حوار مع خبيرٍ حوزويّ: كيف نحوِّل الحجاب إلى نموذجٍ مُلهِمٍ لجيل اليوم؟

في تقريرٍ لوكالة أنباء الحوزة، ومع اقتراب بدء المسيرة الأربعينية «بيان الحقيقة» التي ترتكز على تبيين فلسفة الحجاب ونمط العيش العفيف، يبرز سؤالٌ جوهريّ يزداد إلحاحًا يومًا بعد يوم: كيف يمكن تقديم أعمق المفاهيم الدينية والثقافية لجيل اليوم -ولا سيّما الشباب- بأسلوبٍ مؤثّرٍ مقبول ومُقنِع؟

إنّ هذه المبادرة ليست مجرّد برنامجٍ دعويّ تقليدي، بل تمثّل فرصةً استراتيجيةً لجهاد التبيين؛ إذ إنّ معيار نجاحها الحقيقي يُقاس بمدى قدرتها على النفاذ إلى قلب المتلقّي وتغيير رؤيته. وفي ظلّ التحدّيات والشبهات الإعلامية المتراكمة، تكتسب الدقّة في التنفيذ أهميّةً مضاعفة.

تسعى هذه المقابلة، من خلال تفكيك المتطلّبات الحيويّة، إلى رسم إطارٍ منهجيّ لنقل رسالة الحجاب والعفّة بصورةٍ فعّالة، بما يُخرج هذه القيم من هامش الخطاب إلى صميم الحياة اليومية للشباب، ويحوّلها إلى قناعةٍ داخليةٍ طوعية. ونقدّم هذا الحوار -مع حجّة الإسلام مهدي صدري، الخبير في قضايا الحجاب- للمهتمّين بتنشئة الجيل القادم.


أسئلة المقابلة

1-في ضوء البرنامج الأربعيني «بيان الحقيقة» المرتكز على تبيين فلسفة الحجاب والعيش العفيف، ما العناصر المضمونية والإعلامية والتنفيذية التي ينبغي إعطاؤها الأولويّة، كي تتحوّل هذه المبادرة إلى «جهاد تبيين» مؤثّرٍ وجاذب، يلامس عقل وقلب المتلقّي، خصوصًا من جيل الشباب؟

2-على أيّ شبهةٍ أو اعتراضٍ شائع لدى الشباب ينبغي التركيز، وبأيّ قالبٍ مضمونيّ يُستحسن تقديم الجواب؟


بسم الله الرحمن الرحيم

لا شكّ أنّ من أنجع الطرق وأكثرها جاذبيةً للتواصل مع جيل الشباب ونشر القيم الأصيلة، هو اعتماد منهج القدوة والنموذج الحيّ؛ فهذا الأسلوب، بدلًا من الاتّكاء على الخطاب الإلزامي، يولّد دافعًا داخليًا من خلال تقديم أمثلةٍ واقعية قابلة للاقتداء.

الدور المحوري للقدوة في جهاد التبيين

يبدو أنّ من أهمّ الخطوات المؤثّرة، التي -للأسف- لم تُحظَ بالاهتمام الكافي في السنوات الماضية، هو التعريف المنهجيّ بالنساء الناجحات المؤثّرات الملتزمات بالحجاب ونمط العيش العفيف، ولا سيّما في أوساط الفتيات والنساء الشابّات. إنّ أقوى وسيلةٍ لترغيب الشباب بقيمٍ كالعفّة والحجاب، هي تقديم نماذج محترمة، قريبة منهم، استطاعت أن تشقّ طريق التقدّم والرقيّ مع الحفاظ على هذه القيم.

كيف يتحوّل الحجاب إلى نموذجٍ لجيلٍ جديد؟

اليوم، تتألّق أعدادٌ كبيرة من الفتيات والنساء المؤمنات المحجّبات في ميادين شتّى: علميًا وثقافيًا واجتماعيًا ورياضيًا، محقّقات إنجازاتٍ لافتة على المستويين الوطنيّ والدوليّ. غير أنّ وسائل الإعلام -ولا سيّما المؤسّسة الرسميّة- قصّرت في إبراز هذه الشخصيّات المضيئة وتقديمها للمجتمع بالصورة اللائقة.

في المقابل، شهدنا في بعض السنوات الماضية -وباستخدام إمكاناتٍ وموارد عامّة- تقديم أشخاصٍ يفتقرون إلى الالتزام بالحجاب أو بالقيم الأخلاقية على أنّهم «نماذج نجاح»، ولا سيّما للفتيات. ويمكن الجزم بأنّ هذا التوجّه يُعدّ من أكبر الضربات والظلامات الثقافية التي وُجّهت إلى القيم الاجتماعية من داخل المنظومة الإعلامية نفسها.

المشكلة لا تكمن في مجرّد الإغفال، بل أحيانًا في الاستثمار المتعمّد في نماذج غير منسجمة مع القيم. فعندما تُقدَّم شخصيّات فاقدة للالتزام القِيمي، مدعومة بغطاءٍ رسميّ وإعلاميّ، بوصفها «قدوة»، فإنّ النتيجة الطبيعية هي انجذاب الشباب إليها، بل وقد تتحوّل هذه الشخصيات لاحقًا إلى موقع تعارضٍ مع النظام نفسه الذي منحها يومًا رصيدها الرمزي.

توسيع مفهوم المرأة المسلمة الناجحة

إنّ الحلّ الأجدى يتمثّل في التوجّه إلى النساء المؤمنات المحجّبات العفيفات المؤثّرات، وتقديمهنّ للمجتمع -ولا سيّما للفتيات- بكلّ ما يحملنه من عظمة. غير أنّ هذا التعريف لا ينبغي أن يُحصر في مجالات النجاح التقليدية كالتحصيل العلمي أو الإنجاز الرياضي فحسب.

كثيرٌ من نسائنا المكرّمات يسطعن في أدوارٍ أعمق وأكثر تأسيسًا، من قبيل:

  • نساءٍ نجحن في تربية أفضل البشر.
  • أمهات وزوجات الشهداء، اللواتي يشكّلن بأنفسهنّ نماذج حيّة في الصبر والإيثار والإدارة الروحية للحياة.
  • ربّات بيوتٍ مؤمنات، أدفأن كيان الأسرة بالجدّ والمحبّة، وأسهمن في إنشـاء جيلٍ صالح.

وللأسف، بلغ الأمر حدّ أن ترى بعض فتياتنا أنّ الأعمال المنزلية أو دور الزوجة يُعدّ انتقاصًا من الكرامة، وهي نظرةٌ تُعدّ من نتائج التقصير في إبراز عزّة وجلال هذه الأدوار السامية.

وعليه، فإنّ أوّل وأعجل ما ينبغي القيام به هو:

إعادة تعريف وتقديم النماذج الحقيقية للمرأة المسلمة في جميع ساحات التأثير؛ من ميادين العمل الاجتماعيّ إلى قلب الأسرة الدافئ.


التركيز على شبهة «الحرية المطلقة» والردّ عبر الحوار الواقعي

في مبحث الحرّية والاختيار، يمكن التركيز على مفهوم «الحرّية بلا حدود». إذ يدّعي بعضهم: «نحن أحرار في لباسنا وأفعالنا وأقوالنا». غير أنّ النظرة العقلانية -حتى بمعزلٍ عن المنطلقات الدينية- تُبيّن بوضوح أنّ الحرية المطلقة مفهومٌ غير قابلٍ للدفاع. فالإنسان العاقل يدرك أنّ السماح لكلّ فرد بالتحرّك وفق رغبته الشخصية دون أيّ إطار، يؤدّي إلى انهيار النظام الاجتماعي ووقوع الفوضى.

الحرّية الحقيقية لا تتحقّق في غياب القيود كلّيًا، بل في القدرة على الاختيار ضمن إطار المسؤوليّة تجاه الآخرين ومراعاة المصلحة العامة. فالعقل السليم يُقرّ بأنّ حقّ الفرد محترم ما لم يتعدَّ على حقوق غيره. وعليه، يمكن إثبات أنّ الحرّية غير المشروطة لا هي معقولة ولا هي ممكنة عمليًا، دون الحاجة إلى الاستناد المباشر للنصوص الدينية.


الاقتداء بسيرة أهل البيت (ع) في أسلوب المناظرة

إنّ اعتماد الحوار والمناظرة -كما جسّده أعلامنا، كالإمام الرضا (عليه السلام) والشهيد الدكتور محمد حسين بهشتي- لا يدلّ على الثقة بالحقّ وحدها، بل يُعدّ أكثر الأساليب فاعليةً في ترسيخ هذا الحقّ في الساحة العامّة.

ينبغي أن نُتيح للمخالفين فرصة التعبير عن آرائهم. فهذا المنهج مستمدّ من السيرة العملية للإمام الرضا (عليه السلام) ومن منطق الإسلام الحرّ والعقلاني. على أن يُشترط أمران أساسيان:

  • الالتزام بالدليل والبرهان.
  • الالتزام بالأدب والاحترام.

وهذه الطريقة بعينها كانت من أبرز أسباب ترسيخ حقّانية التشيّع. واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى إحيائها.

لقد اقترحتُ مرارًا في سنواتٍ سابقة على بعض الزملاء في الإعلام الرسمي: «لِمَ لا نُنتج برنامجًا عن الحجاب، نبدأ فيه بمنح المعارضين مساحةً لعرض آرائهم، بشرط الالتزام بالمنطق والاحترام؟». فليقولوا مثلًا: «لا أؤمن بالحجاب» أو «أختار نمطًا مختلفًا»، لكن مع تقديم مبرّراتٍ عقلية أو نفسية أو اجتماعية، ثم نتولّى نحن تقديم الردّ العلميّ الرصين.

نحن واثقون بامتلاكنا رصيدًا غنيًا من الأسس الدينية والعلمية. وكما أكّد سماحة القائد المعظّم مرارًا على ضرورة إقامة كراسيّ الحوار الحرّ، فإنّ كثيرًا منها -للأسف، في بعض الجامعات والحوزات- اتّخذ طابعًا شكليًا نمطيًا، حيث يُحدَّد المؤيّد والمعارض مسبقًا، وتُطرح الأسئلة بصورةٍ مكرّرة.


فاعلية المناظرة الحقيقيّة

إنّ المناظرات الحقيقية المفتوحة تُتيح تقديم الأجوبة في فضاءٍ واقعيّ. فعندما يُستضاف معارضٌ للحجاب في برنامجٍ تلفزيوني أو منصّة رقمية لطرح شبهته، ثم يردّ عليه عالمٌ متمكّن ملتزم بردٍّ علميّ متين، فإنّ النتيجة -في الحدّ الأدنى-هي تفكيك السلاح الفكري لدى المعارض، وسقوط ذريعة أنّ صوته غير مسموع.

هذا الأسلوب يُبرز قوّة منطق الإسلام، ويُحدث شفافيةً حقيقية، وتفوق فعاليته الثقافية الخطابَ الأحاديّ بكثير.

لقد قصّرنا في السنوات الماضية -في الحوزات والجامعات- في إتاحة المجال للمخالفين لعرض آرائهم بوضوح، ثم تقديم ردودٍ رصينة عليها. غفلنا عن أنّ إسكات الأصوات قد يؤدّي يومًا إلى تحوّلها إلى أغلبيّة. والحلّ ما زال متاحًا عبر المناظرات الواقعية وكراسيّ الحوار الحرّ، ضمن إطارٍ واضح منذ البداية:

أن يلتزم الطرفان بالدليل، والعقلانية، وترك الضوضاء والتهريج، والتحلّي بالأدب.

نحن على يقينٍ من حقّانية ديننا ومذهبنا. وإذا تقدّمنا بثقةٍ تنبع من منطقٍ راسخ وأسلوبٍ سليم، فإنّ كلمتنا -لا محالة-ستثبت وتؤتي أُكلها.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل