لماذا نقرأ برواية حفص الكوفي؟ دراسة في أسباب اشتهارها وبعض خصائصها

لعلَّ أكثر المسموعات الدينية في زماننا هو صوت تلاوة القرآن الكريم، فإنَّ أكثر من مليار مسلم في أصقاع المعمورة على اختلاف بلدانهم ولغاتهم يتلون كتاب الله تعالى ويسمعونه بشكل حضوري في المراقد المقدسة والمزارات الشريفة وفي المساجد والجوامع والمحافل أو من خلال وسائل البث والاتصال المتعددة، ولكنك قد تسمع التلاوات تقرأ بقراءات مختلفة، وتعدد القراءات بحثٌ مفصلٌ، وأسبابه بشكل عام معروفة للدارسين، وهي: (اختلاف لغات العرب ولهجاتهم وبدائية الخط في المصاحف الأولى واختلاف المسموع (الرواية)، فالقرآن الكريم لم ينزل مع البعثة النبوية جملة واحدة مكتوباً بين الدفتين، إنما نزل مُنجَّماً بحسب الأسباب والحوادث والمواقف).

الشهرة بالإتقان والضبط

لو تتبعنا لألفينا أنَّ الغالبية العظمى من المصاحف وأكثر المسموعات في العالم الإسلامي تقرأ برواية حفص عن عاصم الكوفي، فما هي أسباب اشتهارها؟ هناك سببان رئيسان:

الأول- اشتهار شيخه عاصم بالضبط والإتقان، قال ابن الجزري في (النشر في القراءات العشر، ج/1: ص/126): “وكان هو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السُّلمي، جلس موضعه ورحل الناس إليه للقراءة، وكان قد جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن”..

وقد ذكره الطبرسي في تفسير (مجمع البيان، ج/1: ص/37): “فأما عاصم فإنه قرأ على أبي عبد الرحمن السُّلمي، وهو قرأ على علي بن أبي طالب عليه السلام، وقرأ أيضاً على زر بن حبيش، وهو قرأ على عبد الله بن مسعود”.. و(زر بن حبيش) هو كوفي أسدي غاضري، روى عنه أبو نعيم الأصبهاني في (حلية الأولياء) روايات في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، قال عنه ابن الأثير الجزري (أسد الغابة، ج/2: ص/312): “أدرك الجاهلية ولم ير النبي صلى الله عليه وآله، وهو من كبار التابعين، وكان فاضلاً عالماً بالقرآن”، وهو الذي روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “أنا فقأتُ عين الفتنة” و: “لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق”، (تأريخ الطبري، ج/8: ص/186).

وقد ترجم لعاصم السيد محسن الأمين العاملي: “وأبو بكر عاصم بن بهدلة أبي النَّجود أحد القراء السَّبعة، تابعيٌ، عدَّه ابن النديم في الفهرست من القراء السَّبعة في الطبقة الثالثة من الكوفيين، قرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السُّلمي القارئ على أمير المؤمنين عليه السلام، ولذا كانت قراءة عاصم أحبُّ القراءات إلى علمائنا”، بحسب (أعيان الشيعة، ج/1: ص/188).

والسُّلمي في جملة من روى وفسَّر قوله تعالى: {سلامٌ على إلْ ياسين (الصَّافات/130)}، أنهم آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد روى الصَّدوق في باب (تفسير آل ياسين) بسنده عن السُّلمي: “أنَّ عمر بن الخطاب كان يقرأ: سلامٌ على آلِ ياسين، قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: آلُ ياسين آلُ محمد (عليهم السلام)” وورد في (معاني الأخبار، ص/122).

ولِعاصم راويان مشهوران: حفص بن سليمان الأسدي الكوفي (ت 180هـ) وشعبة بن عيَّاش الأسدي الكوفي (ت193هـ)، وقال حفص: “قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السُّلمي عن علي بن أبي طالب، وما كان من القراءة التي أقرأتها أبا بكر بن عيَّاش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود” كما ذكره ابن الجزري في (غاية النهاية في طبقات القراء، ج/1: ص/348).

وقد عُرف حَفص بالعلم وبالإتقان، ويقول ابن الجزري عنه: “كان قارئ الكوفة وربيب عاصم بن أبي النَّجود، وهو أعلمُ أصحاب عاصم بقراءته” (غاية النهاية في طبقات القراء، ج/1: ص/254).

ويرى السيد الخوئي (قدس سره) في (معجم رجال الحديث، ج/7: ص/148) إنَّ رواية حفص اختصت بعلو الإسناد وارتفاعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بواسطة واحدة وهو التابعي أبو عبد الرحمن السُّلمي، وقد بين عاصم لحفص ذلك أنه لم يخالف أبا عبد الرحمن في شيء من قراءته، وإنَّ عبد الرحمن لم يخالف علياً في شيء من قراءته..

اتسام الرواية بالسهولة

الثاني- اتَّسمت رواية حفص بالسهولة، فليس فيها إمالة إلا في موضع واحد، ولا تسهيل إلا في موضع واحد، ولا روم أو إشمام إلا في موضع واحد، ولا سكت إلا في مواضع محددة، ولا إدغام كبير، فقد ورد في مواضع جاءت مدغمة، أما تفرداته فقد وصلت إلى خمسين، وهي أقل كثيراً من تفردات الراوي الثاني لعاصم شعبة بن عيَّاش فقد وصلت إلى خمسمئة وعشرين.

وعزا البعض أسباب انتشار روايته إلى الدولة العثمانية، وذلك بسبب اتخاذها المذهب الحنفي، وكون أبو حنيفة من الكوفة وأنه قرأ قراءة عاصم، أما ما تتميز به الرواية من صفات فقد تأثرت بلغة أهل الحجاز، فهي بشكل عام حملت ظواهر طغت عليها لغتهم، فقد أخذ عاصم عن السُّلمي وهو من قبيلة بني سليم، وعن زر الذي قرأ على ابن مسعود الهُذلي، والقبيلتان تقعان في بادية الحجاز، وهذا ما جعل روايته توافق أغلب قواعد النحو العربي، فمثلاً من التأثرات استعماله الفتح، وهو ضد الإمالة، وهذه سمة من سمات اللغة الحجازية، وإنْ أمال في موضع واحد ولعلَّ الدارس يسأل: أكثر القراء إمالة هم قراء الكوفة، ومع ذلك لم تنتشر الإمالة في رواية حفص وهو كوفي، فلماذا؟

قالوا: “ربما يكون السبب أنَّ انتشار الإمالة مرجعه إلى السماع والمشافهة إذ أنَّ قراء الكوفة إلا حفصاً قد تلقوا قراءاتهم عن زر بن حبيش الأسدي عن ابن مسعود الهُذلي، وقبيلتا أسد وهذيل من القبائل المُميلة، أما حفص فقد تلقى قراءته عن عاصم عن أبي عبد الرحمن السُّلمي عن الإمام علي عليه السلام وهؤلاء حجازيون، ولغة الحجاز مشهور عنها الفتح غير أنها تميل قليلاً ولعلَّ إمالة (مجراها) في رواية حفص من ذلك القليل”.  

ومثل (رُبَما) المخففة التي لم ترد إلا في موضع واحد في رواية حفص في قوله تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ (الحجر/2)}، فقد خففها حفص على لغة أهل الحجاز أما من شددها فعلى لغة أسد وتميم، وقراءته بالضم لكلمتي {وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (الكهف/63)}، و{ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (الفتح/10)}، مع أنَّ الأصل في الهاء الكسر إذا سبقت بكسرة أو بياء لتحقيق التناسب الصوتي، إلَّا إنَّ حفص ضم الهائين جرياً على لغة أهل الحجاز، فهم يضمُّون هاء الغائب مطلقاً.

ومما قرأه حفص على لغة أهل الحجاز(عَسَيتم) بفتح السين و(مَكَث) بفتح الكاف، والفتحة أخف من الكسرة كما هو معلوم، كما فتح السين في (يَحْسَبُهُم) (البقرة/273)، و(يَحْسَبنَّ) (آل عمران/178)، و(يَحْسَبُون) (الأعراف/30)، حيث قُرئت بالفتح والكسر وهما لغتان، والفتح يوجبه بناء ماضيه لأنَّ الفعل (بكسر العين) مضارعه يكون بفتح العين، كـ(عَلِمَ يَعْلَمُ) فهو أقيس لموافقته الميزان الصرفي، وهو لغة تميم، واتَّسمت رواية حفص بتحقيق الهمزة لشيوعها في لغة أهل الحجاز، إلا أنه سهَّل موضعاً واحداً وهو في كلمة (أَأَعجمي) (فصلت/44)، وعزا المحدثون موضوع تحقيق الهمزة وتسهيلها أنه مظهر من مظاهر التطور اللغوي نحو التخفيف.

خصائص رواية حفص

من الخصائص التي تميزت بها رواية حفص ظاهرة الانسجام الصوتي، وهي من مظاهر التخفيف والتسهيل في الكلام، ومن الكلمات التي حملت هذه الظاهرة ما ورد في قوله تعالى: {إن تُبدو الصَّدقات فَنِعِمَّا هي (البقرة/271)} حيث قُرئت (نِعِمَّا) بكسر النون والعين وتشديد الميم، وهي في الأصل عبارة عن مقطعين (نِعْمَ مَا) اتَّصلا وأدغما إدغاماً كبيراً.

وقال سيبويه: “إنَّ كسر العين لغة هُذيل، وهي (من القبائل الحجازية) حيث كُسرت النون إتباعاً لحركة العين، فقد قُرئت قراءات أخرى: باختلاس كسرة العين، وبكسر النون وإسكان العين (نِعْمَّا) و بفتح النون وكسر العين (نَعِمَّا).

ومثلها كلمة (يَخِصِّمُون) (يس/49)، حيث قُرئت بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد وكسرها حفص، وقُرئت (يِخِصِّمُون) و(يَخَصِّمُون) و(يَخْصِّمُون) و(يَخْصِمُون) في قراءات أخرى، وقد حصل في الكلمتين إدغام كبير وفق قاعدة صرفية أبدلت التاء إلى دال في الأولى وأدغمت، وإلى صاد في الثانية وأدغمت، فأصل الكلمتين: (يَهْتَدي) و(يَخْتصمُون)، وذلك يوافق ما ذهب إليه الباحثون في الصوت من المحدثين إنَّ كسر الهاء والخاء جاء نتيجة للتماثل الرجعي، حيث أثرت حركة الدال والصاد على حركة الهاء والخاء قبلها فتماثلت كسرة مثلها، ويقصد بالتماثل الصوتي الرجعي: (ما يقع من تأثير الصوت اللاحق على الصوت السابق).

كذلك من الكلمات التي خالفت شكلها بنيتها نتيجة الانسجام الصوتي:(عِتِيَّا، جِثِيّا، صِلِيّا) (8، 70، 72/ مريم)، حيث قُرئت هذه الكلمات بضم الأول وكسره على الأصل، لكن كسرها حفص إتباعاً ليكون عمل اللسان باتجاه واحد، فهي من الفعل عَتا يَعْتُو وجَثا يَجْثُو وصلَا يصلُو، انقلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها.

وكذا في كلمة (البُيُوت) (البقرة/189)، و(الغُيُوب) (المائدة/109)، وما على وزنها من صيغة (فُعُول) مثل: جُيُوب، عُيُون، شُيُوخاً وغيرها، حيث قُرئت هذه الكلمات بضم الفاء وبكسرها والضم قراءة حفص على الأصل.

علل مخالفات حفص

هناك مخالفات لحفص عللها البعض بأنه قرأها جمعاً بين اللغات، فقد حذف الهمزة في (أرجِهْ) (الأعراف/111)، وأصلها (أرْجِئْهُ) بالهمز، وهما لغتان فاشيتان، بحسب ابن خالويه في (الحجة في القراءات، ص/86)، وكذلك ما وقع في (هُزُواً) و(كُفُواً) في سورتي (البقرة/67) و(الإخلاص/4)، فقد قُرأت بالهمز إلا حفصاً فقد قرأها بالتسهيل.

وبخصوص شرعية الأخذ من القراءات فقد انقسم علماء الفريقين في هذه المسألة إلى أقسام، فمنهم من قال بجواز القراءة بكل نحو ورد عن أي قارئ صحَّ إقراؤه من قراء الصدر الأول، منهم شيخ الطائفة الطوسي فقد ذكر في تفسير التبيان (ج/1: ص/7): “اعلموا أنَّ العرف في مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أنَّ القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء، وإنَّ الانسان مخير بأي قراءة شاء قرأ، وكرهوا تجريد قراءة بعينها).

وبمثله صرَّح الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان، ج/1: ص/38) بالقول: “فاعلم أنَّ الظاهر من مذهب الإمامية أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما تتداوله القراء بينهم من القراءات إلا أنهم اختاروا القراءة بما جاز بين القراء وكرهوا تجريد قراءة مفردة، والشائع في أخبارهم أنَّ القرآن نزل بحرف واحد”..

وقد جنح إلى هذا القول جمع من متأخري العامة، منهم ابن الجزري الشافعي بقوله: “كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت المصاحف العثمانية ولو احتمالاً وصحَّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردَّها ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن السبعة أم العشرة أم غيرهم، ومتى اختلَّ ركنٌ من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمَّن هو أكبر منهم..”، وورد عن السيد محسن الحكيم في (منهاج الصالحين، ج/1:ص/231): “(الأقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الأئمة (عليهم السلام)”، وقد وجه السيد الخوئي الموضوع في (مستند العروة الوثقى، ج/3:ص/473) بالقول: “وقد تحصَّل من جميع ما قدَّمناه أنَّ الأقوى جواز القراءة بكلِّ ما قام التعارف الخارجي عليه حتى لا تحصل التفرقة بين المسلمين”.

نسب الضعف والوهن في رواية حفص

حول ما نُسِبَ إلى حفص من ضعف ووهن، فمن خلال قراءة ما ورد من تهم في حقه فهي مخصوصة في نقل الحديث الشريف وليس في القراءة، فإنَّ عبارات أهل الحديث وصفته بذلك، منها قول الذهبي في (ميزان الاعتدال، ج/1:ص/588): “وأقرأ الناس مدة، وكان ثبتاً في القراءة واهياً في الحديث، لأنه كان لا يتقن الحديث ويتقن القرآن ويجوده، وإلا فهو في نفسه صادق”، ولم تقتصر التهمة على حفص دون شيخه عاصم، وكذا بخصوص الراوي الثاني له شعبة بن عيَّاش، فقد وُصفا بنفس الأوصاف، وهناك من حلَّل التهمة ودافع عن حفص واعتبر ما قيل في شخصه لا يعدُو أن يكون اشتباهاً في الاسم، وهي تعليلات غريبة لا تقل غرابة عن الاتهامات فقلما يشتبه أصحاب التراجم، والبعض برر المسألة بشكل آخر فقالوا: قد يكون الإمام متقناً لفن من الفنون ومقصراً في فن آخر، وهو أمر وارد.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام شرعية | مقدار الربح المجاز في بيع السلع
أحكام شرعية | الإفطار بسبب إجراء الفحوصات الطبية
أحكام شرعية | دفع تكلفة الخدمات مع عدم الاستفادة منها
السؤال: هل ستُحشر الحيوانات في يوم القيامة؟
رواية عن النبي صلى الله عليه وآله كل نسب مقطوع إلى يوم القيامة الا نسبي هل هي صحيحه ؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل