س. ما مدى صحَّة ما يُروى من أنَّ السَّيِّدة زينب (عليها السلام) لمَّا رأت رأس الحسين (عليه السلام) ضربت رأسها بمقدَّم المحمل حتَّى نزف الدَّم من تحت برقعِها، وهل يصحُّ الاستدلال بهذه الرواية على حكمٍ شرعيّ؟

ج. الروايةُ المذكورة ضعيفةُ السند، فقد نقلها صاحب البحار(1) مرسلةً عن رجل يُدعى مسلم، كان يعملُ جصَّاصاً في قصر ابن زياد، فهو رجلٌ مجهول الحال ومهملٌ لا ذكر له في كتب الرجال، وعليه فلا يصحُّ الاستناد إلى هذه الرواية في مقام إثبات حكمٍ شرعي أو نفي حكمٍ شرعي. هذا وقد علَّق المحقِّق القمِّي على الرواية في كتابه منتهى الآمال بقوله: “وهذا الخبر وإنْ نقله العلامة المجلسي لكنَّ مستنده هو كتاب منتخب الطريحي وكتاب نور العين، ولا يخفى على أهل الخبرة والفنِّ في علم الحديث، حال الكتابين المذكورين(2).
ثم إنَّ طبيعة هذا الخبر حيثُ يدَّعي صاحبُه أنَّه وقع في محفلٍ كبيرٍ من الناس من المحبِّين والشامتين، وكان بمرأى ومشهدٍ منهم، فكيف لم ينقله منهم أحدٌ سواه ؟! رغم أنَّه يسترعي بطبيعته الانتباه وهو ما يقتضي كثرة النقل والناقلين له، فعدم تناقل مثل هذا الحدث المُلفت رغم انتفاء الموانع مِن نقله واقتضاء الدواعي لنقله وتصدِّي الناقلين لنقل ما هو دونه في الأهميَّة يُوهن الخبر ويمنع من الوثوق بصدقه كما هو محرَّرٌ في علم الأصول .
وثمة موجبٌ آخر لوهن الخبر، وهو منافاته لما هو منقول عن الشيخ المفيد في الإرشاد وغيره أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) أوصى السيِّدة زينب (عليها السلام) بقوله: “يا أُخية إنِّي أقسمتُ فأبرِّي قَسمي، لا تشقِّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكتُ”.
وفي لسانٍ آخر أو روايةٍ أخرى كما في اللهوف للسيد ابن طاووس أنَّه (عليه السلام) خاطب السيِّدة زينب والسيِّدة أمَّ كلثوم والسيِّدة فاطمة وزوجتَه الرباب ليلة العاشر، فقال (عليه السَّلام): “انظرنَ إذا قُتلتُ فلا تشققنَ عليَّ جيبًا، ولا تخمشنَ وجهًا، ولا تقلن هجرًا”(3). فإنَّ المستظهَر أو القدر المتيقَّن من النصَّين هو النهي عن مثل الخمش وشقِّ الجيب في محضر الأعداء وفي محضر الأجانب من الرجال، فهل يصحُّ القبول بأنَّ السيِّدة زينب (عليها السلام) خالفت وصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)؟!! خصوصاً وأن مفاد الخبر المذكور هو أن ذلك وقع في محضر جماهير من الناس من أهل الكوفة وفي محضر جماعة من المعسكر الأموي الذي كان يقود قافلة السبايا.

كما أنَّ الخبر المذكور منافٍ لما هو المعلوم من شخصية السيدة زينب (عليها السلام) وما تميزت به من رباطة جأشٍ منقطعِ النظير، فالخبر المذكور لا يُشبه ما هو المأثور من مواقف السيدة (عليها السلام) المعبِّرة عن قدرة استثنائية على التجلُّد والمصابرة، فمن ذلك ما أورده الشيخُ جعفر بن قولويه في كتابه “كامل الزيارات”، فقد روى (رحمه الله تعالى) بسنده عن قدامة بن زائدة، عن أبيه أنَّ علي بن الحسين (عليهما السلام) لمَّا نظر إلى أهلِه مجزَّرين اشتدَّ عليه ذلك، وظهر عليه أثر الحزن فأخذت زينب الكبرى تُسلِّيه وتصبِّره، وقالت له فيما قالت: “مالي أراك تجودُ بنفسك يا بقيَّة جدِّي وأبي وإخوتي، فوالله إنَّ هذا العهد من الله إلى جدِّك وأبيك، ولقد أخذ اللهُ ميثاق أُناسٍ لا تعرفهم فراعنةُ هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، أنَّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطَّعة والجسوم المضرَّجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف علمًا لقبر أبيك سيِّد الشهداء لا يدرس أثرُه، ولا يُمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنَّ أئمّةُ الكفر وأشياع الضّلال في محوه وتطميسه فلا يزدادُ أثره إلاّ علوًّا”(4).

إنّ هذا الموقف -وغيره كثير- لا ينسجمُ مع المضمون الذي اشتملت عليه الرواية المذكورة، لذلك لا يمكن الوثوق بصدور مثل هذا الفعل من السيِّدة زينب (عليها السلام)، وعليه لا يصحُّ الاستناد إلى الرواية المذكورة في مقام الإفتاء.

الشيخ محمد صنقور

1- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج45 / ص115.

2- منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل (عليهم السلام) -الشيخ عباس القمي- ج1 / ص729.

3- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص94، اللهوف في قتلى الطفوف -السيد ابن طاووس- ص50.

4- كامل الزيارات -ابن قولويه القمي- ص444، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج28 / ص57.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

هل يصح التنبؤ بأحداث العالم بناءً على احوال النجوم؟ ما مدى صحة ما في التقويمات الفلكية القديمة، من اختيار اثني عشر حيواناً لتسمية كل عام وادراج خصائص لكل من هذه السنوات (على سبيل المثال، يقولون فی عام الثعبان، حالة المناجم جيدة)؟ وإذا لم يكن هذا صحيحاً، فلماذا يدرج علماء النجوم، الذين غالباً ما يكونون من علماء الدین، هذه المطالب في التقويمات الفلكية؟
هل الإمام الحسين (عليه السلام) طلب من عمر بن سعد (لعنه الله تعالى) بعدما حوصر أخذه إلى يزيد ومبايعته؟
السؤال: هل المحسن غير المتدين تكون عاقبته إلى خير في نهاية المطاف؟
هل سیخلق الله تعالى خلقاً جدیداً وإنساناً آخر بعد فناء هذا العالم ویکون له قیامة وبعث ونشور أیضا؟
السؤال: إذا كان من المقرَّر أن يُنسخ حكمٌ من أحكام القرآن الكريم، فلماذا نزل ابتداءً بصيغة آية قرآنية؟ وإذا كان حكمه قد رُفع لاحقاً، فما العلّة في بقائه ضمن النص القرآني وعدم حذفه؟ ثم ما الأساس والمسوِّغ لتلاوة الآيات المنسوخة أصلاً؟ ولماذا، على الرغم من وقوع النسخ، ما تزال الآيات المنسوخة باقية في القرآن الكريم وتُتلى؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل