هل يحتاج النبي وأهل البيت (عليهم السلام) إلى صلاتنا عليهم؟ وما أثرها؟

إن الصلاة على النبي وأهل البيت عليهم السلام، تُعدّ وسيلة لنموّ المؤمن معنويًا، واستجابة الدعاء، وتيسير أموره وانفراجها.

السؤال:

هل يحتاج النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام إلى الصلاة والسلام عليهم؟ وما أثر الصلاة عليهم في حقهم؟

الجواب:

الصلاة على النبي وأهل بيته في حقيقتها دعاء، وإن كانت تُؤدّى أيضًا على هيئة ذكر متكرر. ويمكن إثبات مشروعية الصلاة والسلام على نبي الله صلى الله عليه وآله من القرآن الكريم، حيث يقول تعالى:

«إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِیمًا» (1)

ومع ذلك، لم يستنبط الفقهاء من هذه الآية الوجوب الشرعي للصلاة على النبي؛ لوجود روايات تدل على كونها اختيارية. (2)

لكن مقدار الحثّ والتوصية بهذا العمل الصالح واضح وكبير؛ لأن الآية في بدايتها تسند الصلاة على النبي إلى فعل الله والملائكة، ثم توجّه المؤمنين إلى الصلاة عليه.

كما يستفاد من الروايات أنه ينبغي أن يُضمّ أهل بيت رسول الله إلى النبي في هذا الدعاء أيضًا. (3)

ويبحث هذا المقال في أن دعاء الصلاة على النبي وآله، إلى جانب فوائده بالنسبة إلى الداعي، هل له فائدة أيضًا بالنسبة إلى النبي وأهل بيته عليهم السلام.

أ) الفائدة بالنسبة إلى الداعي

الصلاة دعاء، والدعاء يُطلب من الله؛ ولذلك ينبغي، في المقام الأول، أن تكون فائدته عائدة إلى الداعي نفسه.

وقد أشارت روايات متعددة إلى أن دعاء الصلاة على النبي وآله نافع للداعي، ومن ذلك:

«… وَ إِنَّمَا ‌صَلَوَاتُنَا عَلَیْهِ رَحْمَةٌ لَنَا وَ قُرْبَة» (4)

وفي هذه الرواية ينقل صفوان بن يحيى عن الإمام الرضا عليه السلام أن الإمام قال في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله:

«… وَ إِنَّمَا ‌صَلَوَاتُنَا عَلَیْهِ رَحْمَةٌ لَنَا وَ قُرْبَة».

وعليه، فإن دعاء الصلاة على النبي وآله، في المقام الأول، وسيلة لتقرّب المؤمنين إلى الله تعالى.

وقد وردت في الروايات فوائد أخرى للصلاة، منها:

«کُلُّ دُعَاءٍ یُدْعَی اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ بِهِ مَحْجُوبٌ عَنِ السَّمَاءِ حَتَّی یُصَلَّی عَلَی مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ» (5)

وعليه، فإن نفع الصلاة على النبي وآله بالنسبة إلى من يرسلها، بوصفها دعاءً، يمكن أن يثمر آثارًا مادية ومعنوية جديرة بالاهتمام، وقد وردت في هذا المجال روايات وتوصيات كثيرة عن المعصومين عليهم السلام.

ب) الفائدة بالنسبة إلى أهل البيت عليهم السلام

ورد في بعض الروايات ما يشير إلى وجود نموّ وتكامل مستمر في علم أهل البيت عليهم السلام في عالم البرزخ. (6)

ويمكن أن يمتد هذا الأمر أيضًا إلى المجال المعنوي، وإلى ارتقاء مراتبهم ودرجاتهم النورانية وغير المتناهية.

وبناءً على ذلك، يمكن أن تكون الصلاة والدعاء لهم نافعين في عالم البرزخ، وأن يساهما في ارتقاء درجاتهم، وأن يكون لهما أثر، مثلًا، في مسائل من قبيل اتساع نطاق شفاعتهم وغير ذلك.

لكن بعض الروايات فسّرت الصلاة على النبي وآله وآثارها بصورة أخرى، ومن ذلك:

«… عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ کَثِیرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ [الإمام الصادق عليه السلام] عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَکَ وَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِیماً فَقَالَ ص تَزْکِیَتُهُ لَهُ فِی السَّمَاءِ قُلْتُ مَا مَعْنَى تَزْکِیَهِ اللَّهِ إِیَّاهُ قَالَ زَکَّاهُ بِأَنْ بَرَّأَهُ مِنْ کُلِّ نَقْصٍ وَ آفَهٍ یَلْزَمُ مَخْلُوقاً قُلْتُ فَصَلَاهُ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ یُبَرِّءُونَهُ وَ یُعَرِّفُونَهُ‏ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهُ مِنْ کُلِّ نَقْصٍ هُوَ فِی الْمَخْلُوقِینَ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِی تُصِیبُهُمْ فِی بُنْیَهِ خَلْقِهِمْ فَمَنْ عَرَفَهُ وَ وَصَفَهُ بِغَیْرِ ذَلِکَ فَمَا صَلَّى عَلَیْهِ …»

وبناءً على هذه الرواية، فإن الصلاة نوع من الإعلان عن تزكية أهل البيت عليهم السلام أو سبب من أسباب إبعاد الشرور عنهم، ووفقًا لبيان الإمام، فقد جُعل لهذا الدعاء أثر في المجال المعنوي.

كما ورد في بعض الروايات أن الصلاة على النبي وآله تُعدّ علامة على ميثاق المؤمنين بالولاية، وهو الميثاق الذي وقع في عالم الذر، وأن أداة إعلان هذا الوفاء هي الصلاة على أهل البيت عليهم السلام.

ومن ذلك:

«مَنْ صَلَّی عَلَی النَّبِیِّ وَ آلِهِ فَمَعْنَاهُ: أَنِّی أَنَا عَلَی الْمِیثَاقِ وَ الْوَفَاءِ الَّذِی قَبِلْتُ حِینَ قَوْلِهِ أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلی» (7)

فالصلاة على النبي وآله علامة وأداة لقبول المؤمن للولاية، كما أن لها دلالة في موضوعات أخرى أيضًا، ومن ذلك:

«عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ: إِذَا ذُکِرَ النَّبِیُّ ص فَأَکْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَیْهِ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِیِّ ص صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ أَلْفَ صَلَاةٍ فِی أَلْفِ صَفٍّ مِنَ الْمَلَائِکَةِ وَ لَمْ یَبْقَ شَیْ‏ءٌ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ إِلَّا صَلَّى عَلَى الْعَبْدِ لِصَلَاةِ اللَّهِ عَلَیْهِ وَ صَلَاةِ مَلَائِکَتِهِ فَمَنْ لَمْ یَرْغَبْ فِی هَذَا فَهُوَ جَاهِلٌ مَغْرُورٌ قَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَهْلُ بَیْتِهِ» (8)

إن عدم الرغبة في الصلاة على النبي وآله يميّز صف المحبين عن غير المحبين، ويكشف عن بعض الرذائل الأخلاقية، كالجهل والغرور، لدى من يعزف عنها.

وعليه، فإن إرسال الصلاة على النبي وآله، بالإضافة إلى فائدته للإنسان نفسه، يكشف لأهل البيت عليهم السلام عن صف المؤمنين الحقيقيين ويميّزهم عن المدّعين.

النتيجة

إن دعاء الصلاة على النبي وآله، الذي يُكرّر أيضًا على هيئة ذكر، له فوائد مادية ومعنوية جديرة بالاهتمام.

فبعض هذه الفوائد يعود إلى الداعي، مثل كونه سببًا للتقرّب أو لاستجابة دعائه، وبعضها يعود إلى النبي وأهل البيت عليهم السلام، من خلال ما يمكن أن يترتب عليه من ارتقاء درجاتهم المعنوية أو كونه أداة لتمييز مواليهم ومعرفة أهل الولاية منهم.

ومع ذلك، فإن الصلاة على النبي وآله، أكثر مما تكون ذات فائدة للحضرات، فإنها تعود بالنفع على المؤمنين أنفسهم؛ فهي في الحقيقة أداة لنمو المؤمنين وارتقائهم وانفتاح أبواب الفرج والتيسير أمامهم.

 

 


الهوامش

1. الأحزاب: 56.

2. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ المحقق/المصحح: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي؛ الطبعة الرابعة، طهران: إسلامية، 1407هـ، ج 2، ص 492.

3. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ ج 2، ص 495.

4. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ ج 2، ص 654.

5. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ ج 2، ص 493.

6. راجع: «بَابٌ فِی أَنَّ الْأَئِمَّةَ ع یَزْدَادُونَ فِی لَیْلَةِ الْجُمُعَةِ»؛ محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ ج 1، ص 253.

7. محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)؛ معاني الأخبار؛ المحقق/المصحح: علي أكبر الغفاري؛ قم: مكتب نشر الثقافة الإسلامية التابع لجماعة مدرّسي الحوزة العلمية بقم، 1403هـ، ص 116.

8. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ ج 2، ص 492.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام شهر رمضان | الصلاة المستحبة في ليالي القدر مع وجود صلاة قضاء
عندما يسأل الطفل، كيف نجيبه؟ + سبع طرق تطبيقية
ما ينبغي معرفته عن الحروف المقطعة في القرآن
التاسع من ربيع الأول؛ يوم البيعة / ما مسؤوليات المنتظر الحقيقي للإمام المهدي (عج) في عصر الغيبة؟
كيف نتعامل مع الشخص المضطرب؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل