السؤال: هل يمكن أن يكون الفقر ذريعة لترك التّديّن؟

في الجواب عن هذا السؤال، هناك عدّة نقاط جديرة بالاهتمام.

أوّلًا: لا توجد لدينا رواية مباشرة تنصّ على أنّ «الفقر يُذهب الدين». نعم، توجد روايات تبيّن وجود علاقة بين الفقر والتديّن، لكنّ تحديد المقصود من الفقر في هذه الروايات هو بحدّ ذاته محلّ نقاش وبحث.

ولو افترضنا أنّ المقصود من تلك الروايات هو الفقر الاقتصادي والمادّي، فالنقطة المهمّة هنا أنّ الفقر والحاجة المادّيّة لا يُعدّان ترخيصًا للإنسان كي يترك التديّن، أو يعصي الأوامر الإلهيّة، أو يمتنع عن أداء واجباته الدينيّة والشرعيّة.

وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن تتحوّل المشكلات الاقتصاديّة والفقر إلى ذريعة لترك الواجبات الدينيّة، بل يجب على الإنسان، مع السعي والجهد، أن يعمل في آنٍ واحد على معالجة مشكلاته الاقتصاديّة، وعلى الالتزام بتعاليم الدين والقيام بواجباته الإلهيّة.

إنّ أحد وجوه الابتلاء والامتحان من قبل الله تعالى هو الفقر والحاجة الاقتصاديّة. ففي الآية الكريمة المعروفة التي تتحدّث عن المصائب التي تصيب الإنسان، يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. في هذه الآية الشريفة، يبيّن الله تعالى بوضوح أنّ النقص الاقتصادي والمالي نفسه أحد أدوات الاختبار. فالابتلاء قد يكون بالخوف، أو بالجوع، أو بالنقص في الأموال، أو بالأضرار التي تصيب النفس والأنفس، أو بالثمرات.

وعليه، فإنّ الفقر أحد ميادين الامتحان الإلهي، ولا يستطيع الإنسان أن يتنصّل من هذا الامتحان. فالفقر ليس مبرّرًا لعدم الالتزام بالأوامر الإلهيّة أو لمخالفتها، بل هو مجال للاختبار، وعلى الإنسان أن يجتازه بالصبر والعمل.

أمّا المقصود من الروايات التي تتحدّث عن علاقةٍ ما بين الفقر وضعف التديّن أو زواله، فالحقيقة أنّ هذه الروايات تحذير، لا ترخيص. أي أنّها لا تعطي الإنسان الإذن بأن يُنقِص من تديّنه أو يترك التزاماته الدينيّة. وهذا شبيه بما نقوله حين نحذّر من أنّ تعاطي المخدّرات يؤدّي إلى زيادة الجريمة؛ فهذا تحذير، لا يعني أنّ من تعاطى المخدّرات صار مرخّصًا له بارتكاب الجرائم.

ويمكن القول إنّ هذا التحذير يتوجّه إلى ثلاث فئات على الأقل.

الفئة الأولى هي الفرد نفسه. فعلى الإنسان أن يُدير حياته بطريقة لا تؤدّي به إلى الفقر، لأنّ الفقر قد يهيّئ الأرضيّة لضعف التزامه الديني. وقد ورد في بعض الروايات التأكيد على «تقدير المعيشة»، أي حسن تدبير شؤون الحياة. فلا ينبغي للإنسان أن يُفرِط في بعض الجوانب، فيقع بسبب ذلك في الفقر والحاجة في جوانب أخرى. إذًا، هذا تحذير للفرد كي يُدبّر حياته بحكمة، لئلّا يؤدّي الفقر إلى ضعف تديّنه.

الفئة الثانية هي المجتمع الإيماني وسائر المؤمنين. إنّ الفقر والحاجة قد يمنعان الإنسان من أداء بعض واجباته. لذلك، فإنّ الروايات تحذّر المؤمنين من الإهمال واللامبالاة تجاه الفقراء، وتدعوهم إلى إعانتهم كي يتمكّنوا من أداء واجباتهم الدينيّة. فإذا كان المؤمنون حريصين على تطبيق الأوامر الإلهيّة في المجتمع، وعلى سير الناس في طريق التديّن، فعليهم أن يهتمّوا أيضًا بأحوال الفقراء.

أمّا الفئة الثالثة فهي الذين يتولّون شؤون الحكم والمسؤوليّة. فبما أنّ الفقر قد يهيّئ أرضيّة لضعف التديّن، فإنّ القائمين على إدارة المجتمع الإسلامي، وأصحاب القرار والسلطة، مكلّفون بالسعي إلى اجتثاث الفقر من المجتمع، لما لذلك من أثر في تعزيز تديّن الناس.

وخلاصة القول أنّ هذه الروايات لا تهدف إلى تبرير مخالفة الأوامر الإلهيّة عند الفقر، بل تؤكّد أنّ الفقر نفسه أحد ميادين الابتلاء الإلهي، وهي في الوقت ذاته تحمل تحذيرًا موجَّهًا إلى الفرد، وإلى المجتمع الإيماني، وإلى الحكّام وأصحاب السلطة، بغية الوقاية من الآثار السلبيّة للفقر على التديّن، لا الترخيص بتركه.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: إذا كان جميع البشر يمتلكون الفطرة التوحيدية، والأنبياء دائمًا يدعون الناس إلى توحيد الله، فلماذا انحرفت أمم كثيرة في التاريخ، مثل الفرس القدماء أو الهندوس، إلى الشرك وتعدد الآلهة؟ أليس هذا التصرّف متناقضًا مع ذلك الادعاء الديني؟
السؤال : القرآن الكريم يقول: {وَاللَّهُ يُعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، والتي تعني أنّه لا يستطيع أحدٌ من البشر التأثير على النبيّ (ص) بأيّ طريقة من الطُّرق، ثم يأتي الشيعة ويقولون: (النبيّ مات مسمومًا)، أين ذهبت العصمة إذًا؟
السٶال: دار نقاش بين بعض المؤمنين مفاده ان احد المؤمنين ذهب للعمره واستظل في النهار ويمتنع عن دفع الكفارة لقوله ان بعض الاحكام لا توافق العقل وكذلك في الامتناع عن شم العطور في الحج وفي نفس الوقت اذا صادف ان هناك روائح كريهة فلابد من عدم تغطية الانف..الخ وحسب قوله كل ما خالف عقلي لن أمتثل إليه كون الدين دين العقل، نحن بدورنا حاولنا اقناعه حسب علمنا فحبذا لو أعطيتمونا جوابا يرفع هذه الشبهات ويزيل هذا التعارض ان دين الله لا يصاب بالعقول وفي نفس الوقت نقول ان الدين دين العقل ؟
معرفة الله عند الأطفال | ماذا يعني قولنا: «إنّ الله موجود منذ الأوّل»؟
السؤال: ما الحاجة التي كانت لدى الله سبحانه وتعالى لخلق الإنسان؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل