يشاع بين الناس أنّ ثمن الجنان ورضى الرحمن سهلٌ يسير، وأنّ الطريق إلى المقامات العالية مفروشٌ ببساطة من ورد، غير أنّ هذه الصورة – على شيوعها – تُخفي حقيقةً أعمق وأشدّ وطأة. فلو كان المطلوب الإلهي هيّناً كما يُتصوَّر، لما كان الإنسان موضع ابتلاء، ولا كانت النفس ميدانَ صراع، ولا استحقّ السموّ الأخلاقي كلّ هذا العناء. إنّ الحقيقة أنّ ما يريده الله منّا عسيرٌ على الطبع، ثقيلٌ على الأنا، لأنّه يطالبنا بما يخالف ميول النفس لا بما يوافقها.
إنّ محاربة النفس وشهواتها ليست معركةً عابرة، بل جهادٌ دائم، يُراد فيه للإنسان أن ينتصر على ذاته قبل أن ينتصر على غيره. فالله لا يريد منّا مجرّد طقوسٍ تؤدّى ولا تترك أي أثر في النفس، بل يريد إنساناً يُحسن حين يقدر على الإساءة، ويعفو حين يملك حقّ الانتقام، ويكظم غيظه حين تتأجّج فيه نار الغضب. يريدنا أن نحبّ لإخواننا ما نحبّ لأنفسنا، وأن نصل من قطعنا، وأن نُقابل الغشّ بالنصح، والهجر بالبرّ، والحرمان بالبذل، والقطيعة بالوصل، والغيبة بحسن الذكر. يريدنا أن نشكر الحسنة وإن صغرت، وأن نُغضي عن السيئة وإن آلمت، وأن نُهذّب قلوبنا قبل أن نُزيّن أقوالنا.
هذه المضامين كلّها تتجلّى بأوضح صورها في دعاء مكارم الأخلاق المروي عن إمامنا زين العابدين عليه السلام، ذلك النصّ الذي لا يُعدّ دعاءً فحسب، بل ميثاقاً أخلاقياً وفلسفةً تربويةً شاملة. ففيه يطلب الإمام أن يُبلغه الله أعلى درجات الإيمان، وأكمل مراتب اليقين، وأفضل النيّات، وأزكى الأعمال، وكأنّ الكمال الأخلاقي ليس محطةً بل مساراً لا ينتهي. كما يطلب تهذيب الباطن قبل الظاهر، فيسأل الله أن لا يرفعه في الناس درجةً إلا حطّه عند نفسه مثلها، ولا يُحدث له عزّاً ظاهراً إلا أحدث له ذلّاً باطناً بقدره، لئلا تتحوّل الفضيلة إلى كِبر، ولا العبادة إلى غرور.
وفي هذا الدعاء، يرسم الإمام صورة الإنسان الذي يريده الله: إنسانٌ يُقابل الإساءة بالإحسان، والعداوة بالمودّة، والجهل بالحِلم، والقطيعة بالصلة. إنسانٌ يُنصف من نفسه قبل أن يطلب الإنصاف من غيره، ويبدأ بإصلاح داخله قبل أن يُدين فساد الخارج. إنّها أخلاق لا تُنال بسهولة، ولا تُحفظ بلا مجاهدة، لكنها الطريق الحقيقي – وإن كان شاقّاً – إلى رضوان الله.
وهكذا يتّضح أنّ الطريق إلى الجنّة ليس سهلاً لأنّ الغاية رفيعة، وأنّ الله لم يُرِد من الإنسان أن يكون صالحاً في أعين الناس، بل مستقيماً في ميزان الحقّ. ومن هنا، يصبح دعاء مكارم الأخلاق ليس مجرّد كلماتٍ تُتلى، بل خريطةَ خلاصٍ للروح، ودعوةً صريحة إلى أن نكون كما يريدنا الله، لا كما تحبّنا أهواؤنا.
وفي الختام؛ لا يبقى لنا إلا أن نرفع أكفّ الضراعة إلى الله، أن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى، وأن يعيننا على مجاهدة نفوسنا، وكظم غيظنا، وحسن أخلاقنا، وأن يجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه. وأن يرزقنا صدق النيّة، وصفاء القلب، وقوّة الإرادة للسير في طريقك وإن شقّ، وبلّغنا بمكارم الأخلاق مراتب القرب منك، إنّك وليّ التوفيق والهداية.
والحمد لله ربِّ العالمين