بعد انتهاء غزوة الأحزاب (الخندق)، بدأ النبي الأكرم (ص) بالتوجه نحو حصون بني قريظة، وذلك بسبب نقضهم للعهد. وقد أُرسلت مجموعة من أصحابه بقيادة الإمام علي (ع) كطليعة لحصار تلك الحصون. ووفقاً للروايات التاريخية، كان لحضور علي (ع) أثر نفسي بالغ على معنويات المدافعين، مما هيأ الأرضية لانهيار مقاومتهم.
تناول حجة الإسلام محمد مهدي طباخيان، في كلمة له حول “برنامج رواية الحرب مع علي (ع)”، شرحاً مفصلاً لخلفيات غزوة الأحزاب، وتحريكات القبائل العربية، ودور علي (ع) في حصار بني قريظة، وأثر شخصيته على معنويات المحاصرين.
خلفيات تشكّل غزوة الأحزاب وانضمام القبائل العربية
لقد خان اليهود، وخانوا خيانة عظيمة. فعندما دخلت العرب – بتحريض من اليهود – إلى معركة الخندق، كان الظن الأول لدى الجميع أن أمر المدينة قد انتهى. فقد جاء جميع العرب إلى الميدان؛ ليس قريشاً وحدها، بل كل قبيلة تملك ثروة وقوة.
دور بني النضير وحُيَيّ بن أخطب في تحريض قريش
كانت جيوب اليهود الممتلئة بالمال هي المسؤولة الأولى عن التمويل واللوجستيات والدعم. فقد قرر كبيرهم، حُيَيّ بن أخطب، أن ينهي أمر النبي الأكرم (ص) في السنة الخامسة للهجرة إلى الأبد. وتمكن من خداع أبي سفيان، وجر قريش إلى معركة مصيرية.
وضع قريش والأجواء الداخلية في المدينة قبل المعركة
ليس أن قريشاً كانت ترغب في قتال النبي؛ فقد كانت لديها دوافعها، لكنها لم تكن قد اتخذت قرار الحرب بعد. كانت معادلة الردع في المدينة لا تزال فاعلة. لكن أبا سفيان، بتحريض من كبار المموّلين من يهود بني النضير وعلى رأسهم حُيَيّ بن أخطب، وبضوء أخضر من منافقي المدينة الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام وينوون التعاون مع العدو، دخلوا الميدان معتقدين أنهم يستطيعون توجيه ضربة قاضية للمدينة.
وصف غزوة الأحزاب ومقاومة المدينة
كانت حرب الأحزاب ثقيلة. نجح النبي (ص)، بصبره لأكثر من شهر منذ بدء تحرك القبائل العربية، وحفر الخندق في أطراف المدينة، ثم المقاومة خمسة عشر يوماً خلف الخندق، واستشهاد ثمانية من أصحابه وفي مقدمتهم إصابة سعد بن معاذ التي انتهت باستشهاده، في أن جعل العدو يندم على فعلته. فجيش قريش المؤلف من عشرة آلاف مقاتل حُوصر خلف الخندق الذي صممه سلمان الفارسي. وأخيراً، في تلك الليلة الباردة التي كانت الرياح تعوي في الصحراء ويخرق البرد القارس العظام، قرر مشركو قريش الانسحاب.
وضع المدينة بعد انسحاب الأحزاب
بعد أن رجعت قريش، بقي النبي في المدينة مع الخائنين. خائنون لو تمكنوا من السيطرة على المدينة، لما رحموا صغيراً ولا كبيراً. إنهم خونة وطن، لم يبق لهم وطنية، ولا غيرة، ولا دين، ولا إنسانية.
أمر النبي (ص) بالتوجه نحو حصون بني قريظة
قرر جيش النبي الأكرم (ص) قراراً إلهياً، بعد أن جاءه جبريل وأمره الله العزيز بأن يصلوا صلاة العصر في اليوم التالي لنصر الخندق عند أسوار حصون بني قريظة العالية. كانت حرب ضد الخونة، ولا بد أن تتقدمها طلائع.
تحصينات بني قريظة ووهم الأمان في الحصون
كان ظن يهود بني قريظة أن حصونهم التي لا مثيل لها في الحجاز، والتي بنوها تقليداً لإخوانهم اليهود الذين كانوا يعيشون في الشام – على طريقة القياصرة في روما – لن يستطيع أحد تخطي أسوارها العالية، وأنهم ما داموا يعيشون في هذه الحصون، فلن يصل إليهم أحد.
تحرك الطلائع بقيادة أمير المؤمنين علي (ع)
تحركت مجموعة من ثلاثين شخصاً من أصحاب النبي الأكرم (ص)، كانوا غالباً من الأنصار الخزرج، بقيادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حاملين راية الحرب نحو قلاع بني قريظة. وعندما وصلوا إلى مشارف الحصون، يروي أمير المؤمنين (ع) أنه قال: “لما دنوت من سورهم، صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو، وقال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو، وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك، وألقى الله في قلوبهم الرعب”^(1).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الواقعة في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}^(2) [سورة الأحزاب: 26].
فكان لحضور الإمام علي (ع) أثر نفسي حاسم في انهيار مقاومة بني قريظة، حيث تسامع اليهود باسمه وخبر قتله لعمرو بن عبد ود في غزوة الخندق، فلما رأوه مقبلاً نحو حصونهم، اضطربوا وفزعوا وقالوا: “جاء قاتل عمرو بن عبد ود”^(3).
ربط الرواية التاريخية باليوم
واليوم، علي (ع) معنا. فلنخرج علياً إلى الميدان، ونتوسل به، ونستنصره. ليتقدم مولانا أمير المؤمنين الجيش طليعة، حتى يراه هؤلاء اليهود الغلاظ، فيلقي الله الرعب في قلوبهم باسم حيدر.
المصادر:
^(1) الإرشاد، للشيخ المفيد، ج1، ص109؛ بصائر الدرجات، ص342؛ قرب الإسناد، ص157.
^(2) القرآن الكريم، سورة الأحزاب (33)، الآية 26.
^(3) انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، عند تفسير الآية 26 من سورة الأحزاب؛ وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ، صـ؛ والسعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عند تفسير الآية نفسها.
*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل





