من أي منظور يعالج الإسلام “المسائل الاقتصادية”؟

يتناول هذا المقال، في إطار سؤال وجواب، نظرة الإسلام إلى المسائل الاقتصادية وكيفية تقديم الحلول فيها.

السؤال:
من أي منظور يعالج الإسلام “المسائل الاقتصادية”؟

الجواب:

يعالج الإسلام المسائل الاقتصادية من منظورين أساسيين، يتكاملان ليشكلا رؤية شاملة متكاملة: منظور تشكيل الحكومة الإسلامية، ومنظور التنظيم الاجتماعي.

أولاً: من زاوية الحكومة الإسلامية

كان تشكيل الحكومة الإسلامية أول خطوة عملية قام بها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بعد هجرته إلى المدينة المنورة. ذلك أن أي برنامج اجتماعي أو إصلاحي، مهما بلغت قيمته، لن يجد طريقه إلى التحقيق العملي دون الاستناد إلى حكومة صالحة تتولى تنفيذه، وإلا فسيظل حبيساً في دائرة الأفكار والنظريات المجردة. ولهذا السبب، لم يكن الحديث عن تشكيل الحكومة مطروحاً في مكة، إذ كان النبي (ص) منشغلاً في تلك المرحلة ببناء عناصر واعية وثورية، قادرة على تحمل مسؤولية إدارة حكومة صالحة في المستقبل.

ويمثل “بيت المال” ركناً أساسياً لا ينفك عن الحكومة الإسلامية. فالنظر في المصارف الثمانية للزكاة التي حددها القرآن الكريم يظهر أن الحكومة الإسلامية تعتمد على بيت المال في تشكيل الجيش، ومكافحة الفقر الاقتصادي، والقيام بالأعمال العمرانية، وغير ذلك من المجالات الحيوية. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60].

ومن اللافت أن القرآن الكريم يقرن “الجهاد بالأنفس” بـ”الجهاد بالأموال”، مما يعني أن هذين الجانبين يجب أن يحظيا بالاهتمام معاً في نسيج الحكومة الإسلامية الثورية. فالجهاد لا يقوم على الأرواح وحدها، بل يحتاج إلى الأموال التي تسيّر آليته وتؤمن متطلباته.

وتجدر الإشارة إلى أن أموال بيت المال الإسلامي ليست أمراً يُطلب من الناس بالإستجداء أو المنة، بل هي حق ثابت يجب تحصيله. فآية وجوب الزكاة تبدأ بفعل الأمر “خذ”: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]، مما يدل على أن جمع الزكاة مهمة حكومية ملزمة، وأن دفعها سبب لتطهير المجتمع ونمائه. وكذلك آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]، حيث تعلن مشاركة بيت المال وأرباب الخمس كمالكين مشاعين في أموال الناس، وهو دليل آخر على ارتباط الحكومة الإسلامية الوثيق بالمسائل الاقتصادية.

وعليه، فإن للحكومة الإسلامية، إلى جانب الأموال الخاصة التي تملكها، حصة ونصيباً في الأموال الخاصة للناس وفق ضوابط شرعية معينة، مما يحافظ على ارتباطها الحيوي بالشؤون الاقتصادية للأمة.

وقد ورد ذكر “الصلاة” و”الزكاة” إلى جانب بعضهما في آيات كثيرة من القرآن، مما يدل على أن الاهتمام بالخالق (الصلاة) والاهتمام بالخلق (الزكاة) هما في نسيج الحكومة الإسلامية كالسدى واللحمة، لا ينفصلان. والامتناع عن دفع الزكاة في وجه الحكومة الإسلامية يُعتبر خروجاً على الحكومة وتمرداً على صفوف المسلمين، بل يمكن القتال ضد هؤلاء، وهذا يوضح مدى ارتباط الحكومة الإسلامية بالمسائل الاقتصادية وضرورتها لبقائها واستقرارها.

ثانياً: من زاوية التنظيم الاجتماعي

بعيداً عن تنظيم الحكومة الإسلامية، يمكن استخلاص أولوية المسائل الاقتصادية من منظور الإسلام في تنظيم “المجتمع الإسلامي” من خلال ما يلي:

أ. الأموال والثروات ودائع إلهية: تصف النصوص الإسلامية الأموال والثروات بأنها ودائع إلهية في أيدي الناس، وركن أساسي في المجتمع لا يمكن الاستغناء عنه. يقول الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، أي أنفقوا مما جعلكم خلفاء فيه. ويقول أيضاً: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، أي أعطوهم من مال الله الذي آتاكم. كما ورد في آية الوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180]، وكلمة “خيراً” الواردة دون قيد أو شرط تدل على أن الأموال المكتسبة من طريق مشروع (وليس من طريق الاستغلال أو السلب أو العدوان على حقوق الآخرين) هي خير مطلق، خير للدين والدنيا، وخير لتحقيق البرامج الثقافية، وإقامة العدالة الاجتماعية، والدفاع عن استقلال المجتمع وحريته.

ب. الفقر والغنى في المنظور الإسلامي: يعتبر الإسلام الفقر الاقتصادي دافعاً للذنوب، بينما يجعل الغنى المادي معيناً على التقوى والروحانية. فقد ورد عن النبي الأكرم (ص) قوله: “نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْغِنَى” (1)، أي نعم العون على تقوى الله الغنى. كما قال الإمام الصادق (ع): “غِنًى يَحْجُزُكَ عَنِ الظُّلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَقْرٍ يَحْمِلُكَ عَلَى الْإِثْمِ” (2)، أي غنى يمنعك عن الظلم خير من فقر يحملك على الإثم.

ج. الفقر مصدر للضعف الديني: في بعض النصوص الإسلامية، يُعتبر الفقر المادي مصدراً للكفر وضعف الإيمان، ومن ذلك الحديث المشهور عن النبي الأكرم (ص): “كاد الفقر أن يكون كفراً”، أي قارب الفقر أن يكون كفراً.

د. الفقه الإسلامي والأنظمة الاقتصادية: جزء كبير من الفقه الإسلامي المستمد من الآيات والروايات يتعلق بالأنظمة الاقتصادية وقوانينها وتنظيماتها. فقد أُلفت كتب متعددة في الفقه تحت عناوين: كتاب الغصب، كتاب الديون، كتاب المزارعة، كتاب المساقاة، كتاب المتاجر، كتاب إحياء الموات، كتاب الشفعة، كتاب الوقف، كتاب الوديعة، كتاب الرهن، كتاب المصالحة، كتاب اللقطة، كتاب الزكاة، كتاب الخمس، كتاب الأنفال وغيرها. وقد نوقشت المسائل المالية والحقوقية بكل دقائقها على أساس تحقيق العدالة الاجتماعية، مما يدل على مدى أهمية هذه المسائل في الإسلام ومدى عنايته بتنظيمها.

هـ. التحكم بالثروة ومكافحة التراكم: في تعاليم الإسلام، تحظى مسائل التحكم بالثروة، ومكافحة التكديس والتراكم، ومنع تحول المجتمع إلى قطبين متناقضين (أغنياء وفقراء)، بأهمية بالغة. فالقرآن الكريم يذم الذين يكنزون الأموال ولا ينفقونها في سبيل الله، ويحذر من التكاثر الذي يشغل الإنسان عن طاعة ربه.

الخلاصة:

يتضح مما تقدم أن الإسلام لا ينظر إلى المسائل الاقتصادية نظرة سطحية أو محدودة، بل يربطها ارتباطاً عضوياً بتشكيل الحكومة الصالحة وتنظيم المجتمع العادل. فالأموال والثروات في منظومة الإسلام ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق العبودية لله، وإقامة العدل بين الناس، وتمكين المجتمع من النهوض برسالته الحضارية.


الهوامش:
(1) الكافي، ج 5، ص 71
(2) الكافي، ج 5، ص 72

المصدر: موقع سماحة آية الله مكارم الشيرازي

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال/ سبب خروج الإمام الحسين عليه السلام؟
هل الإمام الحسين (عليه السلام) طلب من عمر بن سعد (لعنه الله تعالى) بعدما حوصر أخذه إلى يزيد ومبايعته؟
الردّ على ثلاث شبهات شائعة حول الحجاب
حين يطلب العقل ما لا يطيق
أحكام شرعية | دفع تكلفة الخدمات مع عدم الاستفادة منها

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل