تقتضي طبيعة الفتنة أن يمر بعض الأفراد بالمحن بصبر وثبات، بينما يزل آخرون فيقعون هم والآخرون في الضرر. إن كلمة “فتنة” تُعد من أكثر المفاهيم تأثيرًا في شبكة المعاني القرآنية والروائية، وقد ذكر أهل اللغة ثلاثة معانٍ لها: الأول، الإحراق بالنار؛ الثاني، الاختبار والامتحان؛ والثالث، الاضطراب والخلل في النظام. ومن بين هذه المعاني، يمتاز المعنى الثاني بشموليته ودلالته العامة، إلا أن المعنى الثالث يرتبط ارتباطًا أوثق بالمفهوم الاصطلاحي للفتنة، المتمثل في الأحداث الاجتماعية المثيرة التي تمتزج فيها عناصر الحق والباطل.
على أية حال، يظل الهدف المشترك وراء هذه المعاني الثلاثة هو تصفية الأفراد وتنقيتهم عبر الاختبارات الإلهية، إذ يعتبر المؤمن الفطن الدنيا مجرد ممر إلى الآخرة، وكل لحظة فيها هي ساحة للاختبار الإلهي ونمو الشخصية الروحية والأخلاقية. يقول معمر بن خالد نقلاً عن الإمام الكاظم (ع): قال لي: ما الفتنة؟ قلت: جعلت فداك، ما نعرفه هو الامتحان في الدين. فقال: “يُمْتَحَنُونَ كَمَا يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ، ثُمَّ يُخَلَّصُونَ كَمَا يُخَلَّصُ الذَّهَبُ” [الكافي، ج 1، ص 369].
ما يلفت النظر في سياق الفتن الفردية والاجتماعية هو زلة البعض الذين لم يتمكنوا من اجتياز الاختبارات الصعبة مرفوعي الرأس، فوقعوا في مزالق فكرية وأخلاقية، في حين يظل آخرون صامدين ومتمسكين بالصبر. ويجب التمييز بين هؤلاء وبين المفسدين الذين يسعون لاستغلال الفوضى وخداع الناس لتحقيق أهدافهم الشريرة. ففي مثل هذه الظروف، يصبح التفريق بين المخدوعين العاديين والمعتدين المتعمدين أمرًا حيويًا، كما أكد أمير المؤمنين علي (ع) في نهج البلاغة: “ما كل مفتون يعاتب” [نهج البلاغة، حكمة 15].
إن فهم هذه الحقيقة لا يقتصر على الجانب الأخلاقي الفردي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والسياسي، حيث تشير الفتنة إلى اختبار الجماعة والمجتمع بأسره، وتبيّن قيمة الصبر والثبات واليقظة أمام الفوضى والخداع. وبالتالي، فإن التعامل مع المخدوعين يجب أن يكون مبنيًا على التفريق بين من وقع في الاختبار بغير قصد وبين من استغل الفتنة عمداً، مراعاةً لمبدأ العدالة ورعاية استقرار المجتمع.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





