الجواب على هذه المسألة له مرتكزات وخلفيات قوية ومتينة.
أول هذه المرتكزات هو النص الصريح في القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى:«وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا».فالله تعالى نهى عن كل أشكال تسلط الكافرين ونفوذ الأجانب على المسلمين. ومن هنا فإن مواجهة هيمنة الأجانب ومحاربة الاستكبار تعد واجبًا شرعيًا لا يقتصر على القيادة وحدها، بل يقع على عاتق جميع أفراد الأمة الإسلامية. وكما أن الصلاة فريضة واجبة في حياة المسلم، فإن منع تسلط الأجانب والتصدي للاستكبار يعد كذلك مبدأً دينيًا أصيلًا مستندًا إلى القرآن الكريم.
أما المرتكز الآخر فهو التجربة التاريخية؛ إذ إن مجتمعاتنا كانت، عبر فترات طويلة من التاريخ، عرضة لنفوذ القوى المستكبرة، وهو ما أدى إلى إعاقة تقدم البلاد وإبطاء مسيرتها نحو النهوض. فقد واجه الشباب وأصحاب المبادرات والإبداعات، وكذلك العلماء في مختلف المجالات، قيودًا وضغوطًا اجتماعية وسياسية حدّت من قدرتهم على العمل والعطاء. ومن هنا جاءت الثورة الإسلامية بوصفها حركة تهدف إلى التحرر من الهيمنة والاستكبار، وإقامة مجتمع قائم على الحرية والاستقلال.
النقطة الأخيرة هي التجارب المكتسبة خلال فترة نظام الجمهورية الإسلامية وقيام جبهةالمقاومة، فقد أظهرت هذه التجارب أنه في كل مرحلة حاولت فيها بعض الحكومات — ظنًّا منها أن ذلك يصب في مصلحة البلاد — أن تُظهر شيئًا من اللين أو الابتسامة تجاه جبهة الاستكبار، فإن الأعداء ازدادوا جرأة، واندفعوا بمزيد من الهجمات الواسعة ضد مصالحنا الوطنية.
أما حين رأوا صمودنا وحزمنا فقد اضطروا إلى التراجع. غير أن من المهم جدًا الالتفات إلى أن القوى المستكبرة لا يلتزمون بأي من القواعد أو المبادئ.
فهم لا يسعون إلا إلى تحقيق مصالح الرأسمالية الاستكبارية في الغرب، وتوسيع نفوذهم الشيطاني في أنحاء العالم الإسلامي. ولذلك، فإذا أبدينا أدنى قدر من التهاون أمام هذا الاستكبار، فإن مصالحنا ومستقبلنا وأمننا سيقع ضحية لذلك بلا شك، ومن ثم ينبغي إيلاء هذه التجربة مزيدًا من الاهتمام.
ومن هنا، لم يكن الإمام الراحل (رضوان الله عليه) والإمام الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) وحدهما من أكّد على هذه القضية، بل إن جميع العلماء الكبار شدّدوا على أن كل من يمتلك العدالة والفقاهة والكفاءة اللازمة لقيادة البلاد سيجعل هذا النهج خطه الأساسي.
واليوم، بفضل الله، أصبح اقتدار البلاد وصلابة أركان النظام وجبهة المقاومة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، حتى إننا خلال هذه الأيام التي أعقبت استشهاد القائد الجليل نشهد حضورًا شعبيًا واسعًا ومهيبًا في الساحة، وكأن الشعب قد بلغ درجة من النضج تجعله يتولى بنفسه مسؤولية قيادة المجتمع.
ولو أن الإمام الراحل — عندما أصدر رسالته سنة (1979م) وقال فيها: «اليوم، الثاني عشر من فروردين (يوم انتصارالثورة)، هو بداية إمامة الأمة» — رأى هذا الزمن، زمنًا بلغ فيه الناس من النضج والوعي درجة تجعلهم يقفون في وجه الاستكبار من دون أي توجيه خارجي، ومن دون تنظيم حزبي خاص، بل في مختلف أنحاء البلاد، في الأحياء والساحات، لرأى تحقق ما كان يتطلع إليه أكثر من وعي الأمة ونهضتها.
وبناءً على ذلك، فإن قوة البلاد وقدرتها اليوم أكبر من أي وقت مضى، ونحن ثابتون على هذا النهج، وبعون الله تعالى سنواصل الوقوف عليه بثبات أكبر ونتقدم فيه إن شاء الله.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل