايات
وفي جانبٍ آخر من كلمته، تطرّق آية اللّه الأعرافيّ إلى قضايا الحرب، قائلًا: ينبغي لنا أن ننظر إلى حرب الروايات بوصفها مكمّلةً للحرب الميدانيّة. وإنّ المرحلة التي نعيشها اليوم تشهد، أكثر من مختلف المراحل السابقة، اهتمامًا متزايدًا بحرب الروايات، وهذا الكفاح يمثّل جزءًا مكمّلًا للمعركة الميدانيّة. وكان الأمر كذلك في عاشوراء أيضًا، غير أنّه اليوم أشدّ وأوسع نطاقًا بكثيرٍ.
وأضاف: فقد تكون هناك حربٌ مفروضةٌ تستمرّ اثني عشر يومًا، أو حربٌ مفروضةٌ تمتدّ أربعين يومًا، فيما تنشط آلاف المنابر والأبواق الدعائيّة في أنحاء العالم للتغطية على مكامن القوّة وإخفائها. وهذا الواقع يتطلّب بصيرةً، ويستدعي صبرًا وثباتًا ورسوخًا. ويمكن الحديث مطوّلًا عن منجزات هذه المواجهة الكبرى التي خاضها الشعب الإيرانيّ، والتي لا يزال بعض الناس لا يدركون عظمتها ومجدها.
وتابع آية اللّه الأعرافيّ، مشيرًا إلى خمس نقاطٍ محوريّةٍ في المباحث المتعلّقة باستراتيجيّة الحرب وحوكمتها، جاءت تفاصيلها على النحو الآتي:
- انهيار أسطورة الخداع والتزييف: انكشاف الوجه الحقيقيّ للشيطان الأكبر والكيان الصهيونيّ
وأوضح آية اللّه الأعرافيّ قائلًا: لقد سقطت الأقنعة ذات المظهر الإنسانيّ التي تتخفّى وراءها الولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ، إلى حدّ أنّ المخدوعين والسذّج أيضًا باتوا يدركون الحقيقة، وأصبح العالم أكثر معرفةً بالوجه الباطنيّ الخبيث لهذه القوّة الاستكباريّة.
وأضاف: هل كان من الممكن، قبل ثلاث سنوات، أن يُقال إنّ جزّارًا سيظهر فيقتل سبعين ألف شخصٍ في منازلهم؟ كلّا؛ فالغرب له وجهٌ جميلٌ! وكان هؤلاء يتظاهرون بالالتزام بحقوق الإنسان، ويقدّمون بلادهم على أنّها أرض الديمقراطيّة! لكنّ الحروب الأخيرة، وموقف الولايات المتّحدة من السلام والمفاوضات وصولًا إلى الحرب، كشفت حقيقتهم.
وتساءل قائلًا: كم مرّةً جلسوا إلى طاولة المفاوضات؟ وهل لديهم أصلًا منطقٌ قانونيٌّ؟ إنّكم حين تجلسون إلى طاولة المفاوضات وتتلفّظون بعبارةٍ واحدةٍ، فإنّ لذلك دلالاتٍ ومعاني كثيرةٌ؛ لكنّ هؤلاء لم يعترفوا بأيّ معنًى لأيّ عهدٍ أو اتّفاقٍ. فكم من مرّةٍ بلغوا مرحلة التوقيع، ثمّ نقضوا جميع ما وقّعوا عليه!
وتابع: وأمّا في الحرب، فقد استهدفوا بكلّ وقاحةٍ الأطفال والتلاميذ والمدنيّين العزّل، وكذلك اغتالوا القائد الأعلى للثورة الإسلاميّة؛ وهو شخصيّةٌ مرموقةٌ ذات مكانةٍ دينيّةٍ رفيعةٍ، تتمتّع بالمرجعيّة والقيادة، ولها في أرجاء العالم هذا العدد الكبير من المحبّين. لقد ضربوا بجميع الموازين عرض الحائط.
وقال مؤكّدًا: وهذا هو الوجه القبيح والخبيث والشرير للولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ، الذي بات اليوم أكثر انكشافًا من أيّ وقتٍ مضى، وقد أدرك العالم حقيقتهم، ولم يخفت هتاف “الموت لأمريكا”.
- فضيحة الخيانة: مرارة التسوية والتطبيع في ظلّ دماء المظلومين
وتابع آية اللّه الأعرافيّ قائلًا: إنّ ما هو أبشع من ذلك وأشدّ قبحًا، خيانة بعض دول المنطقة ووقوفها إلى جانب الولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ. وبالطبع، كنّا نعرف حقيقة الإمارات، وسائر هذه الدول الصغيرة والحقيرة والتابعة. فإنّ حكّام هذه الدول وقفوا إلى جانب أعدائنا خلال سنوات الدفاع المقدّس الثماني أيضًا، لكنّهم كانوا يحافظون دائمًا على مظهرٍ يخفي حقيقة مواقفهم؛ أمّا اليوم، فقد انزاحت جميع الستائر وسقطت جميع الأقنعة وانكشفت وجوههم المنافقة.
وأضاف: لكنّ الأمر الأكثر قبحًا وإيلامًا، والذي يعلم اللّه أنّ قلبي يفيض حزنًا وأسًى وغضبًا عليهم منذ اللحظة التي اطّلعت فيها على هذا الخبر حتّى الآن، هو أنّ نتنياهو، الذي قتل في هذه الحرب سبعين ألفًا من العرب السنّة والمسلمين، قد التقى به رئيس الإمارات بكلّ صفاقةٍ ووقاحةٍ! أفٍّ لكم، أفٍّ لكم! إنّ الشعوب الإسلاميّة ستحاسبكم يومًا ما وتقتصّ منكم.
وتساءل مستنكرًا: ألا تستحون من رسول اللّه؟ لقد قتلوا عشرات الآلاف من إخوانكم وأخواتكم الأبرياء، وأنتم اليوم تصافحون أكثر جلّادي العالم سفكًا للدماء، وتتفاوضون معه وتعقدون المواثيق؟ الويل لكم! إنّ هذا التصرّف الخائن يُعدّ من الأحداث النادرة في تاريخ المنطقة.
وأكّد قائلًا: لقد انكشفت هذه الحقائق، وستُسجّل وتُحفظ في الذاكرة التاريخيّة، وسيأتي أوان معاقبة الخونة لبلدانهم ولبلدان الأمّة الإسلاميّة، وسينالون جزاء خيانتهم.
- نهاية «الصبر الاستراتيجيّ»: كسر هيبة العدوّ وتغيير موازين القوّة
وقال آية اللّه الأعرافيّ: كان العالم يعيش حالةً من الخوف من المواجهة المباشرة مع الولايات المتّحدة والانخراط في معركةٍ معها؛ وحتّى عندما كانت الولايات المتّحدة تدخل ساحةً من ساحات المواجهة، كان الجميع يتجمّد في مكانه أو يتراجع وينسحب.
وأضاف مخاطبًا الشعب الإيرانيّ: لقد تمكّنتم، أيّها الشعب الإيرانيّ العظيم، بشجاعتكم، وجهود مسؤولي البلاد، وقيادة القائد الأعلى الحكيمة، وبما أظهرتموه من عظمةٍ واقتدارٍ، وللمرّة الأولى، من تبديد الخوف من المواجهة المباشرة مع الولايات المتّحدة واستهداف إسرائيل مباشرةً. وأثبتّم أنّنا رجال حربٍ، وأنّنا قادرون على الصمود في وجه أمريكا، وأنّنا، بفضل اللّه تعالى، سنظلّ أوفياء لهذا العهد والميثاق.
- تغيير المعادلات الإقليميّة: استهداف أوكار الشيطان
وأوضح آية اللّه الأعرافيّ: لقد التزمت إيران، طوال سنواتٍ، بالصبر الاستراتيجيّ تجاه هذه الدول التابعة وتجاه المناطق التي أتاحت لأعداء إيران إقامة قواعد فيها، احترامًا لأصول حسن الجوار؛ غير أنّ هذه المعادلة قد تغيّرت.
وتابع: وللمرّة الأولى، استهدفنا قواعد “الشيطان الأكبر” المعادية لإيران والإسلام في المنطقة، وتجاوزنا الحدود التي كنّا نلتزم بها سابقًا. وليعلم أعداءنا أنّ أيّ اعتداءٍ مباشرٍ في المستقبل سيدفعنا إلى الدفاع عن أنفسنا والهجوم على أوكار الشيطان، وأنّ قوّاتنا المسلّحة، بقيادة القائد الأعلى للثورة الإسلاميّة، سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الخامنئيّ، لن تتراجع أبدًا عن هذه الاستراتيجيّة المهمّة.
- بزوغ قوّةٍ جديدةٍ.. أوراق إيران الرابحة في ميدان المواجهة
وقال آية اللّه الأعرافيّ: لقد كشفت هذه الحرب عن أوراقٍ جديدةٍ، من بينها مضيق هرمز وباب المندب. وفي هذه الحرب، أشرقت شمس قوّة إيران والإسلام، وأشرقت شمس قوّة المقاومة؛ ولا تزال لدينا أوراقٌ جديدةٌ أخرى، فإذا ما تماديتم في وقاحتكم وشننتم هجومًا، فستظهر تلك الأوراق الجديدة بدورها إلى العلن.
التقوى؛ درعٌ للإنسان في مواجهة مكائد الشيطان
وفي جانبٍ آخر من كلمته، دعا آية اللّه الأعرافيّ نفسه وجميع المصلّين إلى التقوى، قائلًا: إنّ التقوى درعٌ يحمي الإنسان من مكائد الشيطان.
وأضاف: إنّنا نسير اليوم في طريق الجهاد والدفاع، ونعيش ظروفًا استثنائيّةً يشهد فيها العالم عظمةً تاريخيّةً وتماسكًا منقطع النظير لدى الشعب الإيرانيّ، إلى جانب صحوة الشعوب الحرّة.
ولفت إلى ثلاثة عناصر أخلاقيّة مهمّة، وقال: إنّ “العزّة والكرامة”، و”الصبر والتحمّل”، و”روح البصيرة والوعي”، تمثّل ثلاثة عناصر أخلاقيّةٍ مهمّةٍ تتجلّى في المجتمع الإيرانيّ الإسلاميّ، وقد أثمرت، إلى جانب التوكّل على اللّه تعالى، بركاتٍ وآثارًا راسخةً باقيةً.
وصرّح قائلًا: إنّ التوكّل في المجالين السياسيّ والاجتماعيّ حاضرٌ اليوم لدى مختلف فئات المجتمع، وإنّ مفهوم المقاومة، بما اكتسبه في عصرنا من أدبيّاتٍ غنيّةٍ، قد تبلور في ظلّ هذا التوجّه.





