الإفطار العلني؛ حرّيّة فرديّة أم جريمة اجتماعيّة؟

إنّ ما يُعَدّ جريمةً في المنظور الشرعي ليس هو نفس ترك الصيام، بل الجُرم الحقيقي هو الاستخفاف بحرمة الدين والسخرية من شعائره في الملأ العام. فالصيام ـ من حيث الالتزام به ـ شأنٌ شخصي، غير أنّ تركه على نحوٍ علني في المجتمع يُضعِف الفضاء الديني العام ويُسهِّل مسار التمرّد والمواجهة مع الدين.

وبحسب ما أفادت به وكالة «حوزة» للأنباء، فإنّ الحرّيّة الفرديّة في الالتزام بأحكام الشريعة تُعدّ من المسلّمات في الفكر الإسلامي، غير أنّ السؤال الجوهري هو: إلى أين تمتدّ هذه الحرّيّة؟ ولماذا يُعدّ «الإفطار في الملأ العام» جريمة؟ إنّ منشأ هذا التساؤل يعود إلى ضرورة التمييز بين «الحريم الشخصي» و**«الحيّز الاجتماعي». وفي هذا السياق، يتناول هذا الحوار مع حجّة الإسلام الشيخ محمّد عبّاسي، الخبير في قضايا الشبهات، المنطق الشرعي الفاصل بين «الفعل الفردي» و«العرض العلني»** في مسألة الصيام، وهو ما نقدّمه لقرّائنا الكرام فيما يلي.

والجواب عن هذه المسألة يبتني على الالتفات إلى أنّ أصل الامتثال لأوامر الدين في الدائرة الفرديّة هو أمرٌ اختياري. وبناءً على ذلك، فإنّ الأفراد ـ من حيث التكوين والقدرة ـ يمكنهم مخالفة أوامر الله تعالى، حتّى في الموارد التي تكون محرّمة شرعًا. بل إنّ معنى الطاعة والمعصية لا يتحقّق أصلًا إلّا حين يكون الإنسان قادرًا على اختيار الفعل الصحيح كما هو قادر على ارتكاب الفعل الخاطئ.

أصل المسألة؛ التفريق بين الحريم الخاصّ والحيّز العامّ

وعليه، ففي الدائرة الفرديّة، فإنّ الصيام أو عدمه يعود إلى نفس الشخص، ولا يملك أحدٌ أيَّ مسوّغ شرعيّ للتدخّل في شؤون الناس الخاصّة، ولا يحقّ له أن يستفسر أو يتجسّس عمّا يفعلونه في بيوتهم وخلواتهم، وهل يصومون أم لا. فهذا كلّه مرتبط بالبعد الفردي للمسألة.

أمّا في البعد الاجتماعي، وبعبارةٍ أخرى في إطار صيانة الرموز والشعائر الدينيّة، فإنّنا نجد أنّ الإسلام يُبدي حساسيّةً بالغة. فقد يكون كثيرٌ من الناس غير راغبين في الصيام، أو غير قادرين عليه أصلًا بسبب عذرٍ شرعي كالمَرَض أو السفر، غير أنّ ذلك لا يُشكّل بأيّ وجهٍ من الوجوه ترخيصًا لهم لانتهاك حرمة شهر رمضان في الفضاء الاجتماعي، ولا لهتك ذلك الجوّ العام من الصيام والعبوديّة الذي ينبغي أن يسود المجتمع الإسلامي في هذا الشهر المبارك. وفي مثل هذه الموارد، حيث تصبح أوامر الدين عُرضةً للهتك والاستخفاف، نرى أنّ الشريعة تتّخذ مواقف حازمة وجادّة.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك ما ورد في شأن بعض الذنوب، حيث تقرّر أنّ من ارتكب معصيةً كبرى لها حدٌّ شرعي، يُؤمر بإقامة الحدّ عليه علنًا. والوجه في ذلك أنّ الذنب إذا أُعلن في المجتمع خلّف مفاسد وآثارًا سلبيّة عامّة. ومن أجل مواجهة تبعات علنيّة المعصية، والحيلولة دون انهيار الحُرُمات التي أُقيمت لأوامر الدين، كان لا بدّ أن تكون العقوبة ـ هي الأخرى ـ علنيّة.

فكما أنّ حرمة الدين قد انتُهِكت في الفضاء العام، ينبغي في ذلك الفضاء نفسه أن يرى المؤمنون وسائر أفراد المجتمع أنّ هتك الحرمة لا يمرّ بلا جزاء. ومن الموضع ذاته الذي أُعلنت فيه المعصية، يُواجَه الشخص المخالف مواجهةً جادّة، لأنّه لم يراعِ حدود الواجب والحرام في الساحة الاجتماعيّة.

الأساس المنطقي لتَجريم الفعل

وعليه، فليس ما يُعَدّ جريمةً هو نفسُ عدم الصيام بمعناه الأوّلي؛ إذ قد يكون الشخص غير صائم مع تمتّعه بعذرٍ شرعيّ. وإنّما الذي يُعدّ جريمةً هو الطابع الاستعراضي للفعل الذي يصدر عنه، بحيث يؤدّي إلى نوعٍ من الاستخفاف بالأحكام الدينيّة، وتسطيحها، ورفع اليد عن حرمة أوامر الشريعة.

ومن هنا تُطرَح مسألة شهر رمضان المبارك: لماذا ينبغي تجريم الإفطار العلني؟ إنّ لهذه المسألة مبنًى منطقيًّا واضحًا؛ وهو ضرورة أن يبقى الفضاء العام للمجتمع فضاءً سليمًا وميدانًا للعبوديّة، وألّا يُسمَح لفئةٍ ما بأن تُلوّث هذا الجوّ في شهر رمضان، وهو شهر القرب من الله تعالى، والشهر الذي تتاح فيه للعباد فرصة الانتفاع من فيوضاته ونيل القرب الإلهي. فلا يجوز أن يُسمَح للبعض بتسميم هذا المناخ الروحي.

وأمّا المسألة الأخرى المطروحة ـ بشكلٍ عام ـ في الفضاء الإسلامي، فهي: ما حكم الأكل أمام أنظار الآخرين، ولا سيّما أمام الجائعين؟

لا شكّ أنّ الروايات الشريفة دلّت على أنّ الأكل أمام أعين الناس ـ بمعنى أن يبدأ الإنسان بتناول الطعام بينما ينظر الآخرون إليه ولا يصلهم شيءٌ منه ـ ليس أمرًا محمودًا ولا سلوكًا مستحسنًا.


الكرامة الإنسانيّة ومواساة الجائعين

ورد في رواية عن النبيّ الأكرم ﷺ أنّه قال: من يأكل على هذا النحو، بحيث ينظر الناس إليه ولا يُبدي لهم أيّ مواساة أو اعتبار، فلا يأمن على نفسه من الابتلاء بالمرض. فقد قال ﷺ: «مَنْ أَكَلَ وَذُو عَيْنَيْنِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَمْ يُوَاسِهِ، ابْتُلِيَ بِدَاءٍ لَا دَوَاءَ لَهُ».

أي: من أكل الطعام والناس تنظر إليه، ولم يُشاركهم ولم يُدارِهم، فلا يطمئنّ إلى أن يسلم من المرض.

وفي روايةٍ أخرى عن النبيّ الأكرم ﷺ جاء قوله: «الأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ».

أي إنّ الأكل في الأماكن العامّة المزدحمة ـ كالسوق ـ حيث يكون الناس في حركةٍ وانشغالٍ بأعمالهم، ليس من باب الشراسة أو سوء الطبع فحسب، بل هو دليل على دناءة النفس وخسّتها؛ إذ لا يليق بالإنسان أن يجلس في جمعٍ منشغل لا تتوفّر لهم وجبةٌ جاهزة، فيبدأ بالأكل أمامهم. وهذا السلوك لا يُعدّ بحالٍ من الأحوال عملًا محمودًا.

وجاء في روايةٍ أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان له بستان، وكان يتولّى أمره غلام يُدعى «صافي». وذات يوم دخل الإمام عليه السلام البستان برفقة بعض أصحابه، فرأى ذلك الغلام منشغلًا بالأكل، وكان على مقربةٍ منه كلبٌ جالس ينظر إليه. فكان الغلام إذا أخذ لقمةً لنفسه ألقى لقمةً أُخرى لذلك الكلب الذي كان ينظر إليه. فلمّا فرغ من طعامه، حمد الله تعالى، ودعا بالرحمة والمغفرة لمولاه الإمام الحسين عليه السلام ولآبائه.

فتقدّم إليه الإمام وقال له: لقد رأيتك تصنع هذا، فما قصّة ذلك؟

فأجاب الغلام قائلًا:

حين كنت آكل، رأيت هذا الكلب ينظر إليّ. فاستحييت أن آكل الطعام وأتناوله، وهو جالس ينظر إليّ، فقاسمتُه طعامي.

وهذا ـ حقًّا ـ هو المنظور الإسلامي. وتذكر الرواية في ختامها أنّ الإمام عليه السلام سرّ بهذا السلوك، بل ومنحه ذلك البستان.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الالتزام بالصيام وسائر الأوامر الدينيّة في الدائرة الفرديّة يُعدّ شأنًا شخصيًّا. غير أنّ عدم الرغبة أو عدم القدرة على الامتثال لحكمٍ شرعي لا يعني بحالٍ من الأحوال أنّ هناك ترخيصًا لإظهار هذا التخلّف في الساحة الاجتماعيّة؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى تقويض الفضاء الديني العام، ويمهّد الطريق لترويج مخالفة الأحكام الشرعيّة.

ولهذا نرى أنّه في شأن من لا يراعون حرمة شهرٍ من الشهور أو حرمة حكمٍ من الأحكام، قد تقرّر أن يكون التعامل معهم في الإطار الاجتماعي. أي كما أنّ المعصية إذا أُعلنت كانت آثارها عامّة، فإنّ مواجهتها وعقوبتها أيضًا ينبغي أن تكون علنيّة، حفاظًا على الهدف الأساس، وهو بقاء الفضاء الاجتماعي والجوّ الحاكم على المجتمع الإسلامي سالمًا ومصونًا.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

كيف أعرف أن غضبي طبيعي ولا أحتاج إلى مراجعة اختصاصيّ نفسي؟
السؤال: كيف يردّ القرآن على حجج منكري البعث والمعاد؟
الفرق بين "التوّاب" و"الأوّاب" في القرآن الكريم
هل يصح التنبؤ بأحداث العالم بناءً على احوال النجوم؟ ما مدى صحة ما في التقويمات الفلكية القديمة، من اختيار اثني عشر حيواناً لتسمية كل عام وادراج خصائص لكل من هذه السنوات (على سبيل المثال، يقولون فی عام الثعبان، حالة المناجم جيدة)؟ وإذا لم يكن هذا صحيحاً، فلماذا يدرج علماء النجوم، الذين غالباً ما يكونون من علماء الدین، هذه المطالب في التقويمات الفلكية؟
معرفة الله للأطفال | هل الله بحاجة إلى صلاتنا؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل