في الحرب المركّبة والهجوم الثقافي الذي يشنّه العدو، تُعدّ الأسرة خطّ الدفاع الأوّل. وتمثّل التربية السياسية للمراهقين درعًا واقيًا في مواجهة الحرب الناعمة للعدو. فمن خلال التعليم، والحوار، ومعرفة العدو، وتحليل الأحداث، وتعزيز الهوية والأمل، يستطيع الآباء والمربّون صيانة الجيل الشاب من الانفعال والوقوع في شراك الإغواء، وبناء شبابٍ مسؤولين، واعين، وصامدين في تقرير مصير وطنهم.
وبحسب ما أفادت به وكالة أنباء حوزه، ففي عصرٍ تجاوزت فيه الحروب حدود الأرض والسلاح، وتوغّلت في عمق القناعات والأفكار لدى الجيل الناشئ، تبرز الأسرة بوصفها الحصن الأوّل في مواجهة الهجمة الثقافية، غير أنّ السؤال الجوهري يبقى: هل الآباء والمربّون مهيّأون ومسلّحون بالوعي الكافي لخوض هذه المعركة المعقّدة؟
ويقدّم برنامج «التربية السياسية للمراهق؛ سلاح في معركة الحرب الناعمة» خريطةً عملية، واضحة المعالم، قائمة على خطوات متدرّجة، يطرحها حجّة الإسلام محمد مهدي إلهيمنش، المختص في شؤون التربية وعلم النفس، وذلك ضمن جلسة تدريبية عبر الويب.
بسم الله الرحمن الرحيم؛
إنّ حقيقة المشهد هي أنّ العدو يعمل بلا انقطاع، ليلًا ونهارًا. وإذا لم يعمل أبناء التيار الثوري والجهادي والمتديّن بالوتيرة نفسها، ولم يزجّوا بكلّ طاقتهم في هذا الميدان، فلن يكون النصر حليفهم في هذه المواجهة.
في يوم عاشوراء كان النصر للإمام الحسين (عليه السلام)، لأنّ الذين ثبتوا معه بذلوا كلّ ما يملكون. وفي ثماني سنوات من الدفاع المقدّس تحقّق النصر أيضًا، لأنّ رجالًا نزلوا إلى الميدان بكلّ وجودهم. فالفرد الواحد لا يملك سوى صوت واحد، وبزهرة واحدة لا يأتي الربيع، إلّا تلك الزهرة الأصلية التي نرجو أن تُزهر فتعمّ بنورها كلّ الأرض.
والمقصود أنّكم، أيّها الآباء والأمّهات، قادرون على أداء دور بالغ الأهمية في إفشال مخطّطات العدو. وأهمّ ما يمكنكم القيام به هو التعلّم، وبذل الوقت. كم هو مؤلم أن ينزلق آلاف المراهقين إلى الفتن التي يبثّها العدو عبر وساوسه في الفضاء الافتراضي، فيُصابون بأضرار جسيمة.
الحلقة المفقودة في التربية السياسية: لماذا يغفل كثير من الآباء عن التربية السياسية؟
كنتُ أتحدّث يوم أمس مع بعض الأصدقاء الذين زاروا السجون والتقوا عددًا من هؤلاء المراهقين الموقوفين، فأخبروني أنّ أعمارهم تتراوح بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة. إنّ مراهقًا يُعتقل ولو مرّة واحدة في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، ويقضي عدّة ليالٍ في السجن، لا شكّ أنّ هذا الحدث يترك أثرًا عميقًا في مستقبله.
نعم، كان بالإمكان الوقاية. فلماذا لم نفعل؟ غدًا سنُسأل أمام الله، وأمام ضمائرنا.
فما الحلّ؟
أولًا: أن نتعلّم.
ثانيًا: أن نخصّص الوقت لأبنائنا.
ثالثًا: أن نوقظ الآباء والأمّهات اللامبالين والغافلين، وأن نُوصل إليهم هذا النداء، ونربطهم بهذه المنظومة، وبهذه العائلة التربوية، وبهذه البرامج التعليمية؛ لئلّا نجد طفلًا أو مراهقًا، بسبب جهل والديه، خلف قضبان السجن يومًا ما.
لتحليل وفهم أسباب انخداع بعض المراهقين ووقوعهم في مسارات الانحراف، لا بدّ من توضيح خصائص مرحلة المراهقة:
عشر خصائص رئيسية للمراهق:
ارتفاع مستوى الانفعال والاستعداد للمخاطرة.
التأثّر الشديد بالأجواء المحيطة وسرعة الانجراف معها.
رغبة قوية في لفت الانتباه والظهور بمظهر البطل.
كثرة الاعتراض وطرح الأسئلة.
ضعف العقلانية وعدم اكتمال نضجها.
المثالية العالية والنزعة إلى التطلّع نحو القمم والطموحات الكبرى.
الإحساس السريع بالانسداد واليأس.
ميل شديد إلى الانتماء إلى جماعة أو فريق أو تنظيم.
روح واضحة في مناهضة الظلم.
طاقة كبيرة ومتدفّقة.
التأكيد على إدارة طاقة المراهق:
إنّ هذه الطاقة الهائلة في مرحلة المراهقة، إذا لم تُدار وتُوجَّه ويُحسن استثمارها، فإنّها تشبه ماءً متراكمًا خلف سدّ. فإذا عجزنا عن ضبطه والاستفادة من طاقته، تحوّل إلى سيلٍ جارِف ومدمّر، يُلحق الضرر بالمراهق نفسه وبمن حوله.
المشكلة الأساسية والحلقة المفقودة:
نحن نعاني من خللٍ جوهري في منظومتنا التربوية. فما هو هذا الخلل؟
إنّه يشبه حال الآباء والأمّهات، والمعلّمين والمربّين – حتى أولئك الذين يحملون همّ التربية – إذ يركّزون على الدين، والتحصيل الدراسي، والأخلاق، لكنّهم يغفلون عن بُعدٍ أساسي من أبعاد التربية، وهو التربية السياسية.
فهمّ كثير من الأمهات ينحصر في أن يكون أبناؤهن متفوّقين دراسيًا. وهمّ المعلّم أن يكون الطلاب مهذّبين وحَسَني الأخلاق. وتهتمّ المدارس الدينية بأن يكون التلاميذ مجتهدين في دراستهم ومحافظين على الحجاب.
لكن يبقى السؤال الجوهري: إلى أيّ مدى يُبدي هؤلاء اهتمامًا بأن يكون المراهقون والشباب:
غير واقعين في شراك مخطّطات العدو؟
قادرين على التمييز الصحيح بين الصديق والعدو؟
مؤهّلين للإسهام في حلّ مشكلات البلاد؟
واعين بتصميمات العدو ومؤامراته، فلا يقعوا في فخاخها؟
للأسف، غالبًا ما يُغفل هذا الجانب، وهو بالضبط الحلقة الم
تصوّر خاطئ شائع:
من أكثر التصوّرات الخاطئة شيوعًا حول «السياسة» أن كثيرين يظنّونها أمرًا منفصلًا عن حياتهم اليومية. يقول أحدهم:
«هذه الصراعات الحزبية على وسائل التواصل الاجتماعي وما شابهها لا تعنيني. نحن نعيش حياتنا؛ نشارك في الاعتكاف، نصوم، ونقيم احتفالات مواليد شهر شعبان».
لكن، يا أخي ويا أختي، هل يمكن حقًا أن تكون بعيدًا عن السياسة؟
شاء الإنسان أم أبى، فهو واقع في صلب معادلة سياسية. فالسّياسة هي اتخاذ القرار بشأن مصير المجتمع الذي نعيش فيه. واللامبالاة تجاهها تعني القبول بأن يقرّر الآخرون مصيرك نيابةً عنك.
ومن هنا، فإنّ التربية السياسية تعني توعية الجيل الشاب وتمكينه من فهم الواقع الاجتماعي بدقة، والتمييز بين الحق والباطل، وتحمل دوره المسؤول في تقرير مصيره ومصير وطنه. وهي ضرورة لا يمكن إنكارها للوقاية من شراك العدو وصناعة مستقبل مشرق.
دينُنا وحياتُنا غير منفصلين عن السياسة
السياسة تعني الحكم، وطريقة إدارة المجتمع.
السياسة تعني العلاقات بين البشر على المستوى العام.
السياسة تعني علاقة الدول ببعضها، والمخططات التي ترسمها كل دولة لتحقيق مصالحها.
السياسة تعني ذلك العدو الذي أقام قواعده العسكرية حول بلادنا، مترصّدًا ليل نهار فرصة للانقضاض علينا.
السياسة تعني تلك الفتنة التي وقعت قبل أيام قليلة.
عندما اندلعت تلك الفتنة، ألم يحدث ما يلي؟ ألم يختلّ أمننا؟ ألم تتعطّل أعمالنا ومعاشنا؟ ألم يُسلب منّا بعض هدوئنا وطمأنينتنا؟ ألم تُصب عائلاتنا بالقلق والاضطراب؟
في مثل هذه الظروف، كيف يمكن للإنسان أن يقول: «لا أريد أن أكون سياسيًا»؟
هل تستطيع أن تُغمض عينيك، وتسدّ أذنيك، وتطفئ التلفاز، وتتجاهل الشارع، ولا تتابع الأخبار؟
هذا أمر غير ممكن.
السياسة هي نَفَس حياتنا الجماعية. واللامبالاة تجاهها تعني تسليم مصيرنا ومصير أسرنا للآخرين.
والتربية السياسية تعني تعليم الجيل الشاب البصيرة واليقظة، ليتمكّنوا من فهم هذا الواقع، والتعرّف إلى مخططات العدو، والدفاع عن قيمهم ومصالحهم في مواجهة التهديدات. إنها فريضة تربوية غائبة عن واقعنا اليوم.
إنّها أشبه بشجارٍ كبير يريد الطرف الآخر أن يجرّ الجميع إليه؛ فإذا لم تحضر لتحدّد موقفك، وإذا اكتفيت بدور المتفرّج، فإنهم عاجلًا أم آجلًا سيأتون إليك، وسيلحقون بك أشدّ الأذى.
فما هي التربية السياسية؟
أريد أن أشرحها لكم بلغة بسيطة، لا بلغة التعاريف الأكاديمية والكتب الجامعية، بل تعريفًا قريبًا من الفهم، يصل إلى كل أب وأم، مهما كان مستواهم العلمي.
التربية السياسية تعني أن تعرف:
وطنك،
نقاط قوّته،
عدوّك،
ومخططات هذا العدو.
نحن نعيش في بلد يقع ضمن جغرافيا بالغة الأهمية. هذه المنطقة، أي الشرق الأوسط، كانت عبر التاريخ ساحة صراع بين القوى الكبرى، بسبب النفط، والمعادن، والممرات المائية الحيوية، وطرق العبور الاستراتيجية. نحن جالسون فوق نعمة عظيمة، وفي الوقت نفسه فوق خط نار.
وعليه، فإنّ تربية أبنائنا سياسيًا تعني أن نعلّمهم:
أين نقع على خريطة العالم؟
ما الثروات والإمكانات التي تختزنها هذه الأرض، والتي تتطلع إليها أطماع الآخرين؟
من هم أعداء هذا الشعب وهذا النظام؟ وما الخطط التي يحيكونها لضربنا؟
كيف يمكننا الدفاع عن هذه الأرض، وهذا الاستقلال، وهذه القيم؟
هذه المعرفة هي سلاح المراهق والشاب في مواجهة الفتن والحرب الناعمة التي يشنّها العدو. فإذا لم يفهم هذه الجغرافيا، ولم يدرك طبيعة هذه اللعبة الكبرى، فهو كمن يسير في حقل ألغام مغمض العينين.
والتربية السياسية، في جوهرها، هي فتح عينيه على هذه الحقائق.
التربية السياسية تعني الفهم الدقيق لهذه الحقائق
التربية السياسية تعني أن نُدرك هذه الوقائع إدراكًا واعيًا، أي:
أولًا: أن نعرف جغرافيتنا وموقعنا بدقة.
نحن نعيش في واحدة من أهم مناطق العالم، منطقة كانت – ولا تزال – موضع أطماع وصراعات بسبب ثرواتها، وممرّاتها، ومكانتها الاستراتيجية. ولو كنّا في بقعة نائية من هذا العالم، لما التفت إلينا أحد. لكننا نقف في قلب العاصفة.
حالنا كحال من يسكن في أغلى أحياء المدينة؛ من الطبيعي أن تتجه أنظار اللصوص والغزاة إلى ممتلكاته. فإذا أغمض عينيه وصمت، فلن يتركوه وشأنه، بل سيعودون كل يوم بذريعة جديدة، يخططون للاستيلاء على بيته وحياته.
ونحن نرى أمثلة ذلك حولنا بوضوح:
لماذا يهاجم الكيان الصهيوني فلسطين وغزة؟
ولماذا تحترق سوريا منذ سنوات بنيران الحرب؟
ولماذا تحوّل العراق وأفغانستان إلى ساحات للفوضى وانعدام الأمن؟
والأهم من ذلك كلّه: لماذا تتعرّض إيران لأقسى الضغوط والعقوبات؟
الجواب كامن في هذا الموقع الاستراتيجي، وفي هذه الثروات والإمكانات.
ثانيًا: أن نعرف أهداف نظامنا وحكومتنا.
فالتربية السياسية تعني أن نعي لماذا قامت هذه الدولة منذ عام 1979، وعلى أيّ مبادئ وقيم وقفت. لماذا تصرّ على المقاومة؟ ما القيم التي تمثّلها؟ وأمام أيّ أعداء تقف؟
من لا يعرف هذه الأهداف، يشبه من يدخل ساحة المعركة وهو لا يعرف رايته ولا مهمته، ولا يدري لماذا يقاتل.
وللأسف، فإن بعض أصحاب النيّات الحسنة يقعون أحيانًا في هذا الخلل. قد يتساءلون: ما جدوى كل هذه التضحيات والضغوط؟
وهنا تأتي التربية السياسية لتجيب بوضوح:
إنها من أجل الحفاظ على الاستقلال، ومن أجل الدفاع عن الحق، ومن أجل رفض الخضوع لهيمنة الأجنبي،
ومن أجل بناء مجتمع قائم على قيمه الأصيلة.
وخلاصة القول:
التربية السياسية هي الوعي بالمكان الذي تقف فيه، وبالأعداء الذين يريدون سلبه منك، وبالمبادئ التي يجب أن تثبت دفاعًا عنها. وهذا الوعي هو أعظم درع يحمي أبناءنا من المراهقين والشباب في مواجهة عواصف الفتن والحرب الناعمة التي يشنّها العدو.
تصوّر سطحي يجب تصحيحه
من المؤسف أنّ بعض الناس يقعون في فهم سطحي وناقص، حين يظنّون أنّ الثورة الإسلامية قامت فقط من أجل النفط الرخيص أو من أجل رفاهٍ ماديّ أكبر.
من يتبنّى هذا التصوّر، لم يدرك حقيقة الثورة ولا جوهر أهدافها.
انظروا إلى شعارات الثورة الأساسية:
الله أكبر
لا إله إلا الله
الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإسلامية
ماذا تعني هذه الشعارات؟ هل معناها: «أن آكل أكثر، وأن تكون سيارتي أغلى، وبيتي أوسع»؟
كلا، على الإطلاق.
لقد قاتلنا من أجل الله. ووقفنا دفاعًا عن راية التوحيد. وسَعَينا إلى الاستقلال كي لا نكون تحت هيمنة أيّ قوة استعمارية.
وطمحنا إلى إقامة نظام يقوم على الإسلام والعدل.
نعم، كان الرفاه والتقدّم المادي جزءًا من الأهداف، لكنه لم يكن القمّة. القمّة الحقيقية كانت عبودية الله، والنموّ الروحي، وارتقاء الإنسان.
انظروا إلى الدول المتقدّمة في العالم، كالولايات المتحدة مثلًا: هل هي متقدّمة من حيث التكنولوجيا والثروة والرفاه المادي؟ نعم، بلا شك. لكن الإنسانية فيها مفقودة.
حفنة من الناهبين اجتمعوا، ينهبون بلدًا، وبأموال نهبه يصنعون السلاح، ثم يشنّون به العدوان على بلد آخر.
اليوم يهدّدون فنزويلا، غدًا سوريا، وبعد غدٍ يلوّحون بغرينلاند، وهم في توسّع دائم في الطمع والهيمنة والسيطرة.
فهل كنّا نريد أن نكون هكذا؟ هل كان طموح الثورة أن نتحوّل إلى قوّة استعمارية ناهبة؟ قطعًا لا.
لقد كنّا نسعى إلى الارتقاء الإنساني، والعدالة، والاستقلال، وعبودية الله. كنّا نريد أن نقدّم نموذجًا مختلفًا للحضارة البشرية؛ حضارة تكون فيها الثروة وسيلةً لخدمة الإنسان وسموّه، لا أداةً للهيمنة ونهب الآخرين.
فالرفاه لا تكون له قيمة حقيقية إلا إذا وُضع في مسار العدالة والمعنوية، لا أن يتحوّل هو نفسه إلى الغاية القصوى.
وهنا يتجلّى الفرق الجوهري بين الرؤية المادية الغربية والرؤية التوحيدية للثورة الإسلامية.
والتربية السياسية تعني نقل هذا العمق في الرؤية، وهذه القيم السامية، إلى الجيل الجديد؛ ليعرفوا لأيّ قيم يقفون، وماذا يريدون أن يحافظوا عليه.
ولتقريب الصورة، خذوا هذا المثال: نحن نُرسل أبناءنا إلى المدرسة ليتعلّموا، وينموا، ويكتسبوا العلم والأخلاق.
فلو انتهى العام الدراسي، ولم يكن همّ الطفل إلا التفاخر بالقرطاسية والألعاب والمأكولات، من دون علم ولا تربية، لاعترضنا عليه قائلين: «لم أُرسلك إلى المدرسة من أجل هذا! لقد نُسي الهدف الأساس».
والثورة والنظام الجمهوري الإسلامي على هذا القياس تمامًا. فالهدف الجوهري من قيامه كان بناء إنسانٍ ملتزم، مؤمن، مستقل، عادل. الهدف كان بلوغ قمّة العبودية والمعنوية إلى جانب التقدّم والعدالة. أما الاقتصاد، والرفاه، والاستقرار، فهي أدوات وثمار لهذا الطريق، لا الغاية النهائية له.
وحين ننسى الأهداف الكبرى، تصبح تقييماتنا أحادية ومختلّة. ننظر فقط إلى تقلبات سعر الدولار وغلاء المعيشة، ثم نصرخ غاضبين: «تبًّا لهذا النظام!»
لكن ينبغي أن نسأل بإنصاف: هل جاء هذا النظام فقط لضبط الأسعار؟ هل قمنا بالثورة من أجل حياة أكثر رفاهًا فحسب؟
لا شكّ أنّ المشكلات الاقتصادية مهمّة، ويجب بذل أقصى الجهود لمعالجتها. وأنا مثلكم أتألّم من الغلاء وصعوبة المعيشة، وأحمل همّ حلّها. لكن القضية هنا أنّنا إن نسينا الهدف الأساس، فقد تزدهر الأرقام اقتصاديًا، بينما نخسر إنسانيتنا وقيمنا.
هناك دول كثيرة غنيّة، لكنها مجرّدة من الإنسانية. تملك الثروة، لكنها لا تكفّ عن نهب الآخرين وتوسيع دوائر الظلم.
فهل نريد أن نكون مثلها؟
هذا هو جوهر التربية السياسية: أن نُعلّم الجيل الشاب ما هو الهدف الحقيقي. وأن يعرفوا أنّنا قمنا من أجل الله، والاستقلال، والعدالة. وأن يكون الاقتصاد والرفاه في خدمة هذه الأهداف، لا أن يتحوّلا إلى الغاية الوحيدة للحياة.
فإذا كان معيارنا الوحيد في التقييم هو الأسعار والظروف المادية، كنّا كذاك التلميذ الذي يتباهى بأدواته المدرسية وينسى العلم والتربية.
كلا الأمرين مهم، لكن الأولوية لنموّ الإنسان وتحقيق أهداف الثورة.
الهدف الحقيقي: أن نصبح إنسانًا.
كلّ هذه الأمور: الرفاه، رخص الأسعار، السيارة، المسكن، الزواج الميسّر—إنما هي مقدّمات للنموّ الروحي، والأخلاقي، والإنساني. ولا ينبغي أن تتحوّل إلى الغاية النهائية. لكن المؤسف أنّنا أحيانًا ننشغل بالمقدّمات إلى حدّ ننسى فيه المقصد الأساس.
قضية محورية: التعارض بين المصالح المادية والقيم الإسلامية
نسمع أحيانًا من يصرخ: «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران! لماذا تُصرف أموالنا في غزة ولبنان؟»
لكن لا بدّ أن نسأل: ألسنا مطالبين بأن نكون بشرًا ومسلمين؟ هل الإسلام يعني الدفاع عن المظلوم أم اللامبالاة تجاهه؟ هل قال الإسلام: إذا كان الدفاع عن المظلوم مكلفًا، فدعْه واحتفظ بكل شيء لنفسك؟ هل أباح لنا الدين أن نغرق في رفاهنا، ونُدير ظهورنا لصرخات المظلومين؟
لا أحد يخرج من دائرة مسؤوليتنا الأخلاقية والدينية بسبب البُعد الجغرافي. فالإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافية حين يتعلّق الأمر بنصرة الحق والدفاع عن المظلوم.
تعريف التربية السياسية: تحمّل المسؤولية بدل التذمّر
للتربية السياسية ركنان أساسيان:
أولًا: تشخيص مشكلات البلد والاعتراف بها، بدل إنكارها أو التغاضي عنها.
ثانيًا: تحديد دور الفرد ومسؤوليته في معالجة هذه المشكلات، بدل التهرّب من الواجب والاكتفاء بالشكوى والتذمّر.
إن مشكلات الأوطان لا تُحلّ إلا حين تتكامل الجهود. فإذا جلس 80 إلى 90 بالمئة من الناس يشتكون ويتذمّرون، وألقوا عبء المسؤولية كلّه على عاتق 10 إلى 20 بالمئة فقط، فلن تُحلّ مشكلة واحدة أبدًا.
فالتربية السياسية تعني الانتقال من موقع «المتفرّج الساخط» إلى موقع «الفاعل المسؤول» في تقرير مصير الوطن.
مسؤولية مشتركة بين الشعب والحكومة
كثير من أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية نابعة من سلوكياتنا نحن قبل أن تكون نتيجة قرارات السلطة. وقد أكّد القائد مرارًا على جملة من الأمور، لكن السؤال: هل استجبنا؟ دعا إلى استخدام المنتج الوطني، فهل التزمنا؟ حذّر من الإسراف والبذخ، فهل امتثلنا؟ أوصى بالرحمة والتسامح بين أبناء الوطن، فهل نمارسهما؟
للأسف، كثيرًا ما نفعل العكس. فعند الشعور بنقصٍ أو أزمة، بدل مراعاة حقوق الآخرين، نندفع إلى التخزين المفرط: نحتاج دجاجتين في الشهر، فنشتري عشرًا. نحتاج كيسًا واحدًا من الأرز، فنخزّن عشرين. ثم نواجه الغلاء، ونصرخ: «لماذا ارتفعت الأسعار؟!» غافلين عن أن هذا الغلاء هو ثمرة سلوكنا نحن.
فالاقتصاد لا يُصلحه القرار الحكومي وحده، بل يحتاج إلى تعاون الشعب والحكومة معًا. ودولٌ كالصين لم تبلغ التقدّم إلا عبر التكاتف المجتمعي، وتحمل الصعوبات، وترشيد الاستهلاك، واعتماد نمط حياة بسيط. استخدموا المنتج المحلي، سكنوا بيوتًا صغيرة، وأداروا استهلاك الطاقة بوعي.
لا يمكن أن نمارس الإسراف بلا حدود، ثم ننتظر من الدولة أن توفّر لنا كل شيء رخيصًا ومن دون أزمات.
حتى مشكلة تلوّث الهواء، ليست مسؤولية الحكومة وحدها؛ فحين نملك خيار استخدام النقل العام، لكننا نُصرّ على التنقّل الفردي بالسيارات الخاصة، نكون شركاء في صناعة هذه الأزمة.
فرصة اليوم: بداية التربية السياسية
إن اللحظة الراهنة هي أفضل فرصة للانطلاق نحو تربية سياسية واعية. ينبغي أن ننظر إلى الأحداث الأخيرة بعين الفرصة لا بعين الفاجعة، وأن نحسن توظيفها لصالحنا.
فالتربية السياسية تعني: تحمّل المسؤولية الفردية تجاه مشكلات الوطن، وتعديل نمط الحياة بما ينسجم مع مبادئ الثورة، والتعاون مع الدولة بدل انتظار الحلول من طرف واحد. وإن لم نتكاتف جميعًا، فلا ينبغي أن ننتظر معجزة. فبداية التغيير تنطلق من ذواتنا.
الأزمات… بوابة الفرص
للشهيد القائد الحاج قاسم سليماني، رضوان الله عليه، مقولة خالدة: «مقدار الفرصة الكامنة في الأزمات، ليس موجودًا في الظروف العادية.» أي إن لكل أزمة وجهين: وجهًا مظلمًا هو الأزمة نفسها، ووجهًا آخر هو الفرصة الكامنة فيها.
الحرب المفروضة لثماني سنوات كانت أزمة كبرى، لكنها تحوّلت إلى فرصة مكّنتنا من امتلاك قوة عسكرية وصاروخية مستقلة. والحرب في سوريا ضد داعش كانت محنة قاسية، لكنها أفرزت جيلًا جديدًا من المقاتلين، وكشفت حقيقة العدو بوضوح أكبر. وكذلك الفتن المتكرّرة في السنوات الأخيرة: هي أزمات، لكنها فرص لمن أراد أن يتعلّم ويستفيد.
الشرط الأساس للاستفادة من الأزمات
الشرط هو: ألا نخاف، وألا نُخيف الآخرين. لكن المؤسف أنّ بعض الناس، عند كل أزمة، يصرخون: «هلكنا! انتهى كل شيء! سقط النظام!»
هؤلاء لا يستطيعون إدارة الأزمة، ولا يرون الفرص المخبّأة في طيّاتها، فيبقون أسرى الخوف والعجز.
النموذج العملي للتوكّل والسكينة في زمن الأزمات
من أعظم ما يعلّم المسلمين التوحيد العملي في ساحات الابتلاء، سكينةُ رسولِ الله ﷺ في غزوة بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، مشاةً، شبه عُزّل، في مواجهة أكثر من ألف مقاتل مدجّجين بالسلاح. ومع ذلك، لم يفقد النبي ﷺ هدوءَه ولا طمأنينته، لأن سندَه كان الله. فالتوحيد لا يُتعلَّم بالكلام، بل يُتعلَّم بالممارسة.
وكذلك قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، حين بلغوا شاطئ النيل، وكان جيش فرعون يقترب من خلفهم. في تلك اللحظة الحرجة، حين صرخ الجميع: «إنا لمدركون!»، صنع موسى من قلب الأزمة درسًا تربويًا خالدًا، وقال بثبات المؤمن الواثق: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. نعم، إن ربي معي، ولن يتركني، ففُتح الطريق، وانقلبت الأزمة إلى نصر.
فهل كانت هذه المعجزة حكرًا على الأنبياء؟ كلا. متى ما تآزر المؤمنون، وتوكّلوا على الله توكّلًا صادقًا، فتح الله في قلب الأزمات أبوابًا، وكشف دروبًا لم تكن في الحسبان.
الأزمات ليست نهاية الطريق؛ بل هي امتحانات إلهية وفرص خفيّة للنموّ والارتقاء. ومفتاح هذه الفرص هو: الإيمان، والوحدة، والتوكّل، والعمل الجهادي. فإذا استوعبنا هذا الدرس، فلن تستطيع أزمة أن تُخرج أمتنا عن مسارها.
من ذاكرة المقاومة: شهادة حية على سنن النصر
رحم الله الشهيد الحاج قاسم سليماني. كان يروي أنه خلال حرب لبنان ذات الثلاثة والثلاثين يومًا، حين كان الكيان الصهيوني يقصف حزب الله بكل ما أوتي من قوة، ووقعت فاجعة قانا حيث قُصفت الملاجئ وسُفكت دماء النساء والأطفال الأبرياء، بعث سماحة القائد الأعلى (دام ظله) برسالة خاصة إلى السيد حسن نصر الله، حمّلها للحاج قاسم نفسه. وبالرغم من الظروف الأمنية البالغة الخطورة، تمكّن الحاج قاسم من الوصول إلى السيد حسن، وأبلغه الرسالة:
«يقول لكم سماحة القائد: اصبروا. هذه الحرب شديدة عليكم، لكن النصر سيُكتب لكم فيها، كما كُتب في غزوة الأحزاب. وبعد هذا النصر، ستغدون قوة كبرى في المنطقة.»
وكان ما كان. خرج حزب الله من تلك الحرب منتصرًا، واتسع حضوره الإقليمي، وتعاظم موقعه، وأضحى السيد حسن نصر الله رمزًا للمقاومة في العالم العربي.
فتنة اليوم… أهي غزوة الأحزاب في عصرنا؟ ألم تكن الفتنة الأخيرة غزوة أحزاب زماننا؟ بلى، كانت كذلك.
أليست هذه الفتنة نفسها أرضية لمزيد من نضج الجمهورية الإسلامية وارتقائها؟ نعم، بلا ريب.
لقد حشد الأعداء كل قواهم: جمعوا مختلف الأحزاب والتيارات. أنزلوا إلى الشوارع آلافًا من مثيري الشغب المدرَّبين. اعتدوا بأبشع الأساليب على أرواح الناس وأموالهم. كثير من الدول تسقط أمام مثل هذا الهجوم، لكن أعداءنا اليوم يعترفون بعجزهم ويقولون: «ما هذه القوة التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية؟! لماذا لم نستطع إسقاطها مرة أخرى؟! ما هذه الشجاعة وهذا الوعي لدى هذا الشعب؟!»
فلنؤمن بهذه الحقيقة: لقد تحوّلنا إلى قوة مقاومة عظمى، والعالم اليوم يتحدّث عن اقتدارنا. كل أزمة هي فرصة لظهور الإرادة الإلهية، وانفجار طاقات هذه الأمة. وهذا هو طريق المقاومة… طريق النور والنصر.
بناء الهوية وعزّة النفس: حجر الأساس في التربية السياسية
الشقيّ حقًا هو الإنسان الذي لا يؤمن بذاته. فالأمة التي تعيش عقدة الهوان، لا تشكّوا في أن أسوأ المصائر تنتظرها. وإذا ترسّخ هذا الشعور في سنّ المراهقة، فإنه يدفع الشاب نحو الانحراف والإدمان.
لذلك، فإن التربية السياسية – قبل أي شيء – تعني غرس عزّة النفس والهوية الوطنية–الدينية في نفوس الجيل الجديد.
علينا أن نعلّمهم من نحن، ومن أيّ جذورٍ مشرقة انطلقنا، وفي أيّ موضع من التاريخ نقف اليوم.
تحويل الأزمة إلى فرصة: حين يقع الابن في الفتنة
إذا انجرف ابنك في فتنة كالأخيرة، أو انساق خلف المشاغبين، أو صار يردّد شعاراتهم داخل البيت، فهذه أزمة… نعم. لكن بين يديك يمكن أن تتحوّل إلى فرصة ذهبية.
والشرط هو: أن تُحسن اتخاذ الخطوات الصحيحة، وأن تستند إلى أصول التربية السياسية الواعية.
خمس خطوات عملية للتربية السياسية للأبناء
الخطوة الأولى: إعادة قراءة الهوية (من نحن؟)
احكوا لهم قصة وطننا، وأبطالَه الحقيقيين، والمبادئ التي قدّمنا من أجلها الشهداء، ومكانتنا اليوم في العالم. فذلك يزرع في نفوسهم الإحساس بالانتماء ويوقظ فيهم مشاعر العزّة والفخر.
الخطوة الثانية: معرفة العدو (من هو عدوّنا وماذا يريد؟)
من دون مبالغة، وبأسلوب عقلاني استدلالي، اشرحوا لهم مخططات العدو، وحربه الناعمة، وأساليبه في إثارة الفتن، وأهدافه الحقيقية. ثم اسألوه:
«برأيك، لماذا يسعون إلى إضلال شبابنا؟»
الخطوة الثالثة: تحليل الأحداث (لماذا وقع هذا؟)
تأمّلوا مع أبنائكم الأسباب الجذرية للأحداث، كأحداث الفتنة الأخيرة. اطلبوا منهم أن يقدّموا تحليلهم بأنفسهم. فهذا يعزّز لديهم ملكة التفكير، وينمّي البصيرة والوعي.
الخطوة الرابعة: تحديد الدور (ما مسؤوليتي؟)
علّموه أن الوقوف موقف المتفرّج تقصيرٌ وإثم. اسألوه:
«بعد أن عرفت ما يفعله العدو، ما الذي تراه واجبًا عليك، كشاب إيراني مسلم؟»
وشجّعوه على العمل الإيجابي، كالنشاط الثقافي، والقراءة الواعية، وخدمة الحيّ والمجتمع.
الخطوة الخامسة: التوكّل والأمل (أين الطريق الأخير؟)
علّموه أن الملاذ الحقيقي في المواقف العصيبة هو الله تعالى. راجعوا معه نماذج من الصمود، كحرب الثلاثة والثلاثين يومًا أو الدفاع المقدّس، وكيف حوّل التوكّل والوحدةُ الأزماتِ إلى انتصارات. اغرسوا في قلبه الأمل بالمستقبل، والإيمان بانتصار الحق في نهاية المطاف.
التربية السياسية مسار واعٍ ومتواصل، ينقل الابن من حالة السلبية أو الاضطراب، إلى إنسان واعٍ، مسؤول، فاعل ومقاوم. وهذه الخطوات الخمس هي مناركم في هذا الطريق.
نعم، النصر مرهون بـ«التربية السياسية الأصيلة»، وإذا أردتم في هذه الأزمة، وفي كل امتحان قادم، أن تكونوا منتصرين، بل صانعي مستقبلٍ مشرق، فلا مناص من الاهتمام بتربية سياسية عميقة، واقعية، قائمة على الوعي والمعرفة. وجوهر هذه التربية هو الحوار الصادق الموثّق مع الجيل الشاب حول التاريخ.
فالجيل اليوم: لا يعرف حقبة البهلوي، ولم يدرك حقيقة الثورة الدستورية، وثورةالثامن والعشرين من مرداد غامضة لديه. لا يتذكّر عام 1963 ولا الانتفاضة الدموية في الخامس عشر من خرداد. لم يشهد جهاز السافاك وسجون التعذيب. لم يعش أيام الثورة المشتعلة بالتضحية والفداء. ولم يستوعب آلام وملحمة ثماني سنوات من الدفاع المقدّس.
الحلقة المفقودة في التربية السياسية: لماذا يغفل كثير من الآباء عنها؟
ما واجبنا إذن؟ أن نجلس معهم ونتحاور. لا نلقي الخطب، بل نفتح الحوار.
أن نقرأ معهم كتب التاريخ من مصادر موثوقة ومعتمدة.
نروي الوقائع بوضوح، ولكن بعلمٍ وإنصاف، ونهيّئ لهم فضاءً حرًّا للسؤال والتحليل.
وما أثر ذلك؟ سترون، دون شعور، كيف تتغيّر نظرة أبنائكم وتتبدّل رؤيتهم. وحينها ستنهار أكاذيب العدو، الذي لا همّ له إلا طمس الحقائق واستبدالها بالزيف، أمام وعيٍ متين وبصيرة نافذة.
رسالتنا نحن، كآباء ومعلّمين ومربّين وعلماء دين: كشف الحقائق التي يريد العدو أن يبقى الجيل الجديد جاهلًا بها، وفضح الأكاذيب التي يسعى إلى تمريرها، وإظهار الحقيقة كما هي.
هذه هي سلاح البصيرة. فإذا وضعناه في أيدي شبابنا، فلن ننتصر في هذه الأزمة فحسب، بل سنكون الغالبين في كل ميادين المواجهة القادمة.
وهذه هي التربية السياسية الحقيقية:
لا شعارات، بل معرفة؛
لا إكراه، بل إفهام.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل