السؤال:
هل للمثل القائل “عذر أقبح من ذنب” جذور في التعاليم الدينية؟
الجواب:
يُستخدم مصطلح “عذر أقبح من ذنب” في الحالات التي يحاول فيها الأفراد تقديم أعذار وتبريرات لأخطائهم وزلاتهم، لا تكون مقنعة فحسب، بل لو كانت تلك المبررات المقدمة لتبرير الأخطاء حقيقية، فإنها تمثل بحد ذاتها خطأ أكبر وخطأ لا يمكن تبريره!
ورغم أن مصطلح “عذر أقبح من ذنب” قد يكون موجوداً في مسيرة الحياة البشرية عبر التاريخ، وليس موضوعاً طرحته الأديان أول مرة، إلا أنه يمكن العثور على أمثلة في القرآن الكريم والروايات تشير إلى هذا المعنى بشكل أو بآخر، ونذكر منها بعض النماذج:
أولاً: من القرآن الكريم
١. عذر المنافقين بعد محاولة اغتيال النبي (ص)
يقول الله تعالى مخاطباً الكافرين:
﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [1]
ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت بشأن مؤامرة المنافقين بعد غزوة تبوك لاغتيال النبي (ص)، حيث خططوا لإفلات ناقته في مكان خطير على قمة عقبة، لتصاب الناقة ويصاب النبي (ص) بأذى جسدي. وبعد فشل المؤامرة، قالوا: “كنا نلعب ونتحدث” [2]! ومن الواضح أن المزاح الذي قد يؤدي بنسبة عالية إلى موت أو إصابة بالغة للطرف الآخر لا يمكن أن يكون عذراً مقبولاً لسلوك خطير كهذا!
٢. عذر المشركين باتباع الآباء
يقول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم (ع):
﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [3]
تشير هذه الآية إلى أن اتباع الآباء والأجداد لا يمكن أن يكون عذراً مقبولاً للشرك بالله، بل ربما يكون هذا التقليد الأعمى أقبح من الشرك نفسه!
٣. عذر المتخلفين عن غزوة تبوك
يقول الله تعالى:
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [4]
وهذه الآية تتحدث عن أولئك الذين تخلفوا عن غزوة تبوك واعتذروا بأعذار واهية، فرفض الله عذرهم.
ثانياً: من الروايات
ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال:
“رُبَّ ذَنْبٍ أَحْسَنُ مِنَ الِاعْتِذَارِ مِنْهُ” [5]
ومعنى كلام الإمام (ع) أن بعض أنواع الاعتذار تكون أقبح من الذنب نفسه الذي نرتكبه.
خاتمة:
ما قيل ليس معناه أن الإنسان لا ينبغي له أن يعتذر عن الأخطاء التي يرتكبها بحق الآخرين في المجتمع؛ بل هو فقط يشير إلى حقيقة أنه لا ينبغي لنا أن نبحث عن مبررات وأعذار واهية لتبرير الذنوب والظلم الذي نرتكبه، فمثل هذا السلوك يمكن اعتباره أقبح من الذنب نفسه. بل في المقابل، يجب علينا أن نعترف بأخطائنا دون أي عذر أو تبرير، ونسعى جاهدين للتكفير عنها ما أمكننا ذلك.
الهوامش:
[1] سورة التوبة، الآية 66.
[2] راجع: الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 323-333، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة، 1417 هـ؛ مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير الأمثل، ج 8، ص 22-28.
[3] سورة الشعراء، الآيات 72-74.
[4] سورة التوبة، الآية 94.
[5] الحلواني، حسين بن محمد، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 84، قم، مدرسة الإمام المهدي (عج)، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل