إنَّ السؤال عن علاقة الصيام بالصحة النفسية يتناول أحد أهمّ الروابط بين الدين والحياة الإنسانية؛ وهو رابطٌ لا يقتصر على البعد العبادي أو الفقهي فحسب، بل يتصل اتصالًا مباشرًا بالطمأنينة الداخلية، والتوازن النفسي، وجودة الحياة الفردية والاجتماعية. ومع ازدياد الضغوط النفسية والقلق والاضطرابات الباطنية في العصر الحاضر، يبرز هذا التساؤل بجدية أكبر: هل للصيام دورٌ حقيقيٌّ وفعّال في تعزيز الصحة النفسية، أم أنه مجرد ممارسة روحية لا صلة لها بعلم النفس؟ وفيما يلي عرضٌ تحليليٌّ لهذه المسألة في نقاط:
النقطة الأولى: تقوية الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار
من أهم الآثار النفسية للصيام تعزيزُ الإرادة وقوةُ اتخاذ القرار. فالحياة الاجتماعية تحتاج إلى إرادةٍ صلبةٍ لمواجهة التحديات والوقاية من الاضطرابات النفسية. والصيام ـ بما يفرضه من قيودٍ منظَّمةٍ وتمرينٍ عمليٍّ على ضبط النفس ـ يضع الإنسان في موقعٍ يدرّبه على التغلب على رغباته الفورية.
وهذا التمرين المتواصل يُنشئ طاقةً نفسيةً ثابتةً تزيد القدرة على مقاومة الضغوط المستقبلية. وقد قال الإمام عليٌّ عليه السلام:
«وَالصِّيَامُ … تَسْكِينُ الْقُلُوبِ» (1)
وهذا النصّ يدلّ بوضوحٍ على دور الصيام في تحقيق السكينة الداخلية وتركيز القوى النفسية، وهي بيئةٌ أساسية لاتخاذ القرارات السليمة وتقوية الإرادة.
كما يبيّن القرآن الكريم أن هدف كثيرٍ من العبادات هو تطهير الروح:
﴿وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (2).
ومن هنا فإن الصيام ـ بما يوجِدُ حالةَ صفاءٍ روحي ـ يساعد على إزالة أدران القلب وتقوية الإرادة للاختيار الصحيح (3).
وخلال شهر رمضان، ومع الامتناع عن الطعام والشراب وضبط السلوك، تتفرغ الذهن أكثر، فتزداد فرصة التوجّه إلى المعاني الروحية، وهو ما يعزّز قوة الإرادة.
النقطة الثانية: النشاط النفسي والابتعاد عن الاضطراب الداخلي
يسهم الصيام في تنشيط النفس وتحسين الصحة النفسية، كما يساعد على خفض حالات القلق والاكتئاب. وقد ورد في الروايات:
«لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ الْإِفْطَارِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (4).
وهذا البعد الشعوري الإيجابي يؤثّر بعمق في الحياة الفردية والاجتماعية.
وفضلًا عن ذلك، يؤدي الصيام دورًا مهمًا في ضبط الغرائز. فالشهوات غير المنضبطة من أبرز مهددات الصحة النفسية. والصيام، بوصفه نظامًا تدريبيًا، يعلّم الإنسان كيفية السيطرة على هذه الدوافع وردّها إلى الاعتدال. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله:
«… فَلْيَصُمْ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ» (5).
كما بيّن الإمام الرضا عليه السلام فلسفة الصيام بقوله:
«عِلَّةُ الصَّوْمِ … مِنَ الِانْكِسَارِ لَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ» (6).
وهذا الضبط ـ ولا سيما في الغريزة الجنسية التي تُعدّ من أدوات إغواء الشيطان ـ يحفظ النفس من الاضطراب الناتج عن الانجراف خلف الرغبات (7).
النقطة الثالثة: تنمية الصبر والقدرة على التحمّل
من آثار الصيام النفسية تنمية الصبر في مواجهة صعوبات الحياة. فالحياة الاجتماعية لا تخلو من مشقّات، وغياب الصبر قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية وانهيار العلاقات. والصيام، بما فيه من تحمّل الجوع والعطش، يدرّب النفس عمليًا على مقاومة المشاق.
وقد أمر الله تعالى بالاستعانة بالصبر:
﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ (8)،
وقد فسّرت الروايات الصبر هنا بالصوم:
«أَنَّ الصَّبْرَ الصِّيَامُ» (9).
كما قال النبي صلى الله عليه وآله:
«هُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَإِنَّ الصَّبْرَ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ» (10).
ومن هنا يصبح الصيام مدرسةً لتربية التحمّل النفسي، مما ينعكس توازنًا وطمأنينةً ويقلل من القلق الناتج عن أحداث الحياة.
النقطة الرابعة: التقوى والتطهير الداخلي
الغاية العليا للصيام هي بلوغ التقوى، وهي عنصرٌ أساسي في الصحة النفسية. فالتقوى درعٌ روحيّ يحمي الإنسان من السقوط في المعاصي والرذائل. وقد صرّح القرآن بفلسفة الصيام:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (11).
وقد بيّن العلّامة الطباطبائي أن الصيام أقرب الطرق العامة لتحقيق طهارة الروح ومنع الانفلات أمام اللذات الجسدية (12).
وفي حديثٍ قدسي:
«الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أُجْزَى بِهِ … فِيهِ صَفَاءُ الْقَلْبِ وَطَهَارَةُ الْجَوَارِحِ» (13).
وصفاء القلب هذا ينعكس مباشرةً على السكينة النفسية. كما أن مراقبة اللسان واجتناب الذنوب في رمضان صورة عملية لهذا التطهير. وقد ورد:
«التُّقَى رَئِيسُ الْأَخْلَاقِ» (14).
والتقوى تصبغ حياة الإنسان بصبغةٍ إلهية:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (15)،
وهي أعلى درجات الطمأنينة النفسية.
النقطة الخامسة: الآثار الاجتماعية للصيام في الصحة النفسية
الصيام ليس عبادة فردية فقط، بل له آثار اجتماعية عميقة تنعكس على الصحة النفسية العامة؛ منها خفض الجرائم وزيادة الأمن. فقد ورد:
«فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تُغَلُّ الْمَرَدَةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ» (16).
وهو تعبيرٌ عن تراجع دوافع الشر في المجتمع.
كما أن الصيام يعزّز الشعور بالمساواة والتعاطف بين الغني والفقير. قال الإمام الصادق عليه السلام:
«إِنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ الصِّيَامَ لِيَسْتَوِيَ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ» (17).
وهذا الإحساس بالمساواة والتكافل الاجتماعي من أهم عوامل الاستقرار النفسي المجتمعي (18). كما أن روح السخاء والإيثار في رمضان ـ كالإفطار والصدقة ـ تبني شبكات دعم اجتماعي تعزّز الصحة النفسية للأفراد (19).
الخلاصة
يتضح أن الصيام عبادةٌ شاملةٌ تسهم في تعزيز الصحة النفسية على المستويين الفردي والجماعي. فهو يقوّي الإرادة، ويهذّب الغرائز، ويغرس الصبر، ويمنح التقوى التي تُثمر طمأنينةً داخليةً عميقة. وعلى الصعيد الاجتماعي، يعزّز التعاطف ويقلل الانحراف ويزيد التماسك. وبذلك يتبيّن أن الصيام ليس مجرد شعيرة روحية، بل نظامٌ متكاملٌ لتزكية النفس وتحقيق التوازن النفسي والإنساني.
المصادر
(1) الطوسي، الأمالي، ص 296.
(2) المائدة: 6.
(3) النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص500.
(4) المجلسي، بحار الأنوار، ج93، ص248.
(5) الفيض الكاشاني، الوافي، ج21، ص19.
(6) الصدوق، علل الشرائع، ج2، ص378.
(7) رضائي الأصفهاني، پژوهشی در اعجاز علمی قرآن، ج2، ص445.
(8) البقرة: 153.
(9) الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ج1، ص126.
(10) الكليني، الكافي، ج4، ص66.
(11) البقرة: 183.
(12) الطباطبائي، الميزان، ج2، ص8.
(13) النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص500.
(14) المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص284.
(15) البقرة: 138.
(16) الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج2، ص71.
(17) الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص43.
(18) مصادر علم النفس الاجتماعي.
(19) دراسات في علم الاجتماع الديني.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





