في الحكمة رقم 123، يقول الإمام علي (عليه السلام):
طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْبِدْعَةِ.

وقد ورد في الروايات أن «طوبى» اسم شجرة في الجنة، كما يعني أيضًا «ما أطيب هذا!» و«ما أصفاه!»؛ أي مبارك لمن تحلّى بهذه الصفات.


تتضمن هذه الحكمة عدة نقاط، كل منها أفضل من الآخرى، وهي مؤشر على حياة منهجية، مرضية لله، وجميلة.

طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ

هنيئا لمن كان خاضعا في نفسه؛ أي منزها إياها عن الكبرياء والغرور، وصافي النفس من التمرد والغطرسة.

وَطَابَ كَسْبُهُ

وطوبى لمن كان كسبه وماله طاهراً ومباركاً. إن تحصيل الرزق وتأمين المعيشة من مصدر حلال، بطريقة مشروعة ونقية، من علامات الورع والعمل الصالح. فمن لم يحسن ذلك، يلوث معيشته بأموال محرمة، ويترك ذلك آثاراً سلبية على نفسه وعائلته. فطوبى لمن كان رزقه حلالاً، مرضياً عند الله تعالى ووسيلة لبركة الحياة.


وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ


وطوبى لمن كانت سريرته، باطنه ونفْسه، صالحة. فكما يظهر من الإنسان ما في داخله، فإذا ملأ قلبه الكبرياء والأنانية وحب الدنيا، انعكس ذلك على أقواله وأفعاله، وحُرِم من طعم الطاعة الحقيقية. فطوبى لمن كان باطنه طاهراً، يثمر منه عمل صالح، قول حسن، وتصرفات ترضي الله تعالى.

وحَسُنَتْ خَلِیقَتُهُ


طوبى لمن كانت أخلاقه زكية، وطباعه فاضلة، فإن حسن الخلق والاعتدال في السلوك من أعظم الرصيد الروحي الذي يرضاه الله تعالى. وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) المثال الأسمى في حسن الخلق، فلنسعَ نحن أيضًا إلى أن يكون سلوكنا مفعمًا بالفضيلة، وتصرفاتنا مشوبة بالجمال الروحي والأدبي.


وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ


طوبى لمن أنفق من فائض ماله على وجه البرّ والخير، وهو ما يزيد على حاجته وضروريات حياته، فإن البذل من المال الزائد يثمر بركة للنفوس والمجتمع، ويعكس صدق التوكّل على الله والابتعاد عن البخل.
وفي المقابل، طوبى لمن ضبط لسانه عن القول الفارغ والعبثي، وحفظ نفسه من الكلام الضار أو الباطل، فاللسان الزاخر بالكلام الطيب والاعتدال في الحديث من أعظم القربات وأثمر الطاعات.


وَعَزَلَ عَنْ النَّاسِ شَرَّهُ


طوبى لمن أبعد عن الناس شرّه وفحش فعله، وجعل نفسه مستقرة عند حدود العدل والرحمة، فلا يؤذي أحدًا لا بيده ولا بلسانه، ويكون سببًا في حفظ أمن الناس وطمأنينتهم، ويغرس السلام والأمان بين الناس بسلوكه وفعله.

وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ


طوبى لمن كانت السنن النبوية والأحكام الشرعية ممتدة في حياته، متجلية في أفعاله وأقواله، بحيث تكون منهجًا يُضبط به سلوكه، ودستورًا يوجه تصرفاته في كل جانب من جوانب حياته، فلا يخرج عن دائرة الطاعة والاعتدال.


وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْبِدْعَةِ


طوبى لمن لم يُنسَب إليه بدعةٌ قط؛ أي أن لا يكون في كلامه قولٌ مخالف للدين، ولا في فعله سلوكٌ مخلّ بالشرع، ولا في منهجه أثرٌ يخرج عن حظيرة الشريعة والعقيدة الصحيحة، بل يكون كل ما يصدر عنه من قول وفعل وفقًا للحق، ثابتًا على منهج النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام).


نسأل الله تعالى أن يوفقنا لتطبيق هذه الفضائل النبوية والإمامية في حياتنا، وأن يجعلنا من العاملين بها في القول والعمل، مستنيرين بهدي الإمام عليّ (عليه السلام).

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل