يشهد الجيل الجديد والنظام الثقافي الرسمي فجوة عميقة؛ فالتواصل يجب أن ينتقل من منطق الإبلاغ إلى منطق الحوار، ومن الرسالة التجريدية إلى الرسالة الملموسة البانية للهوية. كما أن إعادة تعريف الرسالة، وإطلاق مشاريع موجهة نحو المستقبل، والرصد المستمر، باتت ضرورات ملحّة.

وكالة حوزة للأنباء | خلال العقد الماضي، تعمّقت الفجوة الاتصالية بين المنظومة الثقافية–الإعلامية الرسمية والجيل الجديد تدريجيًا. فقد انحصرت وسائل الإعلام والبرامج الثقافية الرسمية غالبًا في جمهور محدود وداخل الخطاب نفسه، ووجّهت رسائلها إلى «النخب» والحلقات المعتادة على اللغة الرسمية، أكثر مما وجّهتها إلى المراهقين والشباب.

في المقابل، شكّل الجيل الجديد بيئته الإعلامية وهويته المعرفية عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات غير الرسمية، وأصبح يتغذّى من مصادر خارج الإطار التقليدي.

وأفضى هذا المسار إلى تشكّل عالمين متوازيين؛ عالمين لا يفهم أحدهما لغة الآخر، ولا يملك صورة واقعية عنه. وقد كشفت أحداث شهر دي (كانون الأول/يناير) من هذا العام هذه الفجوة الكامنة، وأظهرت أن عدم الفهم المتبادل بلغ مرحلة مقلقة.

الفرصة

ظهرت هذه الفجوة في وقت يتمتع فيه النظام بموقع حاكم مستقر، ولا تزال بين يديه أدوات فعّالة في مجال صنع السياسات والإعلام والمؤسسات. ومن ثمّ، فإن إمكانية ترميم العلاقة قائمة، شريطة أن يحلّ تغيير النهج محل تكرار الأساليب السابقة.

التوجّه الاستراتيجي

المشكلة ليست في «رفع الصوت»، بل في تغيير تردّد التواصل. فالسياسة الثقافية المؤثرة تجاه الجيل الجديد يجب أن:

  • تنتقل من منطق الإبلاغ إلى منطق الحوار.
  • تتحرك من الأطر الطقوسية المحدودة إلى الخبرات المعيشة والمستقبلية.
  • تنتقل من الرسائل التجريدية إلى المفاهيم الملموسة البانية للهوية.

وتُظهر الدراسات الميدانية والتجارب الاجتماعية أن مفاهيم مثل «إيران»، و«الأمل»، و«المستقبل» ما تزال تملك قدرة كبيرة على بناء رابط عاطفي وهوياتي مع الجيل الجديد؛ لكن بشرط أن تُطرح بصدق، بعيدًا عن الشعارات، ومتوافقة مع لغة العصر.

مقترحات تنفيذية

إعادة تعريف مهمة المؤسسات الثقافية المعنية بالجيل الجديد
تحويل التركيز من «نقل الرسالة» إلى «صناعة تجربة ذات معنى» للمراهقين والشباب، مع مؤشرات مثل المشاركة، والإحساس بالدور، واستشراف المستقبل.

الاستثمار الموجّه في المفاهيم المشتركة البانية للهوية
تصميم مشاريع ثقافية–إعلامية تتمحور حول:

  • إيران بوصفها فرصة للعيش والبناء.
  • الأمل بوصفه إمكانية واقعية لا وعدًا عامًا.
  • المستقبل بوصفه ميدانًا لمساهمة الجيل الجديد.

إيجاد طبقات وسيطة بين الحاكمية والجيل الجديد
دعم المؤسسات والمجموعات والمنصات التي تفهم لغة الجيل الجديد، وفي الوقت نفسه تملك القدرة على الارتباط بالبنية الرسمية، بدل الاكتفاء بالمؤسسات التقليدية.

تغيير منطق إنتاج المحتوى

الانتقال من المحتوى الموسمي أو التفاعلي إلى روايات مستمرة، متمحورة حول القضايا، ومستشرفة للمستقبل، مع استخدام القوالب والمنصات التي يتواجد فيها الجيل الجديد بطبيعته.

الرصد المستمر للفجوة الجيلية بوصفها قضية حوكمة

إنشاء مرصد اجتماعي–ثقافي لقياس الاتجاهات، والهواجس، والتحولات الهوياتية لدى الجيل الجديد بصورة مستمرة، وربط نتائجه بعملية صنع القرار.

الخلاصة

إذا كان المطلوب أن يلتقي العالمان المتوازيان، فلن يتحقق ذلك بإنكار الفجوة، بل بالاعتراف بها وتغيير السياسات الثقافية بذكاء. لا تزال الفرصة قائمة؛ غير أنها تحتاج إلى قرار وشجاعة وتجاوز العادات السابقة.

حجة الإسلام محمد قطبي جشوقاني

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل