السؤال: أحدُ الإشكالات التي تُثار ضدّ النظام هو موضوع «ولاية الفقيه المطلقة». والإشكال المطروح هو أنّ ولاية الفقيه المطلقة تُعَدّ نوعاً من الاستبداد. يُرجى توضيح هذا الأمر.

جواب آية الله مصباح يزدي: برأيي، فإنّ هذا الإشكال إمّا ناتج عن سوء فهم لمصطلح «ولاية الفقيه المطلقة»، أو أنّ بعضهم ـ عن خطأ، أو لا سمح الله عن عمد ـ قد قدّم تعريفاً خاطئاً لولاية الفقيه المطلقة، وكان ذلك سبباً في هذا الالتباس. اسمحوا لي، بوصفـي شخصاً مطّلعاً على فقه الإسلام، أن أعرّف لكم ولاية الفقيه المطلقة، وهي مصطلح فقهي، ثمّ نرى بعد ذلك: هل ولاية الفقيه المطلقة هي عين الاستبداد، ونظام فاشي ديكتاتوري، أم ـ كما عبّر الإمام رضوان الله عليه ـ هي أرقى نظام إنساني؟!

قبل انتصار الثورة، وقبل أن يقوم نظام إسلامي في البلاد، كان الأشخاص الملتزمون بالأحكام الشرعية، والذين كانت القوانين السائدة في البلاد تُخالفهم، يسعون إلى العثور على فقيه جامع للشرائط لكي يستأذنوه في بعض الموارد الخاصّة. فعلى سبيل المثال، كان المعلّمون آنذاك يشعرون من جهة بوجوب حضورهم في المدارس لتعليم الأطفال وتربيتهم، لكنّهم من جهة أخرى كانوا يعتبرون حكومة بهلوي حكومةً غاصبة، ويرون أنّ الأموال التي تقع تحت تصرّفها أموال مغصوبة ومحرّمة؛ لأنّ إيرادات الدولة كانت تشمل ضرائب الخمور، ودور القمار، بل وحتى ضرائب البغاء وغيرها.

ولهذا، كان هؤلاء المعلّمون حين يريدون تقاضي رواتبهم من الدولة، يراجعون المجتهد الجامع للشرائط في مدينتهم، ويأخذون منه الإذن بذلك.

ما معنى هذا الاستئذان، مع أنّ أحدًا لا يملك أن يمنح الإذن في التصرّف في أموال الآخرين؟! إنّ هذا الاستئذان يعني أنّ الفقيه يُعدّ مالكًا أصليًا لهذه الأموال. فالأموال التي وصلت إلى يد الدولة تُعدّ مغصوبة، ولا يحقّ التصرّف فيها إلا للفقيه الجامع للشرائط. لذلك كانوا في ذلك الزمن يراجعونه ويستأذنون منه لكي يكون المال الذي يتقاضونه من الدولة حلالًا لهم. كانوا يؤدّون واجبًا شرعيًا في سبيل خدمة المجتمع، ومن أجل تقاضي العوض عن هذا العمل كانوا يستحصلون الإذن من الفقيه. وكان يُطلق على ذلك «الولاية المقيّدة»؛ أي إنهم في الحدود التي تقتضيها حاجة الناس والضرورة، أو ما يُسمّى اصطلاحًا بـ«الأمور الحسبية»، كانوا يرجعون إلى ولاية الفقيه، لكي يكون المال الذي ينتفعون به حلالًا، والأرض التي يتصرّفون فيها غير مغصوبة، وتكون صلاتهم صحيحة.

وهذا في الواقع يُعدّ نوعًا من «الدولة داخل الدولة»، وهو مرتبط بالمرحلة التي لا يكون فيها الفقيه مبسوط اليد ولا يمتلك سلطة الحكم. ففي الفترة التي كانت فيها الحكومة وبيت المال بيد أسرة بهلوي، كان المسلمون المتديّنون الملتزمون بالأحكام الشرعية، وفي موارد محدودة وبحكم الاضطرار، يراجعون الفقيه ويستأذنون منه. وكان إذن الفقيه يُمثّل ممارسة فعلية للولاية؛ أي كأن يقول: أنا الوالي، وأأذن لكم بالقيام بهذا العمل. وكانت هذه ولاية مقيّدة، ولأنها عمليًا لم تكن في تعارض مع جهاز الحكم القائم، لم تكن الحكومة تُبدي حيالها أي حساسية.

ثم طرح بعض الأعلام هذا التساؤل: إذا ما آلت سلطة الحكم يومًا إلى فقيه جامع للشرائط، فهل تبقى صلاحيات الفقيه محصورة في موارد الاضطرار والأمور الحسبية، أم يحقّ له تولّي جميع شؤون الحكم وإدارته؟! وقد سبق أن تناول هذا البحث أعلامٌ أمثال المحقق الكركي، والمرحوم النراقي، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والميرزا القمي، وغيرهم، وذلك بسبب ظروف تاريخية معيّنة كانت قد أفرزت مثل هذه الإشكالات، إذ إنّ حالات مشابهة كانت قد وقعت أحيانًا في عهدي الصفويين والقاجاريين.

في هذه المرحلة، وبحسب ما أذكر، بدأ طرح هذا البحث على يد المرحوم السيد البروجردي رضوان الله عليه. وكان الإمام الخميني رضوان الله عليه، والمرحوم آية الله الكلبايگاني رضوان الله عليه، وجميع الفقهاء الذين يتصدّون اليوم لمنصب المرجعية، يرون أنّه إذا آلت السلطة إلى فقيه جامع للشرائط، فإنّ ممارسة الولاية لا تقتصر على موارد الاضطرار والأمور الحسبية، بل تشمل تولّي جميع الشؤون الحكومية وإدارتها. غير أنّ كيفية ممارسة هذه الولاية، والآلية التي يتدخّل بها الفقيه في الشؤون العامة، تُحدَّد وفقًا للدستور.

وتُشبَّه السلطات الثلاث بهرم ذي ثلاثة أضلاع؛ ففي أحد أضلاعه تقع السلطة التشريعية، وفي الضلعين الآخرين السلطتان القضائية والتنفيذية. وهذه السلطات يُنتخب القائمون عليها من قبل الشعب، غير أنّ هذا الهرم برمّته يستمدّ مشروعيته واعتباره من قمّته العليا، حيث إنّ إذن رأس الهرم هو الذي يضفي المشروعية على جميع هذه السلطات. وهذا ما نُطلق عليه «الولاية المطلقة».

وعليه، فإنّ شرط الولاية المطلقة هو أن لا يحيد الشخص الذي يتصدّر قمّة هذا الهرم قيد أنملة عن القانون. فإذا صدر عن هذا الشخص أيّ فعل مخالف لحكم الله، كأن يرتكب معصية، فإنّه يسقط تلقائيًا عن موقع الحكم. وقد ورد في كلمات الإمام الخميني رضوان الله عليه بصراحة أنّه إذا ارتكب وليّ الفقيه ذنبًا سقطت عدالته. ومع سقوط العدالة تنتفي شروط الولاية، فيُعزل الحاكم تلقائيًا من منصبه.

أيُّ النظامين أكثر عقلانيةً وشعبية: هذا النظام، أم نظامٌ يُثبَت فيه أنّ رئيس جمهوريته قد ارتكب مخالفاتٍ جسيمة واستغلّ المال العام وارتكب جرائم تُخضعه للقوانين الجزائية وتستوجب محاكمته، ومع ذلك يُقال: دعوه يُكمل مدّة رئاسته ثم نحاكمه بعد ذلك؟! برأيكم، أيُّ هذين النظامين أكثر عقلانية؟!

إنّ ولاية الفقيه تقول إنّ الفقيه لا يملك أصلًا أن يتجاوز على حقّ أحد، بل إنّه لو أخطأ حتى في أداء صلاته، أو ارتكب ذنبًا شخصيًا، سقطت ولايته تلقائيًا، ولا حاجة إلى عزله رسميًا، لأنّه يكون معزولًا بنفسه. أمّا ما جرى في ملفّ الرئيس السابق للولايات المتحدة فمعروف للجميع، وكذلك الحال مع عددٍ من رؤساء الحكومات في إيطاليا. وفي كوريا الجنوبية وبعض الدول الأخرى أيضًا وُجدت حالات ارتكب فيها رؤساء جمهوريات جرائم كان ينبغي أن يُحاكموا عليها ويقضوا بسببها مددًا طويلة في السجن، لكن قيل: دعوهم يُنهون فترة رئاستهم ثم نحاكمهم بعد ذلك. فبرأيكم، أيّ هذه الأنظمة أكثر عقلانيةً والتزامًا بالقانون؟!

لقد فسّر بعضهم «الولاية المطلقة» تفسيرًا خاطئًا، بعضهم عن عمدٍ وبعضهم عن جهل، فقالوا إنّ المقصود هو أنّ الفقيه يأمر بما يشاء وعلى الجميع أن يطيعوا! فمن قال هذا أصلًا؟! إنّ الفقيه لا يملك فقط حقّ سنّ القوانين وفق أهوائه، بل إنّه لو ارتكب ذنبًا حتى في أحكامه الشرعية الشخصية التي لا علاقة لها بالشؤون الاجتماعية، فإنّه يُعزل عن الولاية تلقائيًا. ولهذا قال الإمام ـ رضوان الله عليه ـ إنّ الولاية المطلقة هي أرقى نظام يمكن للإنسان أن يحقّقه. فهي ليست استبدادية، ولا ديكتاتورية، ولا فاشية على الإطلاق.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: هل كان طوفان نوح عليه السلام كارثة عالمية أم عذابا إقليميا؟
السؤال: كيف يردّ القرآن على حجج منكري البعث والمعاد؟
السؤال: ما هو مدى تأثير الأبراج على حياة الإنسان او كما يُعرف بـ قراءة الطالع في الصحف والبرامج التلفزيونية، وما مدى صحتها وهل ورد مثل هذا عن الأئمّة المعصومين "عليهم السلام" كما مشهور كراهة الزواج والقمر في برج العقرب وأنّه يجلب النحس وعدم التوفيق ؟
ورد عن الامام علي عليه السلام( من قبض يده مخافة الفقر فقد تعجّل الفقر)فهل هو صحيح؟ورد عن الامام علي عليه السلام( من قبض يده مخافة الفقر فقد تعجّل الفقر)
قال تعالى الحكيم في كتابه الكريم : " وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" سورة الزمر آية 75 السؤال: ما المقصود من العرش؟ بأي معنى الملائكة تحفُّ حوله ؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل