قال حجة الاسلام والمسلمين حسيني إن أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة لا يكتفي ببيان التعاليم الفردية والأخلاقية فحسب، بل يقدّم تصورا شاملا لإدارة المجتمع، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وتحقيق العدالة.
وقال حجة الاسلام والمسلمين حجة حسيني، أستاذ مدرسة سفيران هداية العلمية التابعة للإمام الصادق عليه السلام، في حديثه مع مراسل وكالة أنباء حوزه في طهران: إن ليالي القدر هي في الأساس زمن العودة إلى حقيقة القرآن ومعارف الإسلام الأصيلة، وفي هذا السياق يمكن اعتبار نهج البلاغة أقرب نص إلى روح القرآن ومنطقه.
وأضاف أن نهج البلاغة يمثل منظومة فكرية متكاملة تجتمع فيها الأخلاق والسياسة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والروحانية في إطار واحد.
وأضاف أن كثيرا من كبار علماء الشيعة، بل وحتى عددا من مفكري أهل السنة، وصفوا نهج البلاغة بأنه «أخو القرآن»؛ أي إنه نص يسير في بيانه ومضمونه وعمقه المعرفي في امتداد التعاليم القرآنية.
أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة لا يكتفي ببيان التعاليم الفردية والأخلاقية
وبيّن أستاذ مدرسة سفيران هداية العلمية التابعة للإمام الصادق (عليه السلام) في طهران أن أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة لا يكتفي بمجرد عرض التعاليم الفردية والأخلاقية، بل يقدّم تصورًا شاملاً لإدارة المجتمع، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وتحقيق العدالة. وفي الحقيقة، فإن نهج البلاغة يمثل منظومة فكرية متكاملة تجتمع فيها الأخلاق والسياسة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والروحانية جنبًا إلى جنب.
وأضاف: في مثل هذه الأيام، حيث إن المجتمع الإسلامي بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى العودة إلى مصادره الفكرية الأصيلة، فإن دراسة نهج البلاغة يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة لفهم المسؤولية الاجتماعية، والأخلاق الجماعية، والتلاحم بين أفراد المجتمع. وذلك لأن المجتمع الإسلامي، في الرؤية العلوية، جسد واحد تكون سلامته رهينة بشعور الجميع بالمسؤولية.
وأضاف حجة الإسلام والمسلمين حسيني: إذا أردنا أن ننظر إلى نهج البلاغة من منظور علم الاجتماع، فيجب أن نقول إن أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب هو مسألة «الانسجام الاجتماعي». فقد أكّد أمير المؤمنين علي عليه السلام في العديد من خطبه ورسائله على ضرورة الحفاظ على الروابط الاجتماعية وتجنّب الفرقة والانقسام.
فعلى سبيل المثال، في الخطبة 176 من نهج البلاغة، يدعو الإمام علي عليه السلام الناس إلى التلاحم والابتعاد عن التفرّق، ويذكّر بأن الاختلاف والتفكك الاجتماعي يهيئان الأرضية لضعف المجتمع وتعرّضه للأضرار. وفي نظر الإمام، فإن المجتمع الذي يصاب بالانقسام من داخله يفقد القدرة على الدفاع عن قيمه وهويته.
أهمية مراعاة العدالة والكرامة الإنسانية والاهتمام بجميع فئات المجتمع في نهج البلاغة
وقال: في الرسالة المشهورة للإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر — التي يمكن عدّها واحدة من أهم النصوص السياسية والإدارية في الحضارة الإسلامية — تمّ التأكيد على مراعاة العدالة، وصون الكرامة الإنسانية، والاهتمام بجميع فئات المجتمع. وتُظهر هذه الرسالة أن العدالة الاجتماعية تُعدّ من أهم العوامل في إيجاد الثقة العامة وتعزيز الانسجام الوطني.
وأشار أستاذ مدرسة سفيران هداية العلمية التابعة للإمام الصادق عليه السلام في طهران إلى أنه إذا أردنا النظر إلى مسألة التضامن الاجتماعي من منظور نهج البلاغة، فعلينا أن نولي الاهتمام بثلاثة عناصر أساسية: العدالة، والأخلاق الاجتماعية، وتحمل المسؤولية الجماعية. ويضم نهج البلاغة أقسامًا عديدة تمتلك مثل هذه القدرة المعرفية، ومن أهمها الخطب الاجتماعية للإمام علي عليه السلام التي تناول فيها تشخيص أمراض المجتمع وضرورة إصلاح العلاقات الإنسانية.
وأضاف: كذلك نجد في الكلمات القصار في نهج البلاغة تعاليم كثيرة تتعلق بالأخلاق الاجتماعية. فقد قال الإمام علي عليه السلام في إحدى كلماته الحكيمة:
«الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
وهذه الجملة القصيرة، على إيجازها، تحمل معنى عميقًا جدًا، إذ تمثل أساس نظرة إنسانية شاملة إلى المجتمع. فبحسب هذه الرؤية، إما أن يكون الناس إخوة في الدين، أو شركاء في الخلقة؛ ومن ثمّ لا ينبغي أن يخرج أي إنسان عن دائرة الاحترام والعدالة.
إن مثل هذه الرؤية يمكن أن تعزز أسس التعايش السلمي والتضامن الاجتماعي داخل المجتمع.
نهج البلاغة مصدر حي ومتجدد للفكر الإسلامي
وأضاف أستاذ مدرسة سفيران هداية العلمية التابعة للإمام الصادق عليه السلام في طهران: إن نهج البلاغة ليس مجرد نص تاريخي، بل هو مصدر حي ومتجدد للفكر الإسلامي. وللأسف، فإننا في كثير من الأحيان نقرأ هذا الكتاب في حدود كونه نصا أدبيا أو خطابيا فحسب، مع أن نهج البلاغة يشتمل على منظومة فكرية متكاملة ومنسجمة.
وأضاف حجة الاسلام والمسلمين حسيني: إذا حظي هذا الأثر باهتمام منهجي في الحوزات العلمية والجامعات، بل وحتى في النظام التعليمي العام، فإنه يمكن أن يؤدي دورا مهما في تشكيل ثقافة المسؤولية الاجتماعية وترسيخ الأخلاق العامة.
وأشار إلى أن من أبرز خصائص نهج البلاغة أن الإمام علي عليه السلام تحدث فيه بوضوح عن آفات السلطة، ومخاطر التعلق بالدنيا، وضرورة إقامة العدالة، وأهمية الكرامة الإنسانية. وهذه التعاليم يمكن أن تكون مصدر إلهام لكل مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة والتقدم.
الهوية الثقافية لكل مجتمع تتشكل على أساس مجموعة من النصوص والتقاليد الفكرية
وأضاف أستاذ مدرسة سفيران هداية العلمية التابعة للإمام الصادق عليه السلام في طهران: إن الهوية الثقافية لأي مجتمع تتشكل على أساس مجموعة من النصوص والتقاليد الفكرية. وفي العالم الإسلامي يعد القرآن الكريم، والسنة النبوية، وتراث أهل البيت عليهم السلام من أهم المصادر التي تسهم في تشكيل هذه الهوية. ويأتي نهج البلاغة بوصفه أحد أبرز الآثار المنبثقة من التراث العلوي ليؤدي دورا مهما في هذا المجال.
وأضاف حجة الاسلام والمسلمين حسيني: إن دراسة هذا الأثر تساعدنا على التعرف إلى عمق فكر الإمام علي عليه السلام، وعلى إدراك كيفية إقامة الترابط بين الروحانية والعقلانية والعدالة. وهذا الترابط هو في الحقيقة ما يمكن أن يسهم في تعزيز الهوية الدينية والثقافية للمجتمع.
وقال: إن نهج البلاغة يعلّمنا أن التدين لا يقتصر على العبادات الفردية فقط، بل يشمل أيضا تحمل المسؤولية الاجتماعية، والدفاع عن العدالة، ونصرة المظلومين. ومثل هذه الرؤية يمكن أن تعزز روح المسؤولية والتضامن داخل المجتمع.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





