اختلال ميزان الحساسيّة في المجتمعات المتديّنة

أحيانًا يفقد الناس ـ لأسبابٍ اجتماعيّة خاصّة ـ حساسيّتهم تجاه بعض القضايا التي تُعدّ من أصول الدين الجوهريّة، في حين يُبدون حساسيّة مفرطة إزاء مسائل لا تُعدّ ـ بحسب نفس الدين ـ من الأصول، إلى حدّ أنّ مجرّد توهّم المساس بها، فضلًا عن إشاعةٍ كاذبة حول ذلك، يثيرهم ويستفزّهم أشدّ الاستفزاز.

أفادت وكالة «حوزة» للأنباء أنّ الأستاذ الشهيد مرتضى مطهّري أشار في أحد آثاره إلى قصّة «الباذنجان الأرمني»، ونضعها بين أيديكم أيّها النخب والفضلاء.

من الخطأ أن نتوهّم أنّ مجتمعًا يُوصَف بأنّه ديني، تكون حساسيّاته دائمًا ذات لونٍ وصبغةٍ دينيّة، أو أنّ دوافعه في كلّ ما يتحسّس له دوافع دينيّة بالضرورة. بل حتّى لو كانت الحساسيّات متعلّقة بموضوعات دينيّة، وكانت الدوافع أيضًا دينيّة في ظاهرها، فهل يكفي ذلك للحكم بأنّ تلك الحساسيّات منسجمة مع ذلك الدين، ومطابقة لمصالحه الحقيقيّة؟

الجواب: كلا. وهنا تكمن النكتة الأساس.

فأحيانًا يفقد الناس ـ لأسبابٍ اجتماعيّة خاصّة ـ حساسيّتهم تجاه بعض القضايا التي تُعدّ من أصول الدين البالغة الأهميّة، وكأنّ وعيهم تجاه تلك الأصول قد خمد؛ يرون بأعينهم أنّ تلك الأصول تُنتهك وتُداس، ومع ذلك ـ على حدّ التعبير الدارج ـ لا يتحرّك لهم ساكن.

وفي المقابل، يُبدون حساسيّة شديدة تجاه بعض المسائل التي لا تُعدّ ـ بحسب نفس الدين ـ من الأصول، بل هي من الفروع، أو ربّما ليست حتّى من الفروع، وإنّما هي من الشعائر، أو قد تكون أصلًا من الأصول لكنّه أصل في عرض سائر الأصول، لا متقدّمًا عليها؛ فيثورون ثورة عارمة لمجرّد توهّم خدشٍ فيها، أو لمجرّد إشاعةٍ كاذبة عن ذلك الخدش.

وأحيانًا تُصنَع في المجتمع حساسيّات زائفة، فيُظهر الناس تحسّسًا شديدًا تجاه أمور لا موجب ولا مبرّر للحساسيّة إزاءها.

كان أحد السادة ينقل أنّه في إحدى المدن كان هناك رجل من أهل السوق، معروف بالقداسة والتديّن، لم يرزقه الله ولدًا سوى ابنٍ واحد، وكان هذا الابن عزيزًا عليه غاية العزّة، فنشأ ـ نتيجةً لذلك مدلّلًا مترفًا، متسلّطًا على أبويه. ومع مرور الزمن شبّ هذا الابن شابًّا قويًّا، واجتمعت فيه عناصر الشباب، والفراغ، والثراء، والدلال الزائد، فصنعته شابًّا طائشًا فاسقًا.

وتطوّر الأمر إلى حدّ أنّه أخذ يبسط موائد الخمر في بيت أبيه، ذلك البيت الذي لم يكن يُقام فيه ـ من قبل ـ إلّا مجالس دينيّة. ثمّ أخذ يستقدم النساء الفاسدات إلى المنزل، وكان الأب المسكين يكظم غيظه ويصبر، ولا ينبس ببنت شفة.

وفي تلك الأيّام كانت «الطماطم» قد دخلت إيران حديثًا، فقام بعض الناس بالدعاية ضدّ هذا «الوافد الإفرنجيّ الملعون» ـ على حدّ تعبيرهم ـ بحجّة أنّه أجنبيّ جاء من بلاد الإفرنج، فهو حرام. وكان الناس يمتنعون عن أكله، ومع مرور الوقت نشأت في تلك المدينة حساسيّة شديدة تجاه الطماطم، حتى صارت ـ في نظرهم ـ أشدّ حرمةً من سائر المحرّمات.

وكانوا يسمّون الطماطم في تلك المدينة «الباذنجان الأرمني»، وهو لقب أشدّ حدّة وغلظة من تسمية «الطماطم الإفرنجيّة»، لأنّ تعبير «الإفرنجيّة» يحدّد موطن هذا النبات فحسب، أمّا وصف «الأرمني» فيُعيّن ـ بزعمهم ـ مذهبه ودينه! ومن الطبيعيّ أن يشتدّ تعصّب الناس وحساسيّتهم في تلك المدينة تجاه هذا الوافد الجديد.

وذات يوم أُخبِر ذلك الحاجّ ـ الذي كان ابنه غارقًا في الفساد، وهو يكتوي حزنًا ويسكت ـ بأنّ السيّد الابن قد أقدم اليوم على فعلٍ جديد؛ فقد جلب إلى البيت منديلاً مملوءًا بـ «الباذنجان الأرمني».

فلمّا سمع الأب هذا الخبر، فقد ما بقي له من صبرٍ وطاقة، فدعا ابنه وقال له:

شربتَ الخمر فصبرت، وسلكتَ طريق الفاحشة فصبرت، ولعبتَ القمار فصبرت، وجعلتَ بيتي مركزًا للخمر والفجور فصبرت، أمّا الآن فقد بلغتَ من الأمر حدًّا جئتَ فيه بـ «الباذنجان الأرمني» إلى بيتي! هذا ما لا أستطيع تحمّله بعد اليوم.

لقد تبرّأت منك، ولم تعد ابني، فاخرج من بيتي واذهب إلى حيث شئت.

المصدر: الأستاذ الشهيد مرتضى مطهّري، الإمدادات الغيبيّة في حياة الإنسان، ص 153–155

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل