مما يُكتب في هذه الأيام حول قائد الأمة الشهيد، نادراً ما يُتطرّق إلى جوانب حياته العلمية، ولا سيّما الجوانب الفقهية منها، مع أن أحد أهم ميادين جهده العلمي كان الفقه، وبخاصة الفقه المعاصر.

الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي، شأنه في ذلك شأن سلفه الإمام الخميني قدس سره، يُعدّ من القلائل في تاريخ الفقه الشيعي الذين أُتيح لهم أن يتولّوا قيادة دولة إسلامية على نحوٍ رسمي ومباشر. وصحيح أنّ فقهاء الشيعة قد تولّوا عبر التاريخ أدواراً سياسية أو اجتماعية محلية، رسمية كانت أو غير رسمية، بل وشارك بعضهم إلى جانب الحكّام في صورٍ مختلفة من إدارة الشأن العام، إلا أنّ ذلك لم يكن حكماً رسمياً تاماً ذا طابعٍ تأسيسي كما حصل بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

غير أنّ تجربة تولّي هذين الفقيهين لمقاليد الحكم أظهرت مفارقة لافتة؛ إذ إنّ دخول الفقيه في ساحة الحكم، وإن كان من شأنه أن يزيد من شهرته واتساع دائرة فتاواه، ولا سيّما الفتاوى ذات البعد الحاكم، إلا أنّه في المقابل قد يؤدّي إلى تراجع الاهتمام العلمي الدقيق بأبعاده الفقهية في الأوساط البحثية. وقد وقع شيء من ذلك في تجربة الإمام الخميني، حيث لم تحظَ بعض آرائه الفقهية بالقدر الكافي من الدراسة في دروس الخارج الفقهي أو في المؤلفات المتخصصة، بل وُصفت بعض المعالجات الفقهية التي تناولتها بأنها “حكومية”، مما ساهم في تهميشها أكاديمياً. وكذلك الحال بدرجات متفاوتة في تجربة خلفه آية الله الخامنئي.

ومع أنّ المكانة الفقهية للإمام الخميني ومرجعيته كانت قد ترسّخت نسبياً قبل الثورة الإسلامية، بل حتى قبل انطلاق نهضته ضد النظام البهلوي، فإنّ آية الله السيد علي الخامنئي لم تتبلور مرجعيته وظهوره الفقهي إلا في مرحلة لاحقة، وبخاصة بعد توليه القيادة، الأمر الذي زاد من حدة هذا التهميش في بعض الأوساط العلمية. وإلى جانب ذلك، فإنّ ما اتصف به هذان القائدان من زهد في مظاهر الشهرة، وعدم اهتمام بإبراز الذات العلمية أو الدفاع عنها إعلامياً، أسهم بدوره في تعميق هذا الواقع.

في هذه المذكرة، نحاول أن نقدّم قراءة سريعة وموجزة للمنهج الفقهي لدى آية الله الخامنئي، مع التركيز على جانب الفقه المعاصر، متجاوزين في ذلك الأبعاد السياسية والحاكميّة في شخصيته، قدر الإمكان.

والمادة المتاحة حول جهوده الفقهية تعود في جزء منها إلى تقارير شفوية من تلامذته في فترة تدريسه للسطوح العالية في الحوزة العلمية في مشهد، وجزء آخر إلى مؤلفات استُخرجت من دروسه في مرحلة البحث الخارج، إضافة إلى ما ورد في خطاباته ولقاءاته مع الفقهاء وطلبة الحوزة وشرائح مختلفة من المجتمع.

1. الاهتمام بالفقه المعاصر

بحسب ما ينقله تلامذته في دروس “المكاسب” في حوزة مشهد، وكذلك بعض المذكرات التي دوّنت قبل الثورة الإسلامية، كان آية الله الخامنئي شديد الاهتمام، في مرحلة تدريسه للسطوح العالية، بتطبيقات المسائل المستحدثة في الفقه، ولا سيّما في ما يرتبط بالشأن الحاكم. ويبدو أن هذا الاتجاه كان متأثراً بأستاذه الإمام الخميني.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية وتولّيه مسؤوليات متعددة، لم تتح له فرصة كافية لإظهار هذا الاهتمام على نحوٍ أكاديمي مباشر، إلا أنه بعد توليه القيادة عام 1989م، أكّد مراراً في خطاباته، خصوصاً في لقاءاته مع طلاب وأساتذة الحوزات العلمية، على ضرورة أن تقدّم الحوزات إجابات فقهية علمية سريعة ومؤصلة للتحديات المستجدة التي تواجه المجتمع والدولة والعالم المعاصر.

وفي دروس البحث الخارج التي بدأها منذ مطلع التسعينيات الميلادية، لم يقتصر على الموضوعات الفقهية التقليدية، بل تناول قضايا مستحدثة مثل “الصابئة”، و“الغناء والموسيقى”، و“الجهاد”، وما إلى ذلك من مسائل معاصرة. كما أن تشجيعه المستمر لطلاب وأساتذة الحوزة على الانخراط في قضايا الفقه المعاصر، إلى جانب تقديره للجهود المبذولة في هذا المجال، جعله من أبرز الداعمين لهذا الاتجاه داخل الفقه الإمامي. كذلك دعم عقد مؤتمرات علمية متخصصة في موضوعات حديثة مثل “الفقه النووي” و“فقه الفن”، وأشاد في لقاءاته بالمشاركين فيها وشجّع على مواصلة هذا المسار.

2. الاهتمام بالفقه المعاصر من حيث المنهج

مع إيمان آية الله الخامنئي بضرورة العناية بالفقه المعاصر، فإنه لم يغفل في الوقت نفسه عن مسألة “الفقاهة المعاصرة” أي المنهج الاجتهادي الملائم لظروف العصر. فهو مع تأكيده الدائم على “الفقه الجواهري” وضبط القواعد الأصولية، لم يفهم هذا المفهوم على أنه جمود على الأساليب القديمة أو تعطيل لإعادة قراءة الأدلة.

ومن أبرز ملامح منهجه الفقهي: الاهتمام الجاد بالقرآن الكريم، والدقة الموضوعية والعلمية، ودراسة الظروف التاريخية لصدور النصوص ووقوع الموضوعات، والاهتمام بآراء الفقهاء المتقدمين وعدم الاكتفاء بالمصادر المتأخرة، والاستفادة من مناهج جديدة في علم الرجال، إضافة إلى مراعاة متطلبات الحكم الإسلامي في عملية الإفتاء، والانتباه إلى عواقب الفتوى ومقاصد الشريعة العليا.

3. القرآن محوراً

كان آية الله الشهيد، وإن كان قد نشأ على الأنس بالقرآن منذ طفولته، حيث كان لتلاوة والدته اليومية للقرآن أثر واضح في ترسيخ هذا الارتباط الروحي والفكري به، إلا أن هذا الارتباط لم يقتصر على التلاوة والأنس في شهر رمضان، بل تجلّى أيضاً في حضوره العميق في عملية الاستنباط الفقهي.

ويُعدّ منهجه في التعامل مع القرآن في دروسه الفقهية من المناهج الدقيقة في إدخال النص القرآني في عملية الاجتهاد؛ إذ لم يكن يكتفي بذكر الآيات في صدر الأبحاث على سبيل التبرك، كما لم يتعامل مع القرآن بمعزل عن الحديث الشريف. بل كان يرى أنّ القرآن أصلٌ لفهم الروايات، وأن الروايات بدورها شارحة للقرآن الكريم.

ويتجلى هذا بوضوح في بعض فتاواه، كفتوى حرمة الغناء إذا كان مضلّاً، المستنبطة من بعض الآيات القرآنية.

4. الاهتمام بالموضوعية

إنّ ضرورة الدقة الموضوعية، ولا سيّما في المسائل المستحدثة، مما أكّد عليه عدد كبير من الفقهاء والأساتذة الحوزويين في العقود الأخيرة، غير أنّ كثيراً منهم يقتصر في ذلك على مراجعة الكتابات النظرية حول الموضوع. أما آية الله الشهيد، فقد تجاوز ذلك إلى عقد لقاءات مباشرة مع أهل الاختصاص في مجالات متعددة كالاقتصاد، والأسرة، والسياسة، والتكنولوجيا، والفن، والإعلام، مما أتاح له رؤية أكثر دقة وواقعية للموضوعات الفقهية.

كما أن اتساع دائرة مطالعاته، التي شملت كتباً علمية وأدبية ومتخصصة في مجالات متعددة، أسهم في تعميق فهمه للموضوعات. ويُعدّ من أبرز خطواته في هذا السياق تأسيس “المؤسسة الموضوعية للأحكام الفقهية”، التي تولّت دراسة عدد من الموضوعات الفقهية بصورة تخصصية، ونشرت نتائجها في كتب وبحوث علمية.

5. تجنيب الفقه الثقل والتخفف من العلوم قليلة الجدوى

يبدو أن في المسار العلمي لآية الله الخامنئي توجهاً واضحاً نحو التخفف من العلوم غير الضرورية، سواء على المستوى الشخصي أو في المجال التعليمي الحوزوي. ويتجلى ذلك في تأكيده المتكرر على ضرورة تقليص سنوات التحصيل، والتنبيه إلى تضخم علم أصول الفقه، والتحذير من الإفراط في تدريس بعض المباحث غير التطبيقية، ومنها بعض أنماط العرفان النظري، مع تركيزه على تدريس البحث الخارج الفقهي دون غيره.

وفي لقاءاته مع أساتذة وطلاب الحوزة، ورغم تأكيده الدائم على قيم التهجد والإخلاص والجد والاجتهاد، فإنه لم يكن يشجع على إطالة مسار التحصيل العلمي في غير ما طائل، أو الانشغال بالعلوم المتضخمة التي لا تخدم الغاية العملية للفقه.

6. الإخلاص العلمي

وهو مفهوم لم يُنص عليه صراحة في كتب أصول الفقه، إلا أنّ بعض العلماء، كالوحيد البهبهاني، أشاروا إليه كشرط ضمني في الاجتهاد. وتظهر شواهد متعددة على تحقق هذا المعنى في شخصية هذا الفقيه الشهيد؛ إذ لم يُعرف عنه الدخول في ردود شخصية على من شكك في اجتهاده، كما كان يذكر الفقهاء باحترام في مباحثه العلمية، ولم يُنقل عنه سخرية أو انتقاص من أي فقيه بسبب رأيه الفقهي.

كما أنه لم يسعَ إلى تثبيت مرجعيته أو الترويج لها، بل إنّه لسنوات طويلة كان متحفظاً تجاه طباعة رسالته العملية. ولم يكن يميل إلى إبراز نفسه علمياً أو الادعاء بتلمذة خاصة، بل اتسمت سيرته بتواضع معرفي لافت، خصوصاً تجاه أساتذته وعلى رأسهم الإمام الخميني.

كما أنه لم يكن يصف نفسه بصفات علمية ظاهرة من قبيل “الفقيه” أو “المجتهد” أو غيرها، مما يعكس درجة عالية من التواضع العلمي، وتلك سمة لافتة في سيرته. ويُختم هذا المسار باستشهاده الذي يُنظر إليه بوصفه آخر شاهد على حياة اتسمت بالإخلاص العلمي والعملي.

بقلم: الكاتب: مصطفى درّي

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل