كيف يمكن التوفيق بين الحجاب وآية «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ»؟

تشير آية «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ» إلى أن الإيمان القلبي أمرٌ اختياري لا يقبل الإكراه، فالإكراه لا يصنع عقيدةً، لأن الإيمان فعلٌ معرفيّ نابع من القلب والعقل معًا. غير أن السلوك الاجتماعي، بوصفه ظاهرةً تنتمي إلى الحياة العامة، يمكن أن يخضع لتنظيم قانوني يهدف إلى حفظ النظام العام وصيانة القيم المشتركة، بشرط ألا يُمسّ بحقوق الأفراد وكرامتهم الإنسانية.

وفي واقعنا المعاصر يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للأحكام التي تقوم على وعيٍ دينيٍّ فردي أن تتحول إلى قوانين اجتماعية؟

فالآية الكريمة تؤكد حرية العقيدة، لكن تطبيق أحكامٍ ذاتِ طابعٍ اجتماعيٍ مثل الحجاب يضعنا أمام معادلة دقيقة تجمع بين حرية الاعتقاد، وحدود الحريم الشخصي، ومتطلبات النظام العام.

وقد أجاب حجّة الإسلام عبّادي – الخبير في الشؤون الدينية – على هذا السؤال بما نصّه:

إن قوله تعالى: «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ» يدلّ بوضوحٍ على أنّ الإيمان القلبي لا يمكن أن يُفرض بالقوة، لأنّ الاعتقاد أمرٌ وجدانيّ لا ينشأ بالإكراه، وإنما بالمعرفة والاقتناع. فالإيمانُ بهذا الاعتبار ظاهرةٌ داخلية لا سلطان للإجبار عليها.

لكنّ من الضروري التمييز بين الإيمان الباطني الذي هو فعلٌ قلبيّ لا يُكرَه عليه الإنسان، وبين السلوك الاجتماعي الذي يخضع بطبيعته لتنظيم الحياة الجماعية. فالمجتمع، أيًّا كان نوعه، يحتاج إلى أنظمةٍ تحفظ انسجامه وهويته، كما أنّ الانتماء إلى أيّ مؤسسةٍ يستلزم الالتزام بقوانينها الخاصة. وبالمثل، فإنّ الحياة ضمن مجتمعٍ له ثقافةٌ وهويةٌ دينية، تستوجب احترام الأحكام التي تحافظ على تلك الهوية، ومنها ما يتصل بالمظاهر الخارجية التي تمسّ المجال العام.

وعليه، فإنّ الإيمان أمرٌ شخصيٌّ لا يُكره عليه الإنسان، أما الأحكام ذات البعد الاجتماعي كاللباس الشرعي، فخضوعها للقانون ليس إكراهًا على الدين، بل تنظيماً للعلاقة بين الفرد والمجتمع وفق المنظومة القيمية السائدة، بشرط أن تراعي تلك التشريعات حفظ الكرامة الإنسانية وحقوق الأفراد.

فالآية الكريمة تُعنى بحرية الاعتقاد، لا بإلغاء النظام العام أو التشريعات التي تنظم السلوك الاجتماعي. ومن هنا يتضح أن الحجاب عندما يُقرّ بقانونٍ عام، لا يُعدُّ إكراهًا على الإيمان، بل هو تجسيدٌ عمليٌّ لقيمةٍ أخلاقيةٍ دينيةٍ قصدها صون العفة والهوية الجماعية.

وباختصار، إنّ «لا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ» تنفي الإكراه في مجال الإيمان والعقيدة،

لا في مجال تنظيم السلوك الاجتماعي؛

فالحجاب من أحكام الظاهر التي تتصل بالنظام الأخلاقي العام، وهو – من حيث كثيرون من فقهاء العصر – تنظيمٌ اجتماعيٌّ يرعى التوازن بين الحرية الفردية والهوية الدينية.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

معرفة الله عند الأطفال | ما هو شكلُ الله؟
السؤال: ما هو مدى تأثير الأبراج على حياة الإنسان او كما يُعرف بـ قراءة الطالع في الصحف والبرامج التلفزيونية، وما مدى صحتها وهل ورد مثل هذا عن الأئمّة المعصومين "عليهم السلام" كما مشهور كراهة الزواج والقمر في برج العقرب وأنّه يجلب النحس وعدم التوفيق ؟
أحكام رمضان | أكل وشرب الصائم
شبهات حول المعاد | لماذا لا يؤمن بعض الناس بالقيامة والمعاد؟
السؤال: من هو آخر الأنبياء قبل بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل