مع دخول عيد الفطر المبارك، يقف المجتمع الإيراني وشعوب المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن أمام مشهد معقد من الأحداث: تهديدات الأعداء، والتجارب الدفاعية، والتحولات الاجتماعية. كل منها يحمل دروساً ورسائل خاصة.
في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الثورة الإسلامية، حيث تتجه الأنظار إلى المستقبل والتحديات القادمة، يبدو الفهم العميق للعلاقة بين “الامتحانات الإلهية” و”مصير الأمة” أكثر ضرورة من أي وقت مضى. وفي ما يلي، يتناول حجة الإسلام والمسلمين هادي مشكدار في إجابته عن هذا السؤال، شرح زوايا مختلفة لهذا الموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم
مع التهنئة بحلول عيد الفطر المبارك، رغم كل الصعوبات والتحديات القادمة، ما هي أفضل رسالة يمكن تقديمها للشعب في هذا العيد؟
الدنيا في حقيقتها دار بلاء ومحنة، وقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنها “دار بالبلاء محفوفة”، أي محاطة بالغم والحزن. في هذا العالم لا يخلو قلب من هم، وإن وُجد قلب بلا هم فهو ليس لابن آدم.
كل إنسان منشغل بنوع من الهم والحزن، وإن اختلفت هذه الهموم، فإن الحقيقة لا تتغير: نحن نعيش في عالم المادة والتدافع.
غير أن البلاء يصيب أولياء الله وأحباءه أشد وأكثر. فكلما كان الإنسان أقرب إلى الله، زاد نصيبه من كأس البلاء. في بداية سورة العنكبوت، الآية الثانية، يقول الله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]
أي: أظن الناس أنهم يتركون بمجرد أن يقولوا آمنا من غير امتحان؟ كلا، بل هم يتعرضون للفتن والامتحانات الصعبة. وبداية الامتحانات هي الشدائد نفسها، وكلما كان الإيمان أرفع، نزل البلاء أكثر.
وفي الروايات عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: “إن أشد الناس بلاء الأنبياء”، ثم بعد الأنبياء، كل من كان أشبه بهم وسار على دربهم، أصابه البلاء أكثر.
وهذه البلاء قد تبدو لنا غير محبوبة، ولكن الله تعالى يقول:
﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]
دروس من قلب الشدائد والتمهيد لمواجهة الاستكبار
كانت الحرب الاثنتي عشرة يوماً غير محبوبة لنا، ولم نكن نرغب في الدخول فيها في تلك المرحلة، إلا أنها كانت ميداناً تدريبياً للسباق الحالي، مكنتنا من تلافي النواقص. والآن، بفضل الله، وبعد تلافي النواقص واكتمال الاستعداد، نحن الأيدي العليا في مواجهة هذين المتنمرين في العالم.
فتنة كانون الثاني (يناير)، رغم أنها كانت ظاهراً غير محبوبة، كشفت عن هوية مجموعة كانوا من أتباع هذا الوطن ولكنهم في الحقيقة عملاء خارجيون وغربيون، فأحبطت مخططاتهم.
ورغم فقدان أعزاء في هذه الواقعة، إلا أن ذلك أدى إلى انفصال الصفوف وتنقيتها. كما أن هذه الفتنة لو حدثت في الوقت الذي هاجمنا فيه الحراميون الآن، لما كان واضحاً أين كان سيتجه وضع البلاد.
هذه كلها نماذج جعل الله فيها في ذروة البلاء يسريات وبشارات، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6]
هذه الصعوبات والتحديات الموجودة والقادمة كانت دائماً مجالاً لنمونا. كما في سنوات الدفاع المقدس الثماني، انطلق أبناء هذا الوطن في سن المراهقة وبداية الشباب إلى ساحات القتال، ثم تحولوا بعد ذلك إلى قادة ورجال مقدمة في هذه الثورة.
هؤلاء الأعزاء أصبحوا ذخائر للنظام وتعلموا. وبكل تأكيد، في هذه الأيام، في مكافحة متنمرات الاستكبار العالمي، سيتجرب أبناؤنا ومراهقونا وشبابنا، ليكونوا إن شاء الله من جنود جيش الإمام الزمان (عجل الله فرجه) المستعدين لتلك الفترة، وهذا بحد ذاته بشارة وأمل يضيء القلوب.
فن أهل البيت (ع) في توجيه المناسبات الدينية نحو العبادة وتنظيف القلب
أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم يرفضوا المناسبات الدينية بين الأقوام والملل، بل وظفوها بما يخدم الدين. ففنهم الماهر هو استخدام هذه المناسبات وتوجيهها نحو ذكر الله تعالى ونحو الدين، لزيادة التدين لدى الناس.
لحظة عيد الفطر لحظة حساسة للتغيير والتحول في القلوب، تجمع الناس في مشهد عظيم يكون مناسبة للتذكير بذكر الله والالتفات إلى حضرته القدسية.
روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: “إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه، وشكر قيامه، وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد” [بحار الأنوار، ج 88، ص 136].
فالعيد الحقيقي ليس مجرد فرح وسرور، بل هو ثمرة قبول الطاعة والعبادة، واستمرار حالة التقوى بعد رمضان. والتقوى هي تنظيف القلب من الأدران، وتطهير الروح من الشوائب، وإخراج ما علق بها من زوائد الدنيا. كما أن تنظيف البيوت من فضلاتها تقليد سنوي، فإن تنظيف القلوب من رذائلها هو العبادة الحقيقية التي تليق بهذا الشهر وهذا العيد.
وفي ظل الظروف الراهنة، حيث يتعرض الوطن وشعوب المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن لهجمات الأعداء، يتجلى معنى العيد في الثبات على المبادئ، والاستمرار في طريق المقاومة، وعدم العودة إلى ما كنا عليه قبل هذا الشهر المبارك. إن تطهير المنطقة من رجس الكيان الصهيوني ومن دنس الاستكبار العالمي هو أعظم تنظيف، وهو ثمرة التقوى التي اكتسبناها في هذا الشهر.
دعاء العيد في هذه الظروف
كان من دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) في يوم الفطر إذا انصرف من صلاته، أن يستقبل القبلة ويقول:
“يَا مَنْ يَرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُهُ الْعِبَادُ، وَيَا مَنْ يَقْبَلُ مَنْ لَا تَقْبَلُهُ الْبِلَادُ، وَيَا مَنْ لَا يَحْتَقِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَيَا مَنْ لَا يُخَيِّبُ الْمُلِحِّينَ عَلَيْهِ…” [الصحيفة السجادية، الدعاء 46]
في هذه اللحظات الإيمانية التي تتجه فيها القلوب نحو الله، ويكون استجابة الدعاء في هذه الحالة الجماعية أقرب، نرفع أكف الضراعة إلى الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا، وأن يثبت أقدامنا على طريق الحق، وأن يجعل عيدنا هذا عيد نصر وتمكين، لا عيد حزن وأسى.
لعل الله يزيل الحزن عن الشعب الإيراني والشعوب المقاومة بقدوم عيد الفطر وبركة الدعاء الخير والحضور الإيماني للناس في التجمعات، فيحل الفرح مكانه. ليتحقق هذا التنظيف العالمي، وتُقتلع جذور الظلم من العالم، وتقصر أيدي الظالمين. كما نرمي فضلات المنازل والزوائد مع اقتراب العيد، فليكن مصير عوامل الفساد والإيذاء للبشرية -من آمرين بقتل الأطفال واغتصابهم وداعمي جزيرة إبستين- إلى مزبلة التاريخ، ولتسجل أسماؤهم كنفايات تاريخية. وفراعنة العصر، كما قال قائدنا الشهيد، يُنسون في ذروة تكبرهم وفخرهم.
على طريق الوحدة والتلاحم الوطني، يستمر الشعب الإيراني وشعوب المقاومة في مسيرة تدمير الكفر والاستكبار العالمي وحماية الوطن والمرابطين والمقاتلين في سبيل الإسلام، عسى أن يعجل الله بظهور منقذ البشرية الذي هو أمنية الجميع.
لقد حملت فترة الحرب المفروضة الصعبة وأيام شهر رمضان المبارك إنجازاً كبيراً وعبرة؛ فرصة أظهر فيها الشعب ليلاً، إلى جانب الوحدة في مناجاة الله، حضوره الاجتماعي وتضامنه في ساحات المدن. وهم خلال مسير التعبد والسلوك الديني وأثناء الدعاء والمناجاة، قدموا أنفسهم كجنود للثورة والدين. وهكذا، كانت تجمعاتهم في الشوارع والساحات، بالإضافة إلى إقامة المناجاة وقيام الليل خاصة في ليالي القدر، تجسيداً للعبادة وذكر الله تعالى، وإظهاراً لكونهم جنود الدين والثورة.
الوحدة والتضامن، سر النصر والتمهيد للظهور
كانت هذه الوحدة سبباً للقوة وتوجيه الضربات للأعداء الداخليين والخارجيين، ويجب أن يبقى هذا التضامن مبدأً أساسياً. في أيام الأربعين، نرى مثالاً بارزاً لهذه الوحدة؛ حيث التضامن والتآزر بين الناس، رغم صعوبات ومشاق المسير سيراً على الأقدام، جعل لهذا العمل حلاوة وبهجة حولت الصعوبات إلى محبوبة، والناس كل عام ينتظرون هذا التجمع العظيم.
سبب هذا هو التضامن بعينه. في هذه الأيام الصعبة وفي فترة هجوم الحراميين الأمريكيين والصهاينة، ما حول المرارات إلى حلاوة كان اتحاد الناس. ليدُم هذا التضامن والاتحاد، سواء في استمرار مسار الحرب حتى القضاء التام على الكيان الصهيوني أو بعده.
ليدُم الاتحاد والتضامن الذي نزرعه الآن ونتدرب عليه عملياً حتى زمن الظهور؛ فهو التمهيد والبشارة، وهو بارقة أمل لتحقيق الدولة الكريمة للسيد الذي سيأتي، حتى ذلك الوقت الذي يعز فيه الإسلام العزيز وتقتلع جذور النفاق والكفر.
عسى أن يمن الله على الشعب الإيراني وشعوب المقاومة بعيد طيب مبارك، بعيد عن الحرب والنزاع والبغضاء؛ عيد مليء بالاتحاد والتضامن يؤدي إلى القضاء على الكفر والاستكبار العالمي. عيد يصاحبه النصر والعزة المتزايدة للإسلام والمسلمين، والحفاظ على جميع جنود الإسلام وقائدنا الحكيم. ولتكن إيران العزيزة وشعوب المقاومة أقوى من ذي قبل في جميع الأبعاد، بما فيها رؤوس الأموال الوطنية ومصادر الطاقة والنظام الدفاعي والموارد البشرية. وليحل نخبتنا العلمية من الشباب محل شهدائنا الكرام، وليسلموا العلم قريباً إلى صاحبه الأصلي، الإمام العصر (عجل الله فرجه).
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل





