ما مدى أهمية صلة الرّحم في الإسلام؟

تُعَدُّ صلة الرحم من أعظم القيم الأخلاقية والإنسانية التي حثّت عليها جميع الشرائع السماوية، وقد بلغ الاهتمام بها في الإسلام مبلغاً جعلها مقرونة بالإيمان بالله واليوم الآخر. فهي ليست مجرد سلوك اجتماعي، بل عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وتنعكس آثارها الإيجابية على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة. وفي هذا المطلب، نستعرض أهمية صلة الرحم من منظور النصوص القرآنية والروايات الشريفة، لنتعرف على مكانتها العظيمة وعاقبة قطيعتها التي تعد من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله.

السؤال:
ما مدى أهمية صلة الرحم في الإسلام؟

الجواب:
لقد أولى الإسلام -سبحانه وتعالى- أهمية استثنائية لصلة الرحم، ذلك أن مساعدة الأقارب ودعمهم وحبهم من أسمى القيم الإنسانية، وفي المقابل نهى بشدة عن قطيعة الرحم وقطع العلاقة مع الأرحام والأقارب.

وبلغت أهمية صلة الرحم مبلغاً جعل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يقول: “صِلَةُ الرَّحِمِ تَعْمُرُ الدِّيَارَ وَ تَزِيدُ فِي الأَعْمَارِ، وَ إِنْ كَانَ أَهْلُهَا غَيْرَ أَخْيَار” [1].

كذلك نقرأ في كلمات الإمام الصادق (عليه السلام): “صِلْ رَحِمَكَ وَ لَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَ أَفْضَلُ مَا يُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ كَفُّ الأَذَى عَنْهَا” [2].

وعلاوة على ذلك، بلغ قبح قطيعة الرحم درجة أن الإمام السجاد (عليه السلام) نصح ابنه بأن يتجنب مصاحبة خمس فئات، وكانت إحداها هم قاطعي الرحم، حيث قال: “وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْقَاطِعِ لِرَحِمِهِ، فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعُوناً فِي كِتَابِ اللَّهِ” [3].

وفي سورة محمد (صلى الله عليه وآله)، وبالتحديد في الآيتين 22 و 23، يقول الله تعالى:

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].

وباختصار، فإن القرآن الكريم يستخدم تعبيرات شديدة تجاه قاطعي الرحم وقطعي صلة الأرحام، كما تواترت الأحاديث الإسلامية في ذمهم وتوبيخهم.

من جهة أخرى، سُئل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): أي الأعمال أبغض إلى الله؟ فأجاب: “الشرك بالله”. قيل: ثم ماذا؟ قال: “قطيعة الرحم” [4].

أما السر في إصرار الإسلام على صلة الرحم والحفاظ عليها، فهو أنه لإصلاح وتقوية وتقدم وازدهار وعظمة أي مجتمع كبير، سواء من الناحية الاقتصادية أو العسكرية أو من حيث الجوانب المعنوية والأخلاقية، ينبغي البدء بوحداته الصغيرة. فبصلاح وتقوية جميع الوحدات الصغيرة، يصلح المجتمع العظيم تلقائياً ويقوى.

لقد استفاد الإسلام من هذه الطريقة بشكل أتم وأكمل من أجل عزة المسلمين ورفعتهم، فأمر بإصلاح الوحدات التي لا يمتنع الناس عادة عن مساعدتها وإعانتها وتعظيمها، لأنه يوصي بتقوية أولئك الذين تجري دماؤهم في العروق والجلود، والذين هم أفراد أسرة واحدة. ومن المعلوم أنه عندما تقوى المجتمعات الصغيرة المرتبطة بالرحم، فإن مجتمعهم العظيم سيعظم أيضاً ويقوى من جميع النواحي. ولعل الحديث الذي يقول: “صِلَةُ الرَّحِمِ تَعْمُرُ الدِّيَارَ” [5] يشير إلى هذا المعنى [6].


الهوامش:

[1] سفينة البحار، ج 1، ص 514؛ بحار الأنوار، ج 47، ص 163.

[2] سفينة البحار، ج 1، ص 514؛ بحار الأنوار، ج 71، ص 88؛ الكافي، ج 2، ص 151، ح 9 (دار الكتب الإسلامية).

[3] سفينة البحار، ج 1، ص 516 (مادة رحم)؛ بحار الأنوار، ج 71، ص 196؛ الكافي، ج 2، ص 377، ح 7.

[4] سفينة البحار، مادة رحم؛ الكافي، ج 2، ص 289، ح 4؛ بحار الأنوار، ج 69، ص 106، ح 4 وص 196، ح 20.

[5] بحار الأنوار، ج 47، ص 163 و 211.

[6] مقتبس من كتاب: تفسير الأمثل، آية الله العظمى ناصر مكارم الشيرازي، دار الكتب الإسلامية، الطبعة 55، ج 1، ص 195.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

تعقيبات الصلاة / آية الله العظمى شبيري زنجاني
أحكام شرعية | الضمان بعد البيع
السؤال: أليس الله عادلاً؟ وإذا كان لا يهب الإنسان ما لا مصلحة له فيه، فلماذا خَلَق بعض عباده ناقصي الخِلقة؟ هل ليتعذّبوا؟ أريد أن أفهم فلسفة ذلك.
السؤال: ورد في الحديث عن الأئمّة عليهم السلام: نحن حجة الله على خلقه وأمّنا فاطمة حجة الله علينا. ما معنى "وأمّنا فاطمة حجة الله علينا"؟
الأحكام الشرعية | السخرية من الأشخاص بقصد المزاح

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل