هل كان طول عمر النبي نوح (ع) ممكنًا، أم أن الظروف البيئية للإنسان كانت مختلفة؟

950 سنة في القرآن هي مدة دعوة النبي نوح (ع) لقومه، ورغم أن عمره كان أكثر من ذلك، فإن طول عمره قد يكون مرتبطًا بخصائص تلك الحقبة، ولا يتعارض مع قوانين الطبيعة.

السؤال:

بحسب ظاهر آيات القرآن الكريم، دعا النبي نوح عليه السلام قومه تسعمائة وخمسين سنة قبل الطوفان (العنكبوت: 14)، ولعل نبوته أو حياته كانت أطول من ذلك؛ والسؤال هو: هل تسمح الظروف البيولوجية للإنسان بهذا المقدار من العمر؟ وهل كان طول عمره استثناءً، أم أن جميع البشر كانوا يتمتعون بأعمار طويلة؟

الجواب:

يشير الله تعالى، في معرض تشجيع نبيّه صلى الله عليه وآله على الصبر والثبات في مواجهة تمرّد قريش، وكذلك لتسليته، إلى قصة الدعوة الطويلة للنبي نوح عليه السلام (1). وطبقًا للآية 14 من سورة «العنكبوت»، مكث النبي نوح تسعمائة وخمسين سنة بين قومه يدعوهم إلى الله:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾

هل كانت الـ950 سنة عمر النبي نوح أم مدة دعوته؟

طُرحت في تفاسير القرآن وجهتا نظر مختلفتان في هذه المسألة:

1. إن النبي نوحًا، بعد بعثته، قضى تسعمائة وخمسين سنة في دعوة قومه، ثم عاش سنوات بعد الطوفان أيضًا؛ ولذلك كان عمره أكثر من تسعمائة وخمسين سنة. وقد ذكرت بعض الروايات أن مدة حياته بعد الطوفان كانت ستين سنة، أو سبعين سنة، أو مائتين وخمسين سنة، أو ثلاثمائة وخمسين سنة، أو خمسمائة سنة، بل ستمائة سنة. كما ورد في بعض الروايات أنه عاش سنوات قبل بعثته أيضًا (3).

2. في المقابل، يرى بعضهم أن الآية تفيد أن النبي نوحًا عاش تسعمائة وخمسين سنة (4). ووفقًا للكتاب المقدس لدى اليهود والمسيحيين، كان عمر النبي نوح أيضًا 950 سنة: «فكانت كل أيام نوح تسعمائة وخمسين سنة، ومات» (5).

لكن ظاهر الآية، ولا سيما دخول فاء التعقيب في قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾

يدل على أن مدة الـ950 سنة هي المدة التي أعقبت بعثة النبي نوح، وقضاها قبل وقوع الطوفان، ولا تشمل ما قبل ذلك وما بعده؛ ومن ثم فإن عمر النبي نوح كان أطول من 950 سنة (6).

كم سنة عاش النبي نوح؟

ذكرت كتب التفسير أرقامًا مختلفة لعمر النبي نوح، وترجع هذه الأرقام المختلفة إلى روايات نُقلت عن الصحابة والتابعين:

950 سنة: بُعث النبي نوح في سن الثلاثمائة، ودعا قومه ثلاثمائة سنة، ثم عاش بعد الطوفان 350 سنة (7).

1050 سنة: كانت بعثته في سن الأربعين، وعاش بعد الطوفان ستين سنة:
60 + 950 + 40 (8).

1450 سنة: بُعث في سن 250 سنة، وعاش بعد الطوفان 250 سنة:
250 + 950 + 250 (9).

1550 سنة: عاش 950 سنة بين قومه، ثم عاش 600 سنة بعد الطوفان (10).

1650 سنة: كانت بعثته في سن 350 سنة، وقضى 950 سنة في دعوة قومه، وتوفي بعد الطوفان بـ350 سنة (11).

2300 سنة: وفق رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، عاش النبي نوح 850 سنة قبل البعثة، و950 سنة في الدعوة، و500 سنة بعد الطوفان (12).

2500 سنة: بحسب ما ذكره الشيخ الصدوق في كتابه، عاش النبي نوح 2500 سنة (13).

إمكان وصول الإنسان إلى هذا المقدار من العمر

يرى جميع المفسرين، استنادًا إلى الأخبار الإلهية، إمكان أن يعيش الإنسان مثل هذا العمر، وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

  • إن الله تعالى قادر على ذلك؛ فكما يستطيع أن يبقي أهل الجنة أحياءً خالدين إلى الأبد (14)، يستطيع كذلك أن يمنح الإنسان عمرًا طويلًا في هذه الدنيا (15).
  • رغم أن بعض الأطباء حددوا الحد الأقصى لعمر الإنسان بـ120 سنة، فإن بقاء الإنسان أكثر من ذلك ممكن عقلًا وشرعًا. فمجرد وجود الإنسان يعني أن المقتضي اللازم لوجوده متحقق، وما لم يوجد مانع يستمر هذا الوجود. وإضافة إلى ذلك، فإن الله هو الذي يمنح الإنسان عمره، وهو سبحانه باقٍ دائم؛ ولذلك يستطيع أن يمنح الإنسان من العمر ما يشاء (16). وبعبارة أخرى، الموت يحتاج إلى سبب، وما لم يتحقق سبب الموت فلا يوجد ما يمنع من طول العمر (17).
  • وفقًا للدراسات الحديثة، فإن حصر عمر الإنسان في رقم ثابت لا أساس له. فضلًا عن ذلك، استطاع العلم اليوم أن يزيد عمر بعض الكائنات إلى اثني عشر ضعف عمرها المعتاد، بل إلى مئات أضعافه في بعض الحالات (18).
  • أظهرت التجارب أن تغيير نسبة الأكسجين في البيئة يمكن أن يؤثر في عمر بعض الكائنات؛ ولذلك يمكن من الناحية العلمية افتراض أن اختلاف الظروف البيئية في مراحل مختلفة من تاريخ الأرض قد يكون له تأثير في العمليات البيولوجية وفي أعمار الكائنات (19).

هل كان طول العمر خاصًا بالنبي نوح أم أن غيره كان يعيش أعمارًا طويلة أيضًا؟

يرى كثير من المفسرين أن طول العمر في ذلك العصر لم يكن خاصًا بالنبي نوح، وإن كان عمر نوح هو الأطول بينهم (20). ويرى بعضهم أن أعمار البشر أخذت تتناقص تدريجيًا، وهذا يعني أن أعمار البشر في الأزمنة السابقة كانت أطول (21).

وقد ذُكر في تفسير طول أعمار البشر في الماضي أن عدد السكان في بداية تاريخ البشرية كان قليلًا، وأن الحاجة إلى إعمار الأرض كانت تقتضي أعمارًا أطول؛ ونشاهد أمورًا شبيهة بذلك اليوم في الحياة البرية. فعلى سبيل المثال، تعيش بعض أنواع الحيوانات، كالنسور والسلاحف، مئات السنين لأنها قليلة التكاثر، بينما لا تعيش حشرات مثل الذباب أكثر من أسبوعين تقريبًا بسبب كثرة تكاثرها (22).

أما السبب في عدم رؤيتنا تسجيل مثل هذه الأعمار في الكتب التاريخية، فهو أننا لا نعرف تاريخ العصور القديمة معرفة كاملة، كما أن معلوماتنا عن تلك الحقبة محدودة جدًا (23).

والكتاب المقدس لدى اليهود والمسيحيين، بصورته الحالية، لا يُقبل بوصفه كتابًا وحيانيًا؛ ومع ذلك يمكن الاستناد إليه باعتباره كتابًا بشريًا قديمًا يشتمل على بعض المعلومات عن الشعوب القديمة، ووفقًا لهذا الكتاب أيضًا ذُكرت أعمار طويلة جدًا لكثير من البشر في الأزمنة السابقة (24).

كما أن ظاهر آيات القرآن يدل على أن طول العمر لم يكن بالضرورة خاصية بالنبي نوح وحده. يقول القرآن في حقه:

﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾

فلو كانت أعمار البشر المعتادة في ذلك العصر قصيرة، وكان الناس -مثلًا- يموتون بعد مائة سنة، ثم تحل أجيال جديدة محل الأجيال السابقة، لما بدا تعبير الآية بأن نوحًا عاش 950 سنة «في قومه» ودعاهم إلى الله خلال هذه المدة منسجمًا تمامًا مع ظاهرها.

والأمر نفسه جدير بالملاحظة بشأن أسرة النبي نوح. فالقصة القرآنية تعرضه خلال هذه الأحداث مع زوجة وأبناء محددين؛ أما إذا افترضنا أن البشر في ذلك العصر كانوا يعيشون المدة المعتادة في عصرنا، للزم من ذلك تكرار موت أفراد أسرته واستبدالهم، بحيث يكون مثلًا قد تزوج كل مائة سنة وأنجب أبناء جددًا، وهو ما يبدو مخالفًا لظاهر القرآن.

النتيجة:

  1. إن 950 سنة التي ذكرها القرآن بالنسبة إلى النبي نوح هي مدة دعوته لقومه، والآية ليست بصدد بيان عمره الكامل.
  2. لا يمكن، استنادًا إلى القرآن، تحديد العمر الدقيق للنبي نوح، إلا أنه عاش يقينًا أكثر من 950 سنة.
  3. بحسب ظاهر القرآن، كان طول العمر في تلك الحقبة ظاهرة عامة، ولم يكن خاصًا بالنبي نوح وحده.
  4. إن كون عمر النبي نوح غير معتاد لا يعني استحالة وقوعه؛ فحتى في الطبيعة، لا تمنع المدة المتوسطة أو العمر المعتاد لنوع من الكائنات وجود أفراد استثنائيين يعيشون أعمارًا أطول بكثير.

 

 


الهوامش:

1. محمد الماتريدي؛ تأويلات أهل السنة؛ بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1426هـ، ج8، ص213.

2. قال بعضهم إن النبي نوحًا كان مقدرًا له أن يعيش ألف سنة، لكنه وهب خمسين سنة من عمره لابنه؛ ولذلك أخبر الله عن عمره بهذه الطريقة (محمود الكرماني؛ غرائب التفسير وعجائب التأويل؛ جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية، [د.ت]، ج2، ص878). إلا أن هذا القول بلا دليل. والصحيح في سبب التعبير عن عمره بهذه الصورة هو أنه لو قال الله «950 سنة» لما انتبه المخاطب كثيرًا إلى طول هذه المدة، بينما ذكر العدد «ألف» يجعل طول المدة أكثر وضوحًا في ذهن السامع (علي بن حسين ابن أبي جامع؛ الوجيز في تفسير القرآن العزيز؛ قم: دار القرآن الكريم، 1413هـ، ج2، ص493).

وكذلك العكس؛ فمثلًا في عصرنا، عندما يراد أن يبدو سعر السلعة أقل للمشتري، يُعلن رقم أقل بقليل من العدد الكامل؛ فعوضًا عن إعلان سعر ألف تومان، يُحدد السعر بـ999 تومان. ورغم أن الفرق بين السعرين تومان واحد فقط، فإن رقم 999 يبقى في ذهن المشتري ضمن نطاق «تسعمائة»، ولذلك تبدو السلعة أرخص من سعرها الحقيقي.

3. يحيى بن سلام التيمي؛ تفسير يحيى بن سلام التيمي البصري القيرواني؛ بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1425هـ، ج2، ص621. هود بن محكم الهواري؛ تفسير كتاب الله العزيز؛ الجزائر: دار البصائر، 1426هـ، ج3، ص264. محمد بن جرير الطبري؛ جامع البيان في تفسير القرآن؛ بيروت: دار المعرفة، 1412هـ، ج18، ص370. ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد؛ تفسير القرآن العظيم؛ الطبعة الثالثة، الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز، 1419هـ، ج9، ص3041. هاشم بن سليمان البحراني؛ البرهان في تفسير القرآن؛ قم: مؤسسة البعثة، 1415هـ، ج4، ص309.

4. يحيى بن سلام التيمي؛ تفسير يحيى بن سلام التيمي البصري القيرواني؛ ج2، ص621.

5. سفر التكوين 9:29.

6. محمود بن عبد الله الآلوسي؛ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني؛ بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1415هـ، ج10، ص347.

7. ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد؛ تفسير القرآن العظيم؛ ج9، ص3041.

8. ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد؛ تفسير القرآن العظيم؛ ج9، ص3041. أحمد بن محمد الثعلبي؛ الكشف والبيان؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1422هـ، ج7، ص274.

9. سليمان بن أحمد الطبراني؛ التفسير الكبير: تفسير القرآن العظيم؛ إربد، الأردن: دار الكتاب الثقافي، 2008م، ج5، ص95.

10. يحيى بن سلام التيمي؛ تفسير يحيى بن سلام التيمي البصري القيرواني؛ ج2، ص621. هود بن محكم الهواري؛ تفسير كتاب الله العزيز؛ ج3، ص264.

11. محمد بن جرير الطبري؛ جامع البيان في تفسير القرآن؛ ج18، ص370.

12. هاشم بن سليمان البحراني؛ البرهان في تفسير القرآن؛ ج4، ص309.

13. حسين بن علي أبو الفتوح الرازي؛ روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن؛ مشهد المقدسة: مؤسسة البحوث الإسلامية التابعة للعتبة الرضوية، 1408هـ، ج15، ص195.

14. طه: 76.

15. أبو معشر قطان عبد الكريم بن عبد الصمد؛ عيون المسائل؛ بيروت: دار الكتب العلمية، 1429هـ، ج1، ص259.

16. محمد فخر الرازي؛ مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)؛ الطبعة الثالثة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ، ج25، ص37.

17. يعقوب جعفري؛ تفسير كوثر؛ قم: هجرت، 1376هـ، ج8، ص234.

18. ناصر مكارم الشيرازي وجماعة من المؤلفين؛ تفسير نمونه؛ الطبعة العاشرة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1371هـ، ج16، ص230.

19. برندا راسكون وجون إف. هاريسون؛ «طول العمر والإجهاد التأكسدي في ذبابة الفاكهة استجابةً غير خطية للأكسجين الجوي»؛ Journal of Experimental Biology، ج213، العدد20، 2010م، ص3441–3448. DOI: 10.1242/jeb.044867.

20. ناصر مكارم الشيرازي وجماعة من المؤلفين؛ تفسير نمونه؛ ج16، ص230.

21. ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد؛ تفسير القرآن العظيم؛ ج9، ص3041.

22. سيد قطب؛ في ظلال القرآن؛ الطبعة الخامسة والثلاثون، بيروت: دار الشروق، 1425هـ، ج5، ص2727.

23. طنطاوي بن جوهري؛ الجواهر في تفسير القرآن الكريم؛ بيروت: دار الكتب العلمية، 1425هـ، ج14، ص137.

24. سفر التكوين 5.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام رمضان | الصوم أثناء الأعمال الشاقة
السؤال/ سبب خروج الإمام الحسين عليه السلام؟
هل أن اولاد غير المسلمين غیر شرعیین؟
لماذا يُعدّ إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) أمرًا مهمًا؟
السؤال: لماذا نحرّك اليد اليمنى في ختام دعاء «يا مَن أرجوه لكل خير»؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل