إن حبّنا هو السبيل الذي تُنال به السعادة الأبدية؛ السعادة التي لا نهاية لها ولا حدّ لمدتها. هذه المحبة التي نلتها بغير ثمن، وهذه المعرفة التي وهبك الله إياها فينا، تساوي آلاف المرات من الدنيا وما فيها، لأنك بهذا الحب تبلغ سعادة لا تُحدّ.

وبمناسبة ذكرى استشهاد شيخ الأئمة الإمام الصادق عليه السلام، نقدّم لكم مقتطفًا من كلمات العلامة الراحل الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، يتحدث فيه عن “محبة الإمام الصادق عليه السلام”:

يروي العلامة مصباح اليزدي ـ رحمه الله ـ في أحد مجالسه بهذه المناسبة:

إن يونس بن عبد الرحمن، أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وهو كثير الذكر في الروايات، يقول:

ذهبتُ يومًا إلى خدمة الإمام الصادق عليه السلام، وكنتُ ـ وهذا الكلام ليس نصّ الرواية، لكنه يُفهم من سياقها ـ أريد أن أقول ما يُسرّ به سيدي، وأن أُظهر له مقامي ومقدار إيماني.

فقلت: يا سيدي، “لَوِلَايَتُكُمْ وَمَا عَرَّفَنِيَ اللَّهُ مِنْ حَقِّكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا”^(1)

أي: إن ولايتي لكم، وهذه المعرفة التي منّ الله بها عليّ بحقكم، لو وضعتها في كفة، ووضعت الدنيا بأسرها في الكفة الأخرى، لكانت هذه الكفة هي الأحب إليّ. يكفيني أنني أحبكم… مجرد هذا الحب.

يعني: لو كانت الدنيا بأجمعها في كفة، وقيل لي: إن أردتها فعليك أن تتخلى عن هذه الولاية، فلن أفعل. سأقول: خذوا مني كل شيء، ولكن لا تسلبوا مني حب أهل البيت.

وهذا كلام عظيم. وأنا لا أجرؤ على مثل هذا القول. لقد جاء إلى الإمام الصادق عليه السلام يقول: إني أقدّر حبكم بهذه القيمة. فماذا تظنون أن الإمام قال له؟

كنتُ أظن ـ قبل أن أقرأ بقية الجملة ـ أنه سيقول: بارك الله فيك، أحسنت، طوبى لك، ما أسعدك! فما الذي كنتم تتوقعونه؟

لكنه عليه السلام لم يقل ذلك. يقول الراوي: فلما قلتُ هذا، قطّب الإمام جبينه! وقال: “ما تقول؟! بأي شيء تقارن أي شيء؟! قِسْتَنَا بِغَيْرِ قِيَاسٍ“؛ أي: قارنتنا بغير قياس! عقدتَ مقارنة لا ينبغي عقدها!

فتعجبتُ. كنتُ أتوقع أن يقول: أحسنت، بارك الله فيك على معرفتك! لكنه قال: هذه المقارنة التي أجريتها ليست في موضعها على الإطلاق.

فأصغيتُ باهتمام لأرى ما سيقوله. فقال عليه السلام: “هذه الدنيا التي ذكرتها وما فيها… ما الذي ينالك منها؟”

“مَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، هَلْ هِيَ إِلَّا سَدُّ فَوْرَةٍ أَوْ سَتْرُ عَوْرَةٍ”؛

هذه الدنيا بكل ما فيها من متاع وزينة، ليس نصيبك منها إلا أن تسد جوعًا أو تستر عورة. تجوع فتشبع، أو تعرى فتكتسي. ثم ماذا بعد ذلك؟ ذكر عليه السلام هذه الأمثلة، وهناك غيرها مما تعلمون.

هذه هي الدنيا. فكيف تقرن هذا بحبنا؟!

“وَأَنْتَ لَكَ بِمَحَبَّتِنَا الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ”؛

إن حبنا يمنحك الحياة الأبدية! أنت تسد جوعًا وتستر عورة، فكيف تقارن هذا بحبنا؟!

إن حبنا يوصلك إلى السعادة التي لا نهاية لها! والسعادة التي لا نهاية لها أمر لا يمكن تحديد زمن له، “هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا”. فهل هذه الأمور قابلة للمقارنة أصلًا حتى تقول إن حبنا أحب إليك من الدنيا؟! فماذا أردت إذن؟!

بهذه العبارة أراد عليه السلام أن يفهمه أن هذه المحبة التي نلتها بغير ثمن، وهذه المعرفة التي وهبك الله إياها فينا، تساوي آلاف المرات من الدنيا بأسرها، لأنك بهذا الحب تبلغ سعادة لا نهاية لها.

فاللانهاية بأي عدد يمكن مقارنتها؟! كل طلاب المرحلة الثانوية يعلمون أن أي عدد ـ مهما عظم ـ لا نسبة له إلى اللانهاية.

العلامة الراحل الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، 9 آب 2019 م


المصدر:

^(1) تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله ص379: قَالَ يُونُسُ لِلإِمامِ الصّادِقِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): “لَوِلاَئِي لَكُمْ وَمَا عَرَّفَنِيَ اَللَّهُ مِنْ حَقِّكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اَلدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا.

قَالَ يُونُسُ: فَتَبَيَّنْتُ اَلْغَضَبَ فِيهِ.

ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): يَا يُونُسُ قِسْتَنَا بِغَيْرِ قِيَاسٍ! مَا اَلدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا؟ هَلْ هِيَ إِلاَّ سَدُّ فَوْرَةٍ أَوْ سَتْرُ عَوْرَةٍ؟ وَ أَنْتَ لَكَ بِمَحَبَّتِنَا اَلْحَيَاةُ اَلدَّائِمَةُ”.

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل