السؤال: أخي يعاني من مشاكل مع زوجته، أقول له: عاملها بالرفق واللين! فيجيب: وما الفائدة من ذلك؟ (ما هي آثار وفوائد المداراة؟)
الجواب:
الإنسان فطريًّا يسعى وراء المنفعة، ويحرص على فعل ما يعود عليه بالنفع الأكبر. وفهم النتائج الإيجابية لأي سلوك يزيد من شغفه ورغبته في التحلي به، فيبذل جهدًا لتحقيقه. والرفق والمداراة مع الآخرين ليس استثناءً من هذه القاعدة. فما هي آثار هذه الفضيلة، وكيف تعود بالنفع على الإنسان في دنياه وآخرته؟
المصادر الدينية تضمنت نتائج متعددة للمداراة، يمكن تقسيمها إلى آثار دنيوية وثواب أخروي.
الآثار الدنيوية للمداراة:
١. النجاح في الأمور
من بركات المداراة، قدرة الإنسان على مواصلة مسيرته وتحقيق النجاح في أعماله. فالشدة والتصادم تخلق العقبات وتثبط الهمة، أما اللين والمداراة فتسهل التفاعل مع الآخرين وتكمل المسيرة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
“ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يدارى به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل” [1].
٢. حفظ الأمان ومنع العداوات
المداراة تمنع تأجيج النزاعات، وتؤسس أرضية للسلام بين الناس. قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
“الرفق يفل حد المخالفة” [2]
“دار الناس تأمن غوائلهم وتسلم من مكائدهم” [3]
كما قال سعدي: “سعادة الدارين في هذين القولين: مع الأصدقاء المروءة، ومع الأعداء المداراة”
ويأتي في تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]:
“أي للناس كلهم مؤمنهم ومخالفهم، أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان، فإنه بأيسر من ذلك يكف شرورهم عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين” [4].
٣. حفظ الإيمان وتقويته
الإيمان كالنبتة يحتاج إلى الرعاية. والمداراة تمنع الصراعات التي تهيئ أرضية للشيطان، فتستمر حياة الإنسان الروحية في أمان. قال الإمام الباقر (عليه السلام):
“إن لكل شيء قفلاً، وقفل الإيمان الرفق” [5].
٤. تيسير الأمور وتسهيل التعاملات
التعنّت والصدام يعرقل الأعمال، بينما اللين والرفق يسهل الإنجاز ويقوي التعاون. قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
“الرفق ييسر الصعاب ويسهل شديد الأسباب” [6].
٥. جذب الآخرين وإصلاحهم
اللين والمداراة يجذبان القلوب ويهيئان أرضية لتغيير الآخرين نحو الخير. قال الله تعالى لموسى وهارون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]
وقال الإمام علي (عليه السلام):
“استصلاح الأعداء بحسن المقال وجميل الأفعال أهون من ملاقاتهم ومغالبتهم بمضيض القتال” [7]
“فداروهن على كل حال، وأحسنوا لهن المقال لعلهن يحسن الفعال” [8].
٦. المداراة نوع من الصدقة
في الثقافة الدينية، المداراة تعتبر صدقة، تدفع البلاء وتجلب الصحة والعافية. قال الإمام الصادق (عليه السلام):
“إن مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه وإخوانه” [9].
٧. استمرارية الصداقات والمحبة
الشدة تعيق المحبة، أما الرفق فيرسخ الصداقات ويجعلها مستمرة. قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
“رفق المرء (وسخاؤه) يحببه إلى أعدائه” [10]
“بالرفق تدوم الصحبة” [11]
“دار الناس تستمع بإخائهم” [12].
٨. خير الدنيا والآخرة
التحلي بالمداراة يجلب للإنسان خير الدنيا والآخرة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
“من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الدنيا والآخرة” [13].
٩. زيادة الرزق والبركة
اللين والصبر يسهّلان التعامل مع الناس، مما يزيد البركة في الرزق. قال الإمام الصادق (عليه السلام):
“أيما أهل بيت أعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق… إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق” [14]
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
“إن في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير” [15].
١٠. العزة والرفعة الاجتماعية
المداراة ترفع مكانة الإنسان في المجتمع، فالشخص اللطيف محبوب للجميع. قال الإمام الصادق (عليه السلام):
“إن قوماً من قريش قلت مداراتهم للناس فنفوا من قريش، وايم الله ما كان بأحسابهم بأس، وإن قوماً من غيرهم حسنت مداراتهم فألحقوا بالبيت الرفيع… من كف يده عن الناس فإنما يكف عنهم يداً واحدة، ويكفون عنه أيدياً كثيرة” [16].
الآثار الأخروية للمداراة:
١. نيل ثواب أعظم
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
“ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجرا وأحبهما إلى الله عز وجل أرفقهما بصاحبه” [17].
٢. الأمان من عذاب النار
“حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس” [18].
٣. بلوغ درجات الصبر والرضا العالية
المداراة مصحوبة بالصبر والحلم، كما جاء في حديث الإمام الباقر (عليه السلام):
“إني لأصبر من غلامي هذا ومن أهلي على ما هو أمر من الحنظل، إنه من صبر نال بصبره درجة الصائم القائم، ودرجة الشهيد الذي قد ضرب بسيفه قدام محمد (صلى الله عليه وآله)” [19].
الخلاصة:
اللين والمداراة تحقق للإنسان نتائج عظيمة في الدنيا والآخرة: نجاحًا في الأعمال، أمانًا من العداوات، حفظ الإيمان، تيسير الأمور، استمرار الصداقات، زيادة الرزق، العزة والمكانة، ونيل ثواب الصابرين والقائمين والشهداء في الآخرة. المداراة ليست مجرد خلق حسن، بل طريق عملي للخير في الدنيا والآخرة.
مصادر للمزيد من القراءة:
- الإسلام وسبل التعايش مع غير المسلمين، تأليف حسين سياح.
- دراسة الأبعاد المختلفة لمسألة المداراة في النصوص الدينية، تأليف محمد علي بيلتن.
- التسامح والمداراة في القرآن، تأليف حسين فرزانه بور ومحمد بخشائي زاده.
الهوامش:
[1] الكافي، ج 2، ص 116.
[2] غرر الحكم ودرر الكلم، ص 815.
[3] غرر الحكم ودرر الكلم، ص 818.
[4] البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 266.
[5] الكافي، ج 2، ص 118.
[6] غرر الحكم ودرر الكلم، ص 95.
[7] عيون الحكم والمواعظ، ص 57.
[8] من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 554.
[9] تفسير الإمام الحسن العسكري (ع)، ص 354.
[10] عيون الحكم والمواعظ، ص 269.
[11] غرر الحكم ودرر الكلم، ص 305.
[12] غرر الحكم ودرر الكلم، ص 818.
[13] نهج الفصاحة، ص 738.
[14] الكافي، ج 2، ص 119.
[15] الكافي، ج 2، ص 119.
[16] الخصال، ج 1، ص 17.
[17] الكافي، ج 2، ص 120.
[18] نهج الفصاحة، ص 441.
[19] ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص 198.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل