ولكي لا تموت تحت أرجل الغزاة، لا بدّ أن تكون مهيوب الجانب. إن نظرة سريعة إلى الواقع الدولي تكشف بوضوح مدى ما بلغته الأمم الأخرى من قوة عسكرية هائلة؛ فقد تجاوزت استعداداتهم حدود الأرض، وها هم يستعدّون لما يُعرف بحرب النجوم. وفي المقابل، يواصل الظلمة اعتمادهم الدائم على “منطق القوة”، الأمر الذي يفرض سؤالاً ملحّاً: هل يمكن مواجهة هذا المنطق بقوة المنطق وحدها؟
وهل رأينا عاقلاً يُنشئ شيئاً ثم لا يفكر في حمايته من المتطفلين؟ هل يمكن أن نزرع جُنينة دون أن نُحيطها بسياج؟ أو نبني بيتاً دون أن نقيم له سوراً؟ وهل خلق الله الوردة إلا وقد أحاطها بالأشواك؟ إن منطق الحياة ذاته قائم على الجمع بين البناء والحماية، بين الإيجاد والدفاع عنه.
ومع ذلك، فنحن لا نقول إن حمل السلاح كفيل بحلّ جميع مشكلاتنا، ولا نزعم أن العنف وحده هو الذي يبني الأمم، ولا نعتقد أن فوهة البندقية تصنع المعجزات. ولكننا نقول بوضوح: من دون قوة تحمي، سنغدو عبيداً، إن لم نكن أقوياء؛ وسنتحوّل إلى وقودٍ في نيران الآخرين، إن لم نكن قادرين على إطفائها.
إننا نطالب بأن نفعل ما فعله رسول الله ﷺ وأصحابه؛ أولئك الذين جمعوا بين البناء والجهاد، بين العمران والمقاومة. فقد كانوا يبنون ويعيشون ويطوّرون، وفي الوقت نفسه كانوا يجاهدون ويقاتلون. كانوا يقاتلون بيد، ويبنون بالأخرى، ويتعلمون ويتفقهون من جهة، ويتدرّبون على السلاح ويستعدّون للقتال من جهة أخرى. كانوا يشيّدون البيوت، ويزرعون الأرض، كما كانوا يفتحون البلدان.
إن إلغاء الجهاد، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة، هو الذي جعلنا مطمعاً للطامعين، وموضع استهانة للمتربصين. وقد حذّر الإمام علي عليه السلام من هذا المسار حين قال في وصيته: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّي الله أمركم شراركم، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم». وكذلك نبّه رسول الله ﷺ إلى هذا الخلل حين قال: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». ولما سُئل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
من هنا، فإن الجهاد في موقعه ضرورة، كالصلاة في موقعها، والحرب في وقتها واجبة كالحج في موسمه، ومواجهة الظالمين في ظروفها فرض ديني كالصوم في شهره. ومع ذلك، فالجهاد ليس بديلاً عن العبادات، ولا عن الثقافة والتربية والعمل السياسي والاجتماعي، كما أن تلك المجالات ليست بديلاً عنه. لكل واحد منها موقعه، ولكل ضرورة مجالها.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يبايع الأحرار على الإسلام والجهاد، وكان الإمام علي عليه السلام يبايع الحر والعبد معاً على ذلك. وقد رُوي أن رجلاً جاء ليبايع أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: أبسط يدك أبايعك على أن أدعو لك بلساني، وأنصحك بقلبي، وأجاهد معك بيدي. فسأله الإمام: «حرّ أنت أم عبد؟» فقال: بل عبد يا أمير المؤمنين. فصفق الإمام يده فبايعه. في إشارة واضحة إلى أن الجهاد مسؤولية عامة لا تختص بطبقة دون أخرى.
فالجهاد ضرورة لقيام النظام الاجتماعي وحماية الكيان، كما أن العبادات ضرورة لتزكية النفس وبنائها. وإذا اختلّ هذا التوازن، اختلّ البناء كله.
ثم يبقى السؤال الحاسم: ماذا نفعل بالجلادين، والقتلة، والظلمة، والغزاة، والمحتلين؟ هل نقدّم لهم الورد أم نواجههم بما يردعهم؟ هل ننحني أمامهم أم نقف في وجوههم؟ إن الله تعالى، وهو أرحم الراحمين، يضع الرحمة في موضعها، كما يضع الشدة في موضعها. فاستعمال الرحمة مع القاتل ظلم، كما أن استعمال الشدة مع البريء باطل. ولكل مقام حكمه، ولكل موقف منطقه.
المصدر: السيد هادي المدرسي / موسوعة الجهاد، ج1، ص 34–37





