ما مدى أهمية العلاقات الاجتماعية في القرآن الكريم؟

في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، أشارت الآيات إلى أهمية العلاقات الاجتماعية، لا سيما في الظروف الحرجة التي تمر بها المجتمعات؛ إذ ينبغي أن تتجلى هذه العلاقات في جميع أركان الأمة، لتتمكن من التصدي لمؤامرات العدو بكلمة واحدة وصوت واحد. وفي هذا المطلب، نعرض رؤية قرآنية متكاملة حول هذه القضية المحورية.

السؤال: ما مدى أهمية العلاقات الاجتماعية في القرآن الكريم؟

الجواب:

لا يبلغ المجتمع البشري، الذي يشكل مصدراً لكل التطورات والنجاحات العلمية والاجتماعية، غايته المنشودة إلا إذا ارتبط بأقوى العلاقات. فبدون ذلك يتحول إلى جحيم حارق يستنزف الجهود والطاقات دون أن يجني المجتمع ثمار تعاونه وتضامنه.

من هنا، يؤكد كتاب الله من جهة على الوحدة العامة للعالم البشري بوصفه أعضاء أسرة واحدة وإخوة ولدوا من أب واحد وأم واحدة، كما ورد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [1]. ومن جهة أخرى، يعتبر المؤمنين أعضاء جسد واحد، بغض النظر عن اختلاف اللغة والعرق، فيقول: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [2]، أي أنكم جميعاً من جنس واحد، أعضاء جسد واحد متكامل. ويؤكد هذا المعنى أيضاً بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [3]، فالمؤمنون والمؤمنات أولياء بعضهم لبعض، يتعاضدون ويتكافلون.

ولا يكتفي القرآن بهذا، بل يضيف إلى رابطة الإنسانية ورابطة الإيمان تأكيداً خاصاً على صلة الرحم التي تقع في نطاق أضيق وأقرب، ويصف قطعها بأنه إثم كبير، فيقول: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [4]. كما يقرن قطع الأرحام بالفساد في الأرض في سورة محمد (ص): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [5]، فيجعل قطع الأرحام مقترناً بالفساد في الأرض، وسبباً للصمم وعمى البصيرة.

تصل أهمية هذه العلاقات في الإسلام إلى حد أن كل ما يعززها ويقويها يصبح مطلوباً ومحبوباً، حتى أن الكذب الذي هو أقبح الذنوب أباحته الشريعة إذا كان الغرض منه الإصلاح بين الناس وتأليف القلوب. وفي المقابل، كل ما يؤدي إلى تفكك هذه العلاقات أو إضعافها يصبح مكروهاً مرفوضاً مهما كان اسمه ومسماه، لما يترتب عليه من انهيار للتماسك الاجتماعي وزوال للأمن والاستقرار [6].


الهوامش:

[1] سورة الحجرات، الآية 13.

[2] سورة آل عمران، الآية 195.

[3] سورة التوبة، الآية 71.

[4] سورة البقرة، الآية 27.

[5] سورة محمد، الآيتان 22-23.

[6] من كتاب: پیام قرآن، آية الله العظمى ناصر مكارم الشيرازي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1386 هـ.ش، ج 8، ص 256.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

إذا كان رمضان هو شهر ضيافة الله، فلماذا نحرم من نعمه كالأكل والشرب؟
هل توجد أدلة عقلية على الشفاعة ؟
حجة الإسلام والمسلمین فلاح‌زاده يجيب: ما هو واجب المقلدين بعد استشهاد الإمام الخامنئي؟
تحليل الأجر والثواب المذهل لبعض الأعمال
السؤال: نلتقي أحيانًا بأشخاص يقومون بالكثير من أعمال الخير؛ يبنون المستشفيات، يشيّدون المدارس، يساعدون المحتاجين، ثم يقولون: «أنا أؤمن بالله وحده، ولا أؤمن بالنبي ولا بأهل البيت.» بل وربما يقول بعضهم: «أنا أصلًا لا أؤمن بالدين، وكل ما أفعله بدافع الإنسانيّة فقط.» ويُطرح هنا السؤال: هل يكون مصير مثل هذا الإنسان حسنًا في النهاية؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل