كانت هناك شبكة واسعة من الأتباع والأنصار تعمل في الخفاء، جرى إعدادها ضمن مخطط دقيق يستهدف إسقاط الدولة الأموية. وقد انطلقت ملامح هذا المشروع من المدينة المنوّرة، وكان من شأنه ـ لو قُدّر له الاكتمال والتنفيذ ـ أن يُحدث تحولاً جذرياً في مسار الشام، بل وفي مجرى التاريخ الإسلامي برمّته.

وفي هذا السياق، يشير القائد الشهيد للثورة الإسلامية في كتابه «الإنسان ٢٥٠ عاماً» إلى سرّ مهم من عصر إمامة الإمام الصادق عليه السلام، كان يُفترض أن يُشكّل نقطة انعطاف كبرى في التاريخ، وأن يُحدث تحولاً عميقاً في بنيته ومساره، قال قدس سره:

عند وفاة الإمام الباقر عليه السلام، وبسبب الجهود الكبيرة التي بذلها هو والإمام السجاد عليهما السلام خلال تلك المرحلة، تغيّرت الظروف السياسية والاجتماعية لصالح أهل البيت عليهم السلام بشكل ملحوظ. وفي سياق حديثه، يذكر الشهيد القائد ـ بكلمتين ـ ما يصفه بخطة الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، وهي خطة كانت في حينها من الأسرار المصونة. وهي من نوع الأسرار التي كان أصحابها من خواصّ أصحاب الإمام، كجابر بن يزيد الجعفي، يُحذّرون من إفشائها، ويُتوعد من ينقلها باللعن، لما كان يترتب على كشفها آنذاك من تبعات خطيرة.

ويؤكد أن المقصود بكشف هذه الحقائق اليوم هو إظهار وعي الأمة بتاريخها ودور أئمتها، بعدما زال ظرف الكتمان الذي كان يحيط بها.

وقد تمثلت تلك الخطة ـ بحسب هذا العرض ـ في أن الإمام الصادق عليه السلام، بعد وفاة الإمام الباقر عليه السلام، يعمل على تنظيم الصفوف وتعبئة الطاقات، تمهيداً لثورة علنية تهدف إلى إسقاط الحكم الأموي، الذي كان يعيش حالة من التآكل والضعف، حيث كانت تتبدل فيه السلطات بشكل متسارع، بما يعكس انهيار بنيته الداخلية.

وكان من المفترض أن تُستنهض القوى من مختلف الأقاليم الإسلامية؛ من خراسان والري وأصفهان والعراق والحجاز ومصر والمغرب وسائر المناطق، حيث كانت شبكات الارتباط التابعة للإمام الصادق عليه السلام ـ أي التشيع آنذاك ـ ممتدة في تلك البلاد. ثم تتجه هذه القوى إلى المدينة المنورة، لينطلق الإمام منها نحو الشام، فتُسقط دولة بني أمية، وتُقام على أنقاضها حكومة إسلامية على نهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المدينة.

وفي ضوء هذا السياق، ورد أنه في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الباقر عليه السلام، وعند سؤاله عن «القائم من آل محمد»، أشار إلى الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: «كأني أرى قائم آل محمد». ويُفهم من ذلك أن وصف «القائم» هنا ليس اسماً خاصاً بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، بل هو وصف عام لكل من يقوم من أهل البيت عليهم السلام لإقامة الحق والعدل.

فالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو القائم النهائي من آل محمد، غير أن مفهوم «القائم» في الروايات قد يُطلق أيضاً على كل من يتصدى لإحياء أمرهم وإقامة دولة الحق في عصره، سواء تحقق له النصر أو لم يتحقق. وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن الإمام الصادق عليه السلام كان مرشحاً لأن يكون في ذلك الظرف هو القائم بمهام الإصلاح والتغيير.

ثم آل الأمر في نهاية المطاف إلى توليه الإمامة في تلك المرحلة الحساسة من التاريخ.


المصدر: كتاب «الإنسان ٢٥٠ عاماً»، لسماحة آية الله الشهيد السيد علي خامنئي، ص 311.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل