أخلاق الإمام السجاد عليه السلام بلسان أبي حمزة الثمالي

يقول أبو حمزة الثمالي: في ليلة باردة ممطرة، رأيتُ علي بن الحسين عليه السلام في أزقة المدينة، وقد حمل على ظهره كيسا من الدقيق وحزمة من الحطب، وكان متوجها إلى مكان ما. فقلت له: يا ابن رسول الله، ما هذا الذي تحمله؟ فقال عليه السلام: «سفرٌ أمامي، وقد أعددتُ له زادا، وأريد أن أضعه في موضع آمن».

وبحسب ما أفادت به وكالة «حوزة» الإخبارية، فإن الخامس من شهر شعبان هو ذكرى ولادة الإمام السجاد عليه السلام. ويذكر أبو حمزة الثمالي أن الإمام زين العابدين كان يحمل في ظلمة الليل طعام الفقراء والمساكين على كتفيه، فيتصدق به سرا دون أن يعرفه أحد، وكان يقول: «إن الصدقة في الخفاء تطفئ غضب الله».

الحِلم والصبر

ومن أبرز الصفات التي تميز بها الإمام السجاد عليه السلام صبره العظيم على الشدائد، وعفوه عمن أساء إليه أو جفاه. فقد كان عبر التاريخ أناس يناهضون أولياء الله، تارة عن جهل، وتارة بدافع حب الدنيا والانغماس فيها، فيؤذونهم ويعتدون عليهم.

وذات يوم، رأى رجلٌ علي بن الحسين عليه السلام، فشرع يسيء إليه، وأطلق لسانه بالسبّ والشتم القاسي. فهبّ أصحاب الإمام لمعاقبته، غير أن الإمام منعهم وقال: «دعوه ولا تتعرضوا له». ثم التفت إلى الرجل وقال بهدوء: «إن أمرنا عليك أخفى مما تظن، فإن كانت لك حاجة فاذكرها نقضِها لك».

فتأثر الرجل تأثرا شديدا بحلم الإمام وعظيم خُلُقه، وبكلماته اللطيفة المفعمة بالمحبة، فغمره الخجل حتى لم يعد يقوى على النظر في وجه الإمام. فأمر عليه السلام على الفور خدمه أن يعطوه ألف درهم. ومنذ ذلك اليوم، كان ذلك الرجل كلما رأى الإمام قال: «أشهد أنك من أبناء رسول الله، ومن أهل بيت الوحي والنبوة».

العفو والصفح

كان أحد أبناء عمومة الإمام السجاد عليه السلام، واسمه «الحسن بن الحسن»، قد وقعت بينه وبين الإمام جفوة وسوء تفاهم. وفي يوم من الأيام دخل الحسن المسجد، فرأى الإمام زين العابدين عليه السلام هناك، فبادره بحدّة وغلظة، وتفوه بكلام جارح آذى به الإمام. ولم يُبدِ الإمام أي ردّة فعل، وبقي صامتا حتى خرج الحسن من المسجد.

وعند حلول الليل، توجّه الإمام السجاد عليه السلام إلى بيت الحسن وقال له: «يا أخي، ما قلته اليوم عني أمام الناس في المسجد: إن كان حقا فأنا أسأل الله أن يغفر لي، وإن كان باطلا وكذبا، فأسأل الله أن يغفر لك. السلام عليك ورحمة الله وبركاته».

قال الإمام هذه الكلمات ثم انصرف.

كان الحسن لا يتوقع أبدا مثل هذا الموقف من الإمام، إذ كان قد هيّأ نفسه لسماع كلمات قاسية وتوبيخ شديد، لكنه فوجئ بفيض من السموّ الأخلاقي والعظمة الإنسانية. فغمره الخجل، وانهمرت دموعه، ولحق بالإمام معتذرا طالبا العفو. فرقّ قلب الإمام لحاله، وطمأنه بأنه قد عفا عنه وصفح.

التواضع

كان الإمام زين العابدين عليه السلام يجالس الفقراء ويشاركهم الطعام، حتى بدا كأنه واحد منهم. وبهذا السلوك العملي كان يعلّم الناس أن التكبر لا يليق بالعبد أمام عظمة الله سبحانه، خالق السماوات والأرض. وكان الإمام يمشي بسكينة وتواضع، لا يتجاوز حد الاعتدال في شيء.

وفي أسفاره، لم يكن يعرّف بنفسه، بل كان يعمل مع رفقائه جنبا إلى جنب كأحدهم. وفي إحدى الرحلات، وبينما كان منشغلا بالعمل كعادته، رآه أحد معارفه فقال للرفاق: «أما تعرفون هذا الرجل؟ إنه علي بن الحسين عليه السلام». فلما عرفوه، ألقوا أنفسهم عند قدميه، وقبّلوا يديه ورجليه، واعتذروا له عمّا بدر منهم من تقصير في حقه.

ومرّ الإمام عليه السلام يوما على جماعة من المصابين بالجذام، كانوا جالسين يتناولون الطعام، فدعوه إلى مشاركتهم. فقال لهم: «لو لم أكن صائما لشاركتكم». فلما عاد إلى بيته، أمر بإعداد طعام طيب، ثم دعاهم إلى الإفطار، وجلس يأكل معهم.

العفو عند القدرة

كان هشام بن إسماعيل والياً على المدينة، وقد أساء في فترة ولايته إلى الإمام السجاد عليه السلام ظلماً وجوراً. وفي نهاية الأمر عزله الوليد عن منصبه، ونادى منادوه في المدينة:

«كل من تعرّض للظلم في زمن حكم هشام، أو ضاع له حق، فليأتِ ويطالب بحقه».

كان هشام في تلك اللحظة أشدّ ما يكون خوفاً من الإمام السجاد عليه السلام، لأنه كان قد بالغ في ظلمه له. غير أنّ ما جرى كان على عكس ما توقّعه تماماً؛ فعندما واجهه الإمام، بادره بالسلام، وأوصى أصحابه ألا يتعرّضوا له، وهو اليوم ضعيف عاجز. ثم طمأنه الإمام قائلاً: «يا هشام بن إسماعيل، ابذل جهدك في إرضاء المظلومين والمحرومين، ولا تقلق من جهتنا».

الصدقات الخفية

يقول أبو حمزة الثمالي (ت 150هـ): كان الإمام زين العابدين عليه السلام يحمل في ظلمة الليل الخبز والطعام على كتفيه، ويوزّعه سراً على الفقراء دون أن يُعرف، وكان يقول: «الصدقة في الخفاء تُطفئ غضب الله».

ولهذا، حين استُشهد الإمام وغُسِّل جسده الشريف، لاحظوا وجود آثار وجروح متيبّسة على ظهره وكتفيه. وعندما سألوا عن سببها، تبيّن أنها آثار الأحمال الثقيلة من الطعام التي كان يحملها للفقراء والمحتاجين.

وكان أحد أبناء عمومة الإمام فقيراً محتاجاً، وكان الإمام يعينه دائماً في الخفاء دون أن يعرّف بنفسه. وبما أنّ هذا القريب لم يكن يعرف من يساعده، كان يشتكي من الإمام السجاد عليه السلام ويعاتبه لعدم اهتمامه به. ومع ذلك، لم يكشف الإمام عن هويته، ولم يقل له إنّ المعين الخفي هو نفسه، حتى وافاه الأجل. عندها فقط عرف ذلك القريب الحقيقة، فجاء إلى قبر الإمام باكياً معتذراً.

وكذلك كانت كثير من العائلات الفقيرة في المدينة تنال عطايا رجل مجهول في ظلمة الليل، ولم تعرف من هو إلا بعد وفاة علي بن الحسين عليه السلام، حين انقطعت تلك المساعدات، فعلموا أن ذلك المحسن المجهول لم يكن سوى زين العابدين عليه السلام.

الإنفاق في ظلمة الليل

يروي سفيان بن عيينة عن الزهري قوله: في ليلة باردة ماطرة، رأيت علي بن الحسين عليه السلام في أزقة المدينة، يحمل على ظهره كيس دقيق وحزمة حطب. فقلت له: «يا ابن رسول الله، ماذا تحمل؟» فقال: «أنا في سفر، وقد أعددت زادي وأريد أن أضعه في مكان آمن».

قلت: «ألا تأذن أن يساعدك خادمي؟» قال: «لا». فقلت: «دعني أنا أساعدك». فقال: «لا. لماذا لا أتحمّل بنفسي ما أحتاجه في سفري؟ أسألك بالله أن تتركني وشأني».

ومضت تلك الليلة. وبعد مدة لقيته وسألته: «كيف كان ذلك السفر؟» فقال: «لم يكن سفراً كما ظننت، بل قصدتُ سفر الآخرة، وأنا أتهيأ له بترك الحرام، وبالعطاء، وبالعمل الصالح».

ويضيف سفيان بن عيينة: عندما كان الإمام علي بن الحسين عليه السلام متوجهاً إلى الحج، أعطته أخته سكينة بنت الحسين ألف درهم لنفقة الطريق، فلما بلغ منطقة (الحَرّة)، وزّع المبلغ كله على الفقراء والمساكين.

إطعام المحتاجين

يقول الإمام الباقر عليه السلام: كم من مرة كان أبي يجلس مع الأيتام والمساكين، ويطعمهم بيده، وكان يرسل الطعام إلى من كانت له عائلة وأولاد.

ويقول الإمام الصادق عليه السلام: كان علي بن الحسين عليه السلام في أيام صيامه يطبخ الطعام بنفسه، فإذا جاء وقت الإفطار أرسله إلى بيوت المحتاجين، وكثيراً ما لم يبقَ له شيء، فيفطر على الخبز والتمر.

لم يكن تعامل الإمام مع الفقراء تعامل متفضّل متعالٍ على ضعيف محتاج، بل كان حريصاً على حفظ كرامتهم، فلا يشعرون بالمهانة أو الذل. لذلك كان يبادر إلى مساعدتهم قبل أن يطلبوا، وكان يقول: «طوبى لمن يحمل زادي إلى آخرتي، ويعينني على ذلك».

عبادات الإمام السجّاد عليه السلام بلسان الإمام الصادق عليه السلام

كان الإمام الصادق عليه السلام، وهو يصف عبادة أمير المؤمنين علي عليه السلام، يقول: «لم يستطع أحد في الأمة الإسلامية أن يبلغ في العبادة مبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله، إلا علي بن أبي طالب عليه السلام؛ فقد كان يعبد الله وكأنه يرى الجنة والنار رأي العين». ثم قال: «ومن بين أهل بيت أمير المؤمنين، كان أشبه الناس به زين العابدين عليه السلام؛ إذ بلغ في العبادة مقاماً رفيعاً، حتى إن ابنه الإمام الباقر عليه السلام نظر إليه متأملاً، فرأى آثار العبادة بادية على وجهه، فبكى تأثراً».

فلما أدرك الإمام السجّاد عليه السلام سبب بكاء ابنه، قال له: «هاتِ تلك الصحيفة التي دُوّنت فيها عبادات علي عليه السلام».

فأعطاها الإمام الباقر لوالده، فأخذ الإمام السجاد يقرأ فيها، ثم توقّف بعد برهة، وتنهد تنهدًا عميقًا وقال: «ومن ذا الذي يقدر أن يعبد الله عبادة أمير المؤمنين عليه السلام؟».

وقد رُوي عنه عليه السلام أنه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة. فقيل له: إنك أكثر عبادة من جدك أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: «تأملتُ عمل علي عليه السلام في يوم واحد، فوجدت أنني لا أستطيع أن أساوي بعمل سنة واحدة عمله في يوم واحد». ولا يُستبعد أن يكون مقصوده ليس كثرة العبادة من حيث العدد، بل عمقها وقيمتها المعنوية، كما تدل على ذلك روايات أخرى، ولا سيما ما ورد في فضل ضربة علي عليه السلام يوم الخندق التي فاقت عبادة الجن والإنس.

صلاة الإمام السجّاد عليه السلام

كان الإمام زين العابدين عليه السلام إذا توضأ واستعد للصلاة تغيّر لون وجهه، فإذا سُئل عن ذلك قال: «أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟ وإلى أي مقام عظيم أُقبل؟».

وكثيراً ما كان يُرى وقد توضأ وجلس ينتظر دخول وقت الصلاة، وقد بدت على ملامحه آثار الخشوع والهيبة وشدة الإحساس بالعبودية بين يدي الله تعالى.

ويروي طاووس بن كيسان اليماني، وهو من كبار التابعين وأصحاب الإمام، فيقول: «رأيت الإمام في حجر إسماعيل مشغولاً بالعبادة والمناجاة. فإذا قام للصلاة تغيّر لون وجهه؛ تارة يصفرّ وتارة يحمرّ، وكانت رهبة الله ظاهرة في جوارحه، وكان يصلّي كأنها آخر صلاة يؤديها. فإذا سجد، طال سجوده، وإذا رفع رأسه سال العرق من جسده. وكان لا يفارق تربة سيد الشهداء عليه السلام، ولا يسجد إلا عليها».

سجدات سيّد الساجدين

كثرة سجدات الإمام علي بن الحسين عليه السلام وطولها أكسبته لقب «سيّد الساجدين»، حتى غلظ جلد جبهته من كثرة السجود. ويقول الإمام الباقر عليه السلام: «ما ذكر أبي نعمة من نعم الله إلا سجد شكراً له».

وكان إذا تلا القرآن ومرّ بآيات السجدة سجد، وكذلك عند الخوف من وقوع بلاء، وبعد الفراغ من الصلوات المفروضة، أو إذا وُفّق للإصلاح بين مؤمنين، كان يضع جبهته على الأرض شكراً لله تعالى.

ويروي أحد خدمه قائلاً: «خرج مولاي يوماً إلى الصحراء وكنت معه، فتنحّى جانباً وأقبل على العبادة. وكان إذا سجد وضع جبهته على الحصى، وهو يبكي ويتضرع إلى الله. فأنصتُّ لأسمع دعاءه، فعدَدتُ في سجوده ألف مرة وهو يقول: (لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله تعبداً ورقّاً، لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً). فلما رفع رأسه من السجود، كان وجهه ولحيته مبللين بدموعه».

التجلّيات الروحية للإمام السجّاد عليه السلام في مناسك الحج

سجّل المؤرّخون للإمام زين العابدين عليه السلام عشرين رحلة حج، وكانت كلها رحلاتٍ قطع فيها المسافة بين مكّة والمدينة ماشياً على قدميه. ومع أنّ الإمام كان يصطحب راحلة في تلك الأسفار، إلا أنّه كان عازماً على أن يقطع طريق بيت الله الحرام بقدميه، وأن يبذل من جسده في درب المحبوب، متحمّلاً المشقّة شوقاً وقرباً.

وكان عرفان الإمام السجّاد عليه السلام بالله، وعشقه العميق لربّه، مشعّاً على جميع عباداته، حتى أضفى على حياته كلّها طابعاً إلهياً ونوراً روحياً خاصّاً.

وحين كان عليه السلام يرتدي لباس الإحرام، كانت هيبة الله وعظمته تستوليان على قلبه، فيتغيّر لون وجهه من شدّة الخشوع واستحضار الجلال الإلهي، ويدخل في حالة من الانجذاب الروحي العميق، حتى يعجز أحياناً عن التلفّظ بكلمة «لبّيك». وكان رفاقه، وقد هزّهم هذا المشهد المؤثّر، يسألونه متعجّبين: «لِمَ لا تقول لبّيك؟» فيجيبهم الإمام بكلّ خشية وصدق: «أخشى أن أقول: لبّيك، فيأتيني الجواب من الله: لا لبّيك».


الهوامش والمصادر:

  1. الإمام السجّاد عليه السلام، جمال النيّاشين، ص 2.
  2. المناقب، ج 4، ص 158. وانظر: الإمام السجّاد، جمال النيّاشين.
  3. مشكات الأنوار، ص 205.
  4. الكافي، في هامش مرآة العقول، ج 2، ص 130، باب التواضع.
  5. الإرشاد، ج 2، ص 146.
  6. بحار الأنوار، ج 46، ص 88.
  7. خصال الصدوق، ص 517.
  8. كشف الغمّة، ج 2، ص 303.
  9. علل الشرائع، ص 231.
  10. علل الشرائع، ص 231.
  11. تذكرة الخواص، ص 184.
  12. إعلام الورى، ص 255.
  13. الإمام السجّاد، جمال النيّاشين، ص 62.
  14. الإرشاد، ج 2، ص 163.
  15. سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 393–394.
  16. إعلام الورى، ص 256.
  17. إحقاق الحق، ج 12، ص 26.
  18. الإرشاد، ج 2، ص 146.
  19. تهذيب التهذيب، ج 7، ص 305.

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل