لماذا سجد يعقوب ليوسف؟ وهل يجوز السجود لغير الله؟

لم يكن سجود آل يعقوب أمام يوسف عليه السلام سجود عبادة، بل كان تعبيرًا عن التكريم والاحترام لمقام النبوة، وتجسيدًا لتحقق الرؤيا الإلهية التي رآها يوسف عليه السلام.

السؤال:

انتقل آل يعقوب عليه السلام من كنعان إلى مصر، وعند دخولهم القصر سجدوا ليوسف عليه السلام: «وَ رَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلىَ الْعَرْشِ وَ خَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا» (يوسف: 100). والسؤال هنا: ما المقصود بهذا السجود؟ وهل يجوز السجود لغير الله؟ وإذا كان سجود احترام وتكريم، فكيف سمح يوسف عليه السلام لوالده يعقوب عليه السلام ـ مع ما له من حرمة الأبوة، فضلًا عن كونه نبيًّا من أنبياء الله ـ أن يسجد له؟ ألم يكن الأولى أن يخرج هو لاستقباله؟

الجواب:

وردت قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم بعنوان «أَحْسَنَ الْقَصَصِ». وتصور الآيات الأخيرة من هذه القصة الحافلة بالأحداث لحظة اجتماع أسرة يعقوب عليه السلام وتكريم يوسف عليه السلام في مصر. يقول الله تعالى في الآية 100 من هذه السورة: «وَ رَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلىَ الْعَرْشِ وَ خَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا».

وقد أثار هذا الحدث عددًا من الأسئلة والإشكالات في أذهان المتلقين والباحثين في القرآن، من بينها: هل يجوز السجود لغير الله؟ وإذا كان هذا الفعل مجرد تعظيم وتكريم، فكيف يسجد نبي إلهي بهذه المنزلة الرفيعة لابنه؟ وكيف كانت مواجهة يوسف عليه السلام لوالده واستقباله له؟ وسنتناول هذه المسألة في هذا البحث.

أقسام السجود وحكم السجود لغير الله

لفهم الآية بصورة صحيحة، ينبغي التمييز بين نوعين من السجود:

أولًا: سجود العبادة، وهو خاص بذات الله تعالى، ويُعدّ لغير الله قبيحًا من الناحية العقلية، وممنوعًا وحرامًا من الناحية النقلية، ولم يُستثنَ منه أي مورد.

ثانيًا: سجود الخضوع والتكريم، وهو الذي يُؤدّى تعظيمًا وإجلالًا لشخص أو شيء. وهذا الفعل لا يشتمل على محذور عقلي أو نقلي، ويكون جائزًا إذا تعلق به أمر إلهي؛ لأنه ليس عبادة، وإنما هو نوع من التكريم، إلا أنه يحتاج إلى دليل معتبر. ومن أوضح الأمثلة على ذلك سجود الملائكة لآدم عليه السلام (1)، إذ كان هذا السجود في حقيقته عبادة وطاعة لله، وقد وقع بأمره تعالى (2).

سجود يوسف عليه السلام كان سجود تكريم وتعظيم، لا سجود عبادة

يُظهر ظاهر الآية وسياق القصة أن الضمير في «لَهُ» في قوله تعالى: «وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا» يعود إلى يوسف عليه السلام، وأنه هو المسجود له؛ إلا أن هذا السجود لم يكن بأي حال من الأحوال سجود عبادة أو تأليه ليوسف عليه السلام، وإنما كان سجود خضوع وتكريم وإجلال وتحية.

ويدل على ذلك أن يعقوب عليه السلام كان أحد الساجدين، وهو من المخلَصين في التوحيد، ولم يكن ليشرك بالله شيئًا. وكذلك كان يوسف عليه السلام نفسه داعيًا إلى التوحيد الخالص، كما قال لمن كان معه في السجن: «مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللّٰهِ مِنْ شَيْءٍ» (3). ولذلك، لو كان هذا الفعل يُعدّ عبادة ليوسف عليه السلام، لكان من المؤكد أنه سينهاهم عنه، ولن يسمح لهم بمثل هذا الفعل.

ومن ثم، لم يكن هذا السجود سوى خضوع وإجلال وتحية، امتثالًا لأمر الله وتكريمًا لمقام النبوة وكون يوسف عليه السلام آية من آيات الله. ولم يكن هدفهم من ذلك إلا أن ينظروا إلى يوسف عليه السلام بوصفه آية من آيات الله، وأن يجعلوه قبلة لسجودهم وعبادتهم؛ كما أننا نعبد الله، لكننا نتخذ الكعبة قبلة لنا. والآية والعلامة الإلهية، من حيث كونها علامة، لا استقلال لها بذاتها، والسجود إليها في الحقيقة عبادة لصاحب الآية، وهو الله تعالى (4).

وقد ذهب بعض المفسرين أيضًا إلى احتمال أن يكون المقصود بالسجود في هذه الآية ليس وضع الجبهة على الأرض؛ لأن ذلك لا يجوز لغير الله، وإنما المراد منه الانحناء والخضوع بقصد التعظيم والتحية، لا العبادة (5).

مواجهة يوسف عليه السلام لوالده واستقباله

يكشف النظر في الآيات المتعلقة بهذه الحادثة عن كمال أدب يوسف عليه السلام واحترامه لوالده. فقوله تعالى: «وَ رَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا» يدل على أن يوسف عليه السلام بادر أولًا إلى إجلاء والديه وإجلاسهما على العرش الملكي، ويقتضي ظاهر السياق أن ذلك تم بأمر يوسف وتوجيهه وعلى يد الخدم؛ إذ يقول تعالى: «لَهُ سُجَّدًا».

وهذا التعبير يشير إلى أن السجود وقع في اللحظة الأولى التي وقعت فيها أعينهم على يوسف؛ وكأنهم، بأمر يوسف عليه السلام، أُجلسوا على العرش الملكي في القصر الخاص به في الوقت الذي لم يكن يوسف فيه حاضرًا في المجلس.

ولكن عندما دخل يوسف عليه السلام إلى المجلس، أشرق النور الإلهي المتجلي في جماله البديع الأخّاذ، فأبهرهم وأفقدهم شعورهم بأنفسهم، حتى غلبهم الأمر وخرّوا على الأرض من شدة التأثر (6).

وكان يوسف عليه السلام قد بادر قبل ذلك إلى احتضان والديه (7)، وأبدى غاية الاحترام والتكريم لمقام الأبوة والأمومة. كما كان هذا السجود تحقيقًا وتجسيدًا للرؤيا الصادقة التي رآها يوسف عليه السلام في طفولته (8)، لكي يتجلى للجميع صدق الوعد الإلهي وصدق نبوته.

النتيجة

يتضح من بيان الآيات الكريمة وتحليلها أن سجود آل يعقوب عليه السلام ليوسف عليه السلام لا يتعارض بأي وجه مع أصل التوحيد. فلم يكن هذا السجود سجود عبادة، الذي يختص بذات الله تعالى، وإنما كان سجود خضوع وتكريم وإجلال لمقام النبوة، التي جعل الله يوسف عليه السلام مظهرًا لعظمته وآية من آياته.

كما أن سلوك يوسف عليه السلام، بدءًا من احتضان والديه وتكريمهما، وصولًا إلى إجلائهما وإجلاسهما على العرش الملكي، يدل على كمال أدبه وتواضعه وتقديره لمقام الأبوة.

وفي نهاية المطاف، فإن هذا الحدث المهيب كان تجسيدًا صادقًا وواقعيًا للرؤيا التي رآها يوسف عليه السلام في طفولته، وعلامة واضحة على صدق الوعود الإلهية.

 


الهوامش

1. «وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِکَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِیسَ أَبىٰ وَ اِسْتَکْبَرَ وَ کٰانَ مِنَ اَلْکٰافِرِینَ» (البقرة: 34).

2. عبد الله جوادي آملي؛ تسنيم؛ قم: نشر إسراء، 1390 ش، ج 41، ص 401.

3. (يوسف: 38).

4. سيد محمد حسين الطباطبائي؛ الميزان في تفسير القرآن؛ بيروت ـ لبنان: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1352 ش، ج 11، ص 247.

5. أبو إسحاق أحمد الثعلبي؛ تفسير الثعلبي (الكشف والبيان)؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د.ت]، ج 5، ص 259.

6. سيد محمد حسين الطباطبائي؛ الميزان في تفسير القرآن؛ ج 11، ص 246.

7. «فَلَمّٰا دَخَلُوا عَلىٰ یُوسُفَ آوىٰ إِلَیْهِ أَبَوَیْهِ وَ قٰالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِینَ» (يوسف: 99).

8. «إِذْ قٰالَ یُوسُفُ لِأَبِیهِ یٰا أَبَتِ إِنِّی رَأَیْتُ أَحَدَ عَشَرَ کَوْکَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَیْتُهُمْ لِی سٰاجِدِینَ» (يوسف: 4).

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

إذا لم یمکننا طلب العفو والرضی من الناس، فهل هناك دعاء لطلب المغفرة لهم؟ في هذه الحالة، أرجو منکم ذکر ذلك الدعاء.
سورة النمل، آية 47، صفحة 381
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
ماذا تقصد الآية ب " طائركم عند الله "
لماذا ينبغي في المنظومة الفكرية لولاية الفقيه مواجهة أمريكا وإسرائيل؟
السؤال لماذا يُشار إلى الله في القرآن الكريم بضمير التذكير «هو»؟
سورة الحشر، آية 18، صفحة 584 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . لماذا تكررت واتقوا الله في نفس الآية؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل