الفرق بين “التوّاب” و”الأوّاب” في القرآن الكريم

في النظر القرآني، “العودة” ليست مجرد تصرّف عرضي أو ردّة فعل على خطأ، بل هي علامة عميقة على اتجاه القلب؛ على نحو أن قلب الإنسان بعد انشغاله في الدنيا وتجربته فيها، يعود إلى أين وإلى من؟

وفقًا لوكالة أنباء حوزه، تهدف هذه المقالة إلى بيان الفرق بين كلمتين قرآنيتين متقاربتين لكن مختلفتين: “التوّاب” و”الأوّاب”.

في القرآن الكريم، العودة ليست مجرد وصية أخلاقية سطحية، بل هي علامة واضحة على اتجاه القلب؛ أي إلى أين يتجه قلب الإنسان بعد الزلل أو الغفلة أو انشغاله بأمور الدنيا. ولبيان هذه الحقيقة، يستخدم القرآن كلمتين متقاربتين لكن لكل منهما دلالة خاصة: “التوّاب” و”الأوّاب”.

معنى كلمة “التوّاب”

كلمة التوّاب مأخوذة من الجذر “توبة”، وتعني العودة بعد الخطأ. عادةً ما يستخدم القرآن هذا اللفظ في سياق الزلل والخطأ والمعصية، كما في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ” (البقرة: 222).

التوّاب هو الذي ضل الطريق، لكنه لا يبقى في الضلال. يتوقف، يندم، يعترف بخطئه، ويعود إلى الله بوعي وقرار. في هذا المعنى، التوبة هي نوع من العلاج؛ علاج للجرح الذي أحدثه الخطأ في قلب الإنسان. التوّاب هو الإنسان الذي بعد سقوطه ينهض من جديد ويواصل الطريق.

معنى كلمة “الأوّاب”

أما الأوّاب فمعناها أرقّ وأعمق. فهي مأخوذة من الجذر “أوب”، وتعني العودة المتكررة والمتواصلة؛ عودة دائمة، وليست عرضية.

الأوّاب ليس فقط من يعود بعد ارتكاب خطأ، بل هو من قلبه دائمًا متجه إلى الله. ولهذا، لم يقل القرآن عن النبي داوود عليه السلام أنه كثير التوبة، بل قال: “نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (ص: 30)؛ ما أعظم هذا العبد، إنه دائم العودة إلى الله.

وكذلك وصف أهل الجنة: “هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ” (ق: 32)؛ هذا هو وعد الجنة لكل عبد أَوَّاب، مراقب لذاته.

في هذه الآية، جاء “الأوّاب” مقترنًا بـ”الحفيظ”، أي من القلب دائم الرجوع إلى الله، ومن الوعي يحفظ أمانة الله في ذاته.

لتوضيح معنى “الأوّاب”، يضرب المثل في الموروث الديني وبنحل العسل. فنحل العسل يُسمّى أوّابًا لأنه يدخل الحديقة ويجمع الرحيق من الأزهار، لكنه لا يبقى فيها. الألوان والروائح لا تلهيه عن مهمته، فيعود إلى خلية النحل ويقدّم ما جمعه. له الذهاب، لكنه لا يثبت في المكان.

الإنسان الأوّاب على هذا المنوال. يدخل الدنيا، يعمل، يجتهد، يستفيد من النعم، لكنه لا يستقر قلبه في الدنيا. فإذا أبعدته انشغالات الحياة قليلًا عن الله، يعود بسرعة. أما من غفل وتعلق بالدنيا ونسي الله، فليس أوّابًا.

وبهذا، الأوّاب ليس بالضرورة إنسانًا كثير الخطايا يحتاج للتوبة، بل هو من قلبه لا يهدأ إلا بالرجوع المستمر إلى الله، حتى بعد أقل لحظات الغفلة. رجوعه نوع من الحب، وليس مجرد ندم.

خلاصة الفرق:

التوّاب: من يخطئ، يندم، ثم يعود.

الأوّاب: من قلبه دائم الرجوع إلى الله (إذا انشغل بالمباحات)، لا ينتظر الزلل ليعود، بل عادته الاتصال المستمر بالله.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: السلام عليكم.. أريد علاجًا لقسوة قلبي، أصبح كالجلمود لا يشعر بالمعاصي والذّنوب، فأنا لا أبكي على مصائب أهل البيت ولا أبكي خشيةً من الله، أخشى أن أهلك بعد قسوة القلب هذه.. أريد حلّا..
السؤال: ما الحاجة التي كانت لدى الله سبحانه وتعالى لخلق الإنسان؟
التوفيق بين آية اكمال الدين وقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حول سن السنن
السؤال: في بعض الروايات أنّ الإمام الحجّة عليه السلام عند ظهوره «يقوم بدين جديد». فكيف يُتصوَّر أن يأتي بدين غير دين النبيّ صلّى الله عليه وآله؟
السؤال: لماذا تستمر غيبة الإمام المهدي (عج) مع حاجة المجتمع إليه؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل