للإجابة عن هذا السؤال، تذكر الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) مجموعة واسعة من النصوص التي تتناول علّة الغيبة وحكمتها وفلسفتها. وقد صنّف العلماء هذه الروايات في محاور متعدّدة.
ويذكر الشيخ الطوسي أنّه جمع هذه الروايات وخلص إلى أنّ أهمّ سبب لغيبة الإمام هو حفظ حياته من القتل.
ومن هنا يُطرح سؤال آخر: ما فائدة إمام لا يكون حاضرًا أمام الناس؟
هل الغيبة تعني انعدام الفائدة؟
تناول العلماء هذا السؤال ضمن بحث عُرف بعنوان «فوائد الإمام الغائب»، وذكروا للغيبة فوائد متعدّدة، أوصلها بعضهم إلى ثلاث عشرة فائدة.
والفكرة الأساس هنا أنّ عدم الرؤية لا يعني عدم التأثير. فنحن مثلًا لا نرى قوّة الجاذبية بأعيننا، لكننا نؤمن بوجودها وندرك أنّ الحياة على الأرض لا تستقيم من دونها.
وبالمثل، نحن لا نرى الله تعالى، وهو غيب الغيوب، فهل يعني ذلك أنّ الإيمان به بلا أثر في حياة الإنسان؟
لماذا لا يظهر الإمام الآن؟
يبقى السؤال الأهم: لماذا لا يظهر الإمام المهدي (عج) في هذا الزمن، رغم ما يعيشه العالم من ظلم وحاجة ماسّة إلى العدل؟
الجواب: أنّ الله تعالى منح البشرية، قبل الإمام المهدي (عج)، أئمّة عظامًا قادرين على قيادة المجتمع وإقامة العدل، مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، والإمام الحسن (ع)، والإمام الحسين (ع)، والإمام السجّاد (ع)، والإمام الباقر (ع)، والإمام الصادق (ع)، وصولًا إلى الإمام الحسن العسكري (ع).
لكنّ الناس لم يحسنوا التعامل مع هذه النعمة، فكانت النتيجة قتلًا، أو سجنًا، أو نفيًا، أو تهميشًا لهؤلاء الأئمّة.
حتى الإمام الحسين (ع)، الذي كان قادرًا على إدارة المجتمع ومواجهة الانحراف، لم يجد من الناس وفاءً وثباتًا، فكانت فاجعة كربلاء.
الإمام المهدي (عج) هو آخر حجج الله على الأرض، ولأنّ البشرية لم تكن مؤهّلة للاستفادة من حضوره، جعل الله وجوده في الغيبة، إلى أن يصل الناس إلى مستوى من النضج والوعي يجعلهم يدركون حاجتهم الحقيقية إليه.
الظهور يحتاج إلى استعداد الناس
إنّ ظهور الإمام المهدي (عج) لا يتمّ بالقهر أو الفرض، بل يحتاج إلى إرادة جماعية واستعداد حقيقي من الناس لقبول مشروعه.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ
أي إنّ التغيير الإلهي مرتبط بتغيير الإنسان لنفسه وسلوكه ووعيه.
واليوم، مع كلّ هذا الظلم العالمي، قد يتساءل البعض: هل يرضى الله أو حجّته بهذا الواقع؟
والجواب واضح: كلا، لكن المشكلة أنّ كثيرًا من الناس قبلوا بهذا الظلم، أو تأقلموا معه، أو ظنّوا أنّ الأنظمة والمذاهب البشرية قادرة على إنقاذهم.
فشل المذاهب البشرية شرط للظهور
يروي الإمام محمد الباقر (ع) أنّ دولة أهل البيت (ع) هي آخر دولة في التاريخ، لأنّ كلّ من يدّعي القدرة على إقامة العدل العالمي لا بدّ أن يُمنح الفرصة، حتى يرى الناس بأعينهم عجزه وفشله.
فما دام الناس يعلّقون آمالهم على مذاهب بشرية كالرأسمالية أو الليبرالية أو الشيوعية، ويتوهّمون أنّها قادرة على حلّ أزماتهم، فلن يتحقّق الظهور.
أمّا عندما تصل البشرية إلى طريق مسدود، وتدرك أنّ خلاصها الحقيقي لا يكون إلا عبر المشروع الإلهي، وعندما تطلب التغيير بصدق، عندها فقط يأذن الله بظهور وليّه.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل