لماذا لا يقبل غالبية الناس في العالم الإسلام؟

غالبية الناس ليست معيارًا للحق. قال الله تعالى في القرآن: «أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ». إن عدم قبول الإسلام من قبل معظم الناس يعود إلى عوامل مثل قلة المعرفة، التعصب، التقليد الأعمى، اتباع الهوى، وعدم استخدام العقل النظري والعملي بالشكل الصحيح، وليس لأن الإسلام بلا سبب أو خطأ.

حسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، تشير آيات القرآن إلى أن معظم الناس محرومون من معرفة الحق: «وما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين». إن معارضة الأغلبية لمعتقد ما لا تعتبر دليلًا على بطلانه؛ لأن قبول الحق يحتاج إلى نقاء الفطرة، والتعقل، والتحرر من التقليد الأعمى. كثيرون يبتعدون عن الحق بسبب تعلقهم بالتقاليد أو أهوائهم النفسية. في هذا النص سنجيب على شبهه حول هذه القضية:

الشبهة:
إذا كان الإسلام حقًا ومتوافقًا مع العقل، وجميع مبادئه وتعاليمه فطرية وفي صالح الإنسان، فلماذا لا يقبله غالبية الناس في العالم، لا سيما العلماء والمفكرين الكبار؟

الجواب:
غالبية الناس غير مطلعين على دين الإسلام، وكثير منهم لا يستخدمون عقلهم بشكل صحيح. بعضهم، حتى إذا ثبت لهم بعقلهم النظري حقانية الإسلام أو أي حقيقة أخرى، لا يتبعون العقل العملي ولا يؤمنون بالحق. البعض الآخر بسبب التعصب لدينهم ومذهبهم لا يستطيعون التخلي عنه واستبداله بالإسلام. وهناك كثيرون يبتعدون عن الدين بسبب اتباع أهوائهم النفسية.

مقدمة:
جميع الأنبياء الإلهيين بُعِثوا لهداية البشر وإصلاح المجتمع، وتحملوا في ذلك جهودًا شاقة وطويلة. جميعهم سعوا لجعل البشرية تسلك طريق الهداية والإنسانية. وفي هذا السياق، آخر دين أرسله الله هو الدين الذي نزل على النبي الخاتم ﷺ.

ومهمة الأنبياء الإلهيين هي إظهار الطريق إلى الحق والصلاح، وبيان التمييز بين الحق والباطل. كما قال الله تعالى:
«إِنَّا هَدَيناهُ السَّبيلَ أَمَا شَاكِرًا وَأَمَا كَفُورًا» – أي أَرشدنا الإنسان إلى الطريق، فإما أن يشكر ويقبل، أو يكفر ويرفض.

الأديان السماوية تختلف عن المذاهب البشرية التي وضعها البشر أنفسهم. فالأديان السماوية، لأنها ليست من صنع البشر وإنما هي دين الله، الذي هو الحق المطلق، يجب أن تكون صحيحة بحسب العقل.

في الرد على هذه الشبهة، لا يتم الحديث عن إثبات حقانية الدين الإسلامي، لأن هذا الأمر قد ثبت بالتفصيل في مكانه، وقد أُثبت عقلانية الإسلام وخلوه من أي تعليمات مناقضة للعقل أو خرافية. ما يهم هنا هو تناول الأسباب التي تجعل الناس لا يقبلون الحق، رغم أن التعاليم نفسها قابلة للإدراك العقلي.

لقد بيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة في عدة آيات، حيث أشار إلى أن غالبية الناس لا يستخدمون عقلهم، وبالتالي يجهلون الحقائق. وقد نسبت آيات كثيرة إلى أغلب الناس عدم التعقل، الجهل، عدم الإيمان، الفسق والمعصية.

فقال تعالى: «لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون»[2]، وقال أيضًا: «أَكْثَرُ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ»[3]، وكرر في مواضع عدة: «أَكْثَرُ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»[4]، وفي موضع آخر: «فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُون»[5].

كما استخدم القرآن الضمير بدلاً من كلمة “الناس” في عدة آيات:
«بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ»[6]،
«وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ»[7]،
«لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ»[8]،
«لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ»[9].

إذن، عدم قبول الدين من قبل غالبية الناس لا يعني بالضرورة أن هذا الدين غير حق أو غير عقلاني، كما أن قبول الأغلبية لا يُعد دليلًا على حقانية الدين أو عقلانيته.

لذلك، يجب دراسة الأسباب والعوامل التي تجعل غالبية الناس لا يميلون إلى الإسلام أو أي حقيقة أخرى ولا يؤمنون بها.

أحد العوامل المهمة هو قلة معرفة الناس بالإسلام وتعاليمه. هذا العامل واسع الانتشار، وغالبية سكان العالم لا يعرفون شيئًا عن الإسلام ليؤمنوا به.

عامل آخر هو عدم استخدام العقل السليم. قال الله تعالى: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»[10].

كلمة “عقل” في اللغة تعني “ربط” و”تثبيت”. ولهذا، ما يدركه الإنسان ويقبله في قلبه ويعلق عليه عقدًا داخليًا يسمى “عقلًا”. وكذلك، القوة التي يميز بها الإنسان بين الخير والشر، الحق والباطل، تسمى “عقلًا”.

مقابل هذا العقل، هناك الجنون، والحماقة، والغباء، والجهل، وكلها أشكال لنقص القوة العقلية. ويطلق عليها بحسب السياق: جنون، أو سفاهة، أو حماقة، أو جهل[11].

فالإنسان العاقل، إذا سيطرت عليه رغباته وغرائزه، أو ارتدى “نظارات” المحبة أو الغضب أو الخوف المفرط، أو الأمل غير المشروع، أو الطمع، أو البخل، أو الكبرياء، فلن يستطيع الحكم بالحق، بل أي حكم يصدر عنه يكون باطلاً، حتى وإن اعتقد أنه حكم بعقله. إذ يُعتبر هذا العقل اعتباطيًا وليس عقلًا حقيقيًا، لأن الإنسان في هذه الحالة يخرج عن سلامة الفطرة والسلوك الصحيح.

حكمة الابتلاء وعمل العقل

لقد ذكر الله تعالى كلامه على هذا الأساس، وعرّف العقل بأنه القوة التي يستفيد منها الإنسان في دينه، وبواسطتها يكتشف الطريق إلى حقائق المعارف والأعمال الصالحة ويتقدم فيها. فإذا لم يكن عقل الإنسان في هذا المسار، واقتصر نطاق علمه على حدود الخير والشر الدنيوي فقط، فإنه لا يُسمى عقلًا. كما يورد القرآن الكريم خبر هؤلاء الأشخاص الذين يقولون يوم القيامة:
«لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ»[12].

وقال تعالى أيضًا:
«أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»[13].

إذن، العقل يُدرِك الحقائق إذا كان مصحوبًا بسلامة الفطرة وصفاء القلب، وليس بالقلب الأعمى أو الملوّث بالهوى.

قد يحصل أحيانًا أن يستخدم الإنسان عقله النظري للوصول إلى الحقيقة، لكنه لا يتبع عقله العملي ولا يؤمن بها.

وقد قُسّم العقل بحسب ما يُدرِكه الإنسان إلى: عقل نظري وعقل عملي.

العقل النظري هو إدراك ما يجب معرفته، أي إدراك الأمور الواقعية.

العقل العملي هو إدراك ما يجب القيام به أو تركه، أي القدرة على الحكم بما هو مستحق أو غير مستحق من الأفعال[14].

مكانة العقل النظري تختلف كليًا عن مكانة العقل العملي. فقد يقبل الإنسان شيئًا بعقله النظري، لكنه لا يقبله عمليًا ولا يؤمن به[15].

وهذا يُوضّح أن الإنسان عند مواجهته للحجج يكون مضطرًا للفهم، والمضطر هو من يواجه أمرًا ضروريًا؛ لأن المسائل في البرهان إما ضرورية أو تنتهي إلى الضرورة، وكل متفكر سليم القلب منقاد للضروريات وليس مختارًا. وبالتالي، المعرفة بعد حصول مقدماتها الضرورية ليست خاضعة للإرادة. ففي العملية العقلية، عندما يثبت موضوع بمحمول ببرهان عقلي، يُنشأ عقد معرفي تلقائي دون تدخل الاختيار البشري، ويُحقق الإدراك العقلي للعلاقة بين الموضوع والمحمول.

أما العقل العملي، فلا دور له في المعارف العلمية، بل يظهر دوره في قبول الإنسان أو رفضه للقضايا التي يثبتها العقل النظري أو ينفيها. وبالتالي، فإن الإيمان – باعتباره قبولًا – ينشأ من العقل العملي للإنسان.

الإيمان فعل بشري واختياري، وبين النفس الإنسانية والإيمان كفعل اختياري تدخل الإرادة. لذلك، قد يقبل الإنسان ما فهمه أو يرفضه، رغم وضوحه[16].

إذن، التدين والإيمان ليسا من قبيل العلم أو الإدراك النظري للنفس، بل هما من أعمال النفس، ولأنهما فعل قلبي، وبين هذا الفعل والنفس عنصر الإرادة، فربما يؤمن الإنسان أو لا يؤمن، رغم أنه تجاوز مرحلة اليقين والإدراك النظري[17].

ويؤيد ذلك ما جاء في القرآن الكريم:
«وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيَقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ»[18]، حيث يظهر أن الإيمان واقع يختلف عن العلم واليقين، وقد ينشأ الكفر من الجحود والإنكار رغم العلم والمعرفة.

بمعنى آخر، جوهر الإيمان هو الخضوع الظاهر والباطن للحق. فإذا كان الإنسان متيقنًا من شيء، لكنه لا يخضع له في الباطن أو الظاهر، فهو لا يمتلك الإيمان، بل يكون في حالة كفر جحودي[19].

أحد العوامل التي تمنع إدراك الحقيقة هو عدم أخذ الأمور على محمل الجد والسخرية منها، إذ يجب دائمًا التعامل مع الحقائق بعزم جاد لتحقق وضوح الحقيقة[20]. لذلك، كثير من الناس يسخرون من الحقائق الدينية ولا يأخذونها على محمل الجد، ومن ثم يبتعدون تمامًا عن الدين الحق. كما يقول القرآن الكريم عن هؤلاء الأشخاص: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ»[21].

أي أن هؤلاء الناس جعلوا أهواءهم معبودهم، واتبعوها، فغطّت على قلوبهم وآذانهم وأبصارهم، فلم يبقَ لهم سبيل للهدى إلا بتوفيق الله.

من العوامل الأخرى التي تمنع الإنسان عن الانجذاب إلى الدين الحق: تقليد أديان الآباء، واتباع الدين السائد في المجتمع، والتعصب، والاستكبار، والتكبر. هذه العوامل تعمل معًا كحاجز بين الإنسان والدين الحق.

أما بالنسبة للعلماء، فيجب القول إنه إذا كان العالم يبحث عن الدين الحق، واستخدم عقله النظري استخدامًا صحيحًا، ثم اتبع عقله العملي بلا تردد، فإنه سيصل حتمًا إلى الحقيقة ويقبلها. وقد اعتنق الإسلام بالفعل العديد من العلماء الذين اتصفوا بهذه الخصائص.

النتيجة
يستنتج من ذلك أن أغلبية الناس ليست معيارًا للحق. لذلك، دين الإسلام لا يفقد حقانيته لمجرد أن الأغلبية لم يؤمنوا به. وما يمنع الأغلبية من اتباع الحق هو عوامل تحجبهم عن الدين، وقد تكون هذه العوامل داخلية في النفس أو مفروضة من الخارج.

المصدر: مركز الدراسات والرد على الشبهات، الحوزة العلمية


المصادر:

[1] الإنسان، 3.

[2] الزخرف، 78.

[3] البقرة، 243.

[4] الأعراف، 187.

[5] هود، 17.

[6] البقرة، 100.

[7] المائدة، 103.

[8] الأنعام، 37.

[9] الأنعام، 111.

[10] النور، 61.

[11] الطباطبائي، محمد حسين، ترجمة تفسير الميزان، ترجمة: موسوي همداني، السيد محمد باقر، ج2، ص271، قم، مكتب النشر الإسلامي لجمعية المدرسين في الحوزة العلمية في قم، الطبعة 5، 1374 هـ ش.

[12] الملك، 10.

[13] ترجمة تفسير الميزان، ج2، ص375.

[14] مظفر، محمد رضا، أصول الفقه، ج2، ص126، قم، منشورات إسماعيليان، [بدون تاريخ].

[15] جوادي آملي، عبد الله، منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية، ص23، قم، مركز نشر إسرا، الطبعة 6، 1391 هـ ش.

[16] نفسه، ص21.

[17] نفسه، ص22.

[18] النمل، 14.

[19] ناصر مکارم شيرازي، تفسير نمونه، ج15، ص412، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة 1، 1374 هـ ش.

[20] نفسه، ج19، ص326.

[21] الجاثية، 23.

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: هل تُعدّ المرأة غير المحجّبة، رغم صلاح سائر أعمالها، من أهل النار؟ ولا سيّما أنّ كثيرًا من المحجّبات قد لا تكون أعمالهنّ الأخرى مستقيمة
كيف يمكن التوفيق بين الحجاب وآية «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ»؟
الأحكام الشرعيّة | المقدار المتعارف في نفقة الزوجة
السٶال/ سورة يوسف، آية 83، صفحة 245 (( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )) ....
معرفة الله للأطفال | لماذا يجب أن أقرأ الصلاة باللغة العربيّة؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل