لماذا نخوض حرباً تسبب خسائر بشرية ومادية؟

لا يُتوقع الفهم والتحليل الصحيح من أولئك الذين لا يدركون قيمة الحرب، والذين تغيب عنهم حقيقة أن الدفاع والمقاومة في وجه المعتدي قيمة فطرية عقلية إنسانية، بغض النظر عن أي دين أو مذهب، والذين لا يعرفون أبجديات العزة والكرامة، ويتجاهلون في خضم الحرب وهجوم العدو أن الدفاع في وجه معتدٍ يستهدف استقلال وعزة الأمم والشعوب الحرة أمر ضروري لا غنى عنه.

لكن إذا كنتم لا تملكون القدر الكافي من الغيرة والشرف لتدينوا هذا العدوان العلني بألسنتكم، فعلى الأقل اصمتوا، ولا تجهروا بجهلكم وحماقتكم وخستكم بهذا الشكل.

الدفاع في وجه عدو يسعى لإخضاعنا بلا قيد أو شرط هو بلا شك عمل ذو قيمة. هل هذه الخسائر والمآسي أكبر من فقدان استقلال البلاد وعزتها والخضوع للذل؟ بالطبع، للحفاظ على استقلال وعزة الأمم في وجه المعتدين، لا بد من دفع الثمن؛ لكن الثمن الذي يُدفع من أجل عزّة الشعوب ورفعتها، هو أقل بكثير من الثمن الذي يترتب على الاستسلام للعدو. فثمن الاستسلام هو فقدان العزة والكرامة وسقوط الأمة؛ وهو أمر لا تسمح به الكرامة الإنسانية، ولا الغيرة الوطنية، ولا الغيرة الدينية.

وبهذا المنطق الأبله، لن تكون أي حرب، رغم خسائرها، ذات قيمة للدفاع، ويجب أساساً الاستنتاج أنه لا ينبغي تشريع أي حرب من قبل الله، وأن آيات الجهاد كان يجب أن تكون ملغاة!

هل كانت حروب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، التي رافقتها استشهاد المسلمين وخسائر بشرية ومادية، غير ذات قيمة؟

هل كانت استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وما قاسوه من آلام ومصائب، وكذلك مصائب السيدة زينب الكبرى (عليها السلام)، غير ذات قيمة؟

حياة الإنسان ثمينة؛ لكن الأهم من الحياة نفسها هو الهدف والقيمة التي من خلالها يجد الإنسان معنى لحياته. فالحفاظ على الإسلام الأصيل، والاستقلال، والعزة، والإنسانية، والكرامة، هو أثمن من حياة الإنسان. وهذا هو نداء سيد الأحرار، الذي يتردد صداه في أعماق نفوس الأحرار: “هيهات منا الذلة، أبى الله ذلك لنا، ورسوله والمؤمنون، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبـيـة.”[1]

كما قال قائد الثورة الشهيد في آخر خطبة له: “خلافنا مع أمريكا هو أنهم يريدون ابتلاع إيران؛ والشعب الإيراني هو العائق، والجمهورية الإسلامية هي العائق… إنهم يريدون السيطرة على الشعب الإيراني… الشعب الإيراني يعرف دروسه الإسلامية والشيعية جيداً؛ فهو يعرف ما يجب عليه فعله. قال الإمام الحسين (عليه السلام): مثلي لا يبايع مثل يزيد. والشعب الإيراني يقول: شعب مثلنا، بهذه الثقافة وهذا التاريخ وهذه المعارف السامية، لن يبايع قادة مثل الفاسدين الموجودين اليوم على رأس السلطة في أمريكا.”[2]

وهذا المنطق نفسه ينطبق على كل شعوب جبهة المقاومة؛ ففي لبنان، يقف حزب الله والمقاومة الإسلامية في وجه العدو الصهيوني مدافعين عن أرضهم وعزتهم وكرامتهم، وهم يدركون أن ثمن الدفاع، مهما كان باهظاً، أقل بكثير من ثمن الاستسلام والذل. وفي اليمن، يواصل أنصار الله صمودهم في وجه العدوان، مؤمنين بأن الحرية والعزة لا تُمنحان، بل تُنتزعان بالتضحية والفداء. وفي العراق، سطرت المقاومة الإسلامية ملاحم البطولة في وجه قوى الاستكبار، مدافعة عن سيادة بلدها وكرامة أمتها. وفي فلسطين المحتلة، يقدم أبطال المقاومة أروابهم رخيصة في سبيل تحرير أرضهم ومقدساتهم، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك.

إن كل هذه الشعوب تدرك أن الاستسلام للعدو ليس حلاً، بل هو بداية الطريق إلى المزيد من الهوان والتبعية. وإن أي خسارة تُساق في سبيل الحرية والعزة هي خسارة مؤقتة، يقابلها نصر دائم وعزة لا تزول.

بلا شك، بعد انتهاء الحرب وانتصار جبهة المقاومة بإذن الله، سيتذكر جميع شعوب العالم والتاريخ بعظمة ورفعة أولئك الذين وقفوا في وجه نظام الهيمنة ودافعوا عن عزتهم وكرامتهم. وسيصبحون مثالاً يحتذى به لكل شعوب العالم الحرة.

مركز الدراسات والرد على الشبهات في الحوزات العلمية


المصادر:

[1] بحار الأنوار، ج 45، ص 8.

[2] كلمة قائد الثورة الشهيد في لقاء مع أبناء محافظة أذربيجان الشرقية، 28 نوفمبر 2025.

ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

ثلاث مسائل مهمّة من حياة علي الأكبر (ع)
السؤال: لماذا يُعتبر "العدل" أصلاً من أصول الدين؟
السؤال: لماذا خلقني الله؟ أنا لم أُرِد أن أُخلَق فلماذا أوجدني؟ ألكي أُذنب في النهاية ثم أُلقى في جهنّم؟
ما هي فلسفة الابتلاءات والصعوبات؟
الأحكام الشرعية | الضمان الشرعي عند تقديم معلومات خاطئة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل