في زمن الحروب الهجينة، حيث يسعى العدو بقنابله الإخبارية إلى اغتيال هدوء العائلات، فإن الاحتماء بحصن “السكينة الإلهية” الحصين هو السبيل الوحيد للحفاظ على الأمان النفسي للأطفال والمجتمع.

فيما يلي تناول حجة الإسلام والمسلمين محمد حسين أمين، الكاتب والباحث الديني استراتيجيات إدارة القلق الاجتماعي من منظور قرآني في أيام الأزمات، موضحاً الفرق بين الخوف العقلاني والمخاوف المصطنعة من قبل العدو.

تفريق المخاوف: الفرق بين “الخوف العقلاني” و”الخوف الشيطاني الكاذب”

في أيام الحرب الملتهبة والهجوم الإعلامي المتواصل بالأخبار المرعبة، يبدو الخوف والقلق رد فعل بشرياً طبيعياً. لكن المدرسة العقلانية في الإسلام تفرق بين نوعين أساسيين من الخوف:

النوع الأول: “الخوف العقلاني اليقظ: وهو الخوف الذي يدفع الإنسان نحو التدبير والاستعداد والاحتماء وإيجاد الحلول. هذا الخوف ليس مذموماً فحسب، بل هو نعمة إلهية للحفاظ على البقاء وصيانة كيان المجتمع الإسلامي في مواجهة الهجمات الوحشية للأعداء.

النوع الثاني: فهو “الخوف الكاذب المشل”: وهو الذي لا مصدر عقلاني له، وإنما هو مجرد نتاج ضخ الأكاذيب والإشاعات والحرب النفسية المنبثقة عن غرف التفكير الإعلامية لأمريكا وإسرائيل. هذا الخوف، خلافاً للنوع الأول، لا يقود الإنسان إلى البحث عن حلول، بل يكدر القلب ويُوهن الإرادة ويدفع الفرد إلى شرنقة اليأس والسلبية. الهدف الأساسي للجيوش السيبرانية للعدو في ليالي العمليات هو خلق هذا الخوف الكاذب لتفكيك الجبهة الداخلية للمقاومة.

يكشف القرآن الكريم بصراحة عن هذه الخدعة النفسية، ويعزو جذور هذه المخاوف السامة والمشلّة إلى إبليس وأبواقه الإعلامية، قائلاً:

“إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” (آل عمران، 175)

فالمؤمن، مستنداً إلى هذه الآية، يفصل الحذر العقلاني عن الأوهام والتخويف الشيطاني، ولا يقع فريسة اللعبة النفسية للعدو.

إكسير “السكينة” في تلاطم الأمواج: سر طمأنينة المؤمنين في خضم الحرب

عندما تهب رياح الإشاعات المسمومة من كل جانب، وتُقرع طبول الحرب، فأي عامل يمكنه أن يثبت قلوب المؤمنين كالجبال؟

يطلق القرآن الكريم على هذا الهدوء العميق والخارق للطبيعة اسم “السكينة”؛ إنه ليس هدوءاً مصطنعا، بل هو نور ينزله الله على قلوب المؤمنين في ذروة العواصف. هذا الهدوء هو ثمرة التسليم للرب والثقة بوعوده التي لا تخلف في أيام الأزمات.

إن تاريخ الإسلام في غزوة الأحزاب يقدم أروع لوحة لهذا الفرق النفسي؛ حين اتحدت جميع قبائل وأحزاب الكفر للقضاء على الإسلام وحاصرت المدينة. في ذلك اليوم العصيب، ارتعد المنافقون وضعاف الإيمان، وتملكهم قلق شديد، وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. لكن في المقابل، ثبت المؤمنون الصادقون، عند رؤية جحافل جيش العدو ولم يخافوا، بل امتلأت قلوبهم هدوءاً وإيماناً، وهتفوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله[2].

هذا هو المعنى الفريد الذي تشير إليه سورة الفتح:

“هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ” (الفتح، 4)

الفرق بين جبهة الحق وجبهة الباطل في أيام الأزمات هو هذا: أولئك يعتمدون على المعدات والإشاعات وهم أسرى القلق والاضطراب الدائم، وهؤلاء متصلون بقوة لا تزول ويذوقون طعم السكينة والطمأنينة الإلهية حتى في قلب النار.

بناء الحصون العاطفية في البيت عبر “الصيام الإعلامي”

الآن، المهمة الأساسية للآباء والأمهات في ليالي العمليات وأيام التوتر هي تحويل الأسرة إلى جنة هادئة بعيدة عن الاضطرابات الإعلامية.

أولاً: “الصيام الإعلامي”: أي تقليل المدخلات الإخبارية إلى البيت. إن تصفح الأخبار والقنوات بشكل مستمر ووسواسي بحضور الأطفال، يقوّض هدوءهم النفسي. طبعا هذا لا يعني ذلك أن نتجاهل الأخبار أو ننصرف عن متابعتها، ولكن ليس من المفترض أيضاً أن نسمم روح أطفالنا بضخ متكرر للخوف والإشاعات.

ثانياً: قراءة لغة الجسد: يرى الأطفال العالم من خلال عيون آبائهم وأمهاتهم، ويقرأون القلق من وجوههم ونبرة أصواتهم. إذا حافظ الوالدان على هدوئهما ورباطة جأشهما في ليالي التوتر، فإنهما ينقلان أعظم رسالة أمان إلى الطفل.

ثالثاً: تحويل البيت إلى واحة دافئة: من خلال خلق أجواء حميمية، وإجراء ألعاب عائلية، ومحادثات عاطفية، يمكن توجيه ذهن الطفل من هدير الصواريخ وصوت صفارات الإنذار نحو دفء أحضان الأسرة وأمان المنزل.

رابعاً: إيناس البيت بذكر الله والدعاء الجماعي: وهو الأسلوب الأسمى، وذلك عندما نعلّم أطفالنا بنبرة حلوة وهادئة أن فوق كل القوى قوة الله، وحين نتلو معاً سورة يس أو حديث الكساء، فإننا ننشر قبة حديدية روحية حول منزلنا. هذا الارتباط بالمعارف والمعنويات لا يعالج قلق اليوم فقط، بل يصنع من أطفالنا أناساً فولاذيين شجعاناً متوكلين، قادرين على مواجهة عواصف المستقبل الأشد عنفاً.


المصادر:

[1] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 175.

[2] راجع: القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآيتان 12 و22 (تبيان الفرق بين نظرة المنافقين والمؤمنين لدى مواجهة جيش العدو في غزوة الأحزاب).

[3] القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 4.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل